في ظل التحولات الاقتصادية التي يعرفها العالم، يبرز قطاع الصيد البحري كأحد أهم الركائز القادرة على إحداث نقلة نوعية في مسار التنمية بجهة كلميم وادنون، لما تزخر به سواحلها من مؤهلات طبيعية وبنيات تحتية واعدة، تجعلها مؤهلة لتكون قطبًا بحريًا تنافسيًا على الصعيد الوطني.
تمتد السواحل الأطلسية للجهة على مسافة مهمة، ما يمنحها ثروة سمكية متنوعة ومجالًا بحريًا واسعًا لم يُستغل بعد بالشكل الأمثل. ورغم توفرها على مينائين للصيد البحري، وأسطول يضم مئات الوحدات من الصيد التقليدي والساحلي، إلى جانب وحدات للصيد في أعالي البحار، فإن مساهمة القطاع في التنمية المحلية لا تزال دون التطلعات.
ويرى مهنيون أن الإشكال لا يكمن في ضعف الإمكانيات، بل في غياب رؤية موحدة واستراتيجية واضحة لتثمين هذه الثروات. فبنية الجهة تشمل أيضًا محطات لتسويق المنتجات البحرية، ووحدات صناعية لتحويلها، فضلًا عن أوراش متخصصة في بناء وصيانة السفن، وهو ما يشكل سلسلة متكاملة يمكن أن تخلق دينامية اقتصادية قوية إذا ما تم استغلالها بفعالية.
وفي الوقت الذي تعرف فيه جهات مجاورة مثل سوس ماسة نشاطًا ملحوظًا في تثمين المنتجات البحرية، يتم نقل جزء كبير من المصطادات التي تتم بسواحل كلميم وادنون نحو وحدات صناعية خارج الجهة، ما يحرمها من قيمة مضافة مهمة وفرص شغل إضافية.
ويؤكد متتبعون أن قطاع الصيد البحري قادر على توفير آلاف مناصب الشغل المباشرة، إلى جانب فرص غير مباشرة في مجالات النقل والخدمات واللوجستيك والصناعات المرتبطة، مما يجعله رافعة حقيقية لمحاربة البطالة وتحقيق الإقلاع الاقتصادي.
ورغم إطلاق عدة مخططات وبرامج وطنية لتطوير القطاع خلال السنوات الماضية، إلا أن أثرها ظل محدودًا على مستوى الجهة، وهو ما يُعزى إلى ضعف التنسيق بين الفاعلين المحليين، وغياب التأهيل الكافي لدى بعض المؤسسات المنتخبة لمواكبة المشاريع الكبرى واستثمارها بالشكل المطلوب.
في المقابل، تفرض التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأزرق ضرورة إعادة التفكير في النموذج التنموي للجهة، من خلال توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة البحرية، وتعزيز التكوين في مهن البحر، وتحفيز الصناعات التحويلية المرتبطة بالصيد البحري.
ويجمع فاعلون محليون على أن المرحلة الراهنة تتطلب جرأة أكبر في اتخاذ القرار، وانخراطًا فعليًا من مختلف المتدخلين، من أجل تحويل المؤهلات الطبيعية للجهة إلى ثروة حقيقية ومستدامة، قادرة على تحقيق التنمية المنشودة.
ويبقى الرهان معلقًا أيضًا على دور الإعلام في مواكبة هذا الورش، عبر تسليط الضوء على فرص الاستثمار، والتعريف بمؤهلات الجهة، والمساهمة في خلق نقاش عمومي مسؤول يدفع نحو تبني سياسات تنموية أكثر نجاعة.
في انتظار ذلك، يظل قطاع الصيد البحري أحد أبرز المفاتيح الممكنة لفك العزلة الاقتصادية عن جهة كلميم وادنون، وفتح آفاق جديدة أمام ساكنتها نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.





















































































