لم تعد البحار مجرد وسيلة من وسائل الاتصال بين الدول فحسب، بل أصبحت تشكل مصدراً هاماً لحياة الشعوب، نظراً لما تحتويه من ثروات حية وغير حية، تشكل مصدراً غذائياً واقتصادياً هاماً للدول لا يمكن إنكاره أو تجاهله. وكان من نتاج ذلك أن سعت الدول دائماً إلى تطوير إمكاناتها التكنولوجية المتعلقة باستكشاف واستغلال الثروات الحية وغير الحية الكامنة فى هذه المساحات البحرية.
وقد كانت المشاكل المتعلقة باستغلال ثروات البحار والسعى إلى إيجاد الوسائل اللازمة والملائمة لتسوية هذه المشكلات هى الأساس الذى استند إليه ظهور قواعد القانون الدولى فى مجمله والباعث على قيام وظهور هذا الفرع من فروع القانون.
وحسب الدكتور عادل عبد الله المسدى استاذ القانون الدولي فان وجهات نظر الدول وفقهاء القانون الدولى قد تباينت بخصوص الوضع القانونى للبحار ومدى إمكانية فرض السيادة عليها، حيث نادى فريق أول بفكرة حرية البحار وجعلها مفتوحة لكل الشعوب وعدم جعلها حكراً على دولة أو دول بعينها. ويعد الفقيه الهولندى “جرسيوس” والملقب بأبو القانون الدولى، هو أول من دافع عن هذا الاتجاه فى مؤلفه الشهير “البحر الحر” “Mare Librum”، الصادر عام 1609. فى حين نادى فريق ثان بضرورة إخضاع البحار لسيادة الدولة وسلطانها، ودافع عن هذا الاتجاه الفقيه الإنجليزى “سلدن” فى مؤلفه الشهير “البحر المغلق” “Mare Clausum” الصادر عام 1625.
ورغم استمرار الصراع بين هذين الاتجاهين،- يقول الدكتور عادل عبد الله المسدى – وعدم نجاح أحدهما فى التغلب على الآخر، إلا أن قانون البحار شهد تغيرات متلاحقة وسريعة، لم تكن إلا انعكاسا للتغيرات الخاصة باهتمام الدول ومصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وغيرها من العوامل التى ساعدت على إحداث هذه التغيرات، التى كان لها أثرها على حقوق الدول وواجباتها فيما يتعلق باستغلال الثروات الحية وغير الحية الموجودة فى مياه البحار وقيعانها.
إذا كانت أهمية البحار قد وجدت مع وجود البشرية، فإن تعدد القواعد القانونية المنظمة لاستخدام واستغلال هذه البحار وتشعبها، أوضح الضرورة الملحة لتدوين هذه القواعد حتى يكون هناك وضوح وثبات فى مضمون وفحوى هذه القواعد.
ولاريب أن تقنين قواعد القانون الدولى للبحار سيحقق النتائج المرجوة من تقنين القواعد القانونية بشكل عام، حيث يهدف من ناحية إلى وضع القواعد والمبادئ العرفية الراسخة منذ فترة زمنية طويلة فى صورة قواعد قانونية مكتوبة، كما يهدف من ناحية ثانية إلى التطوير التدريجى والمستمر لقواعد القانون الدولى للبحار، وهذا يشكل وظيفة أساسية من وظائف التقنين بشكل عام.
وتكمن أهمية تقنين قواعد القانون الدولى للبحار فى أنه يؤدى إلى تحديد مضمون القواعد القانونية الحاكمة لسلوك الدول بخصوص استخدام واستغلال البحار والمحيطات وما فى باطن أرضها من ثروات حية وغير حية بشكل دقيق وواضح، الأمر الذى سيترتب عليه التقليل من كثرة المنازعات المثارة بخصوص تحديد مضمون وفحوى هذه القواعد، وذلك خلافاً للقواعد العرفية، التى كثيرا ما تثير العديد من المشكلات عند التطبيق نظراً للاختلاف حول مضمونها وفحواها.






















































































