د . أيمن سلامة.
أستاذ القانون الدولي العام ـ أكاديمية ناصر العسكرية العليا – مصر
تعتبر مشكلة المضايق إحدى المسائل الرئيسة التي لم تُدرج في جدول أعمال المؤتمر الثالث لقانون البحار فحسب؛ بل كانت أكثرها جدلاً بين الدول المشاركة فيه، حتى أنها شغلت بال المؤتمر واستحوذت على سير مفاوضاته، بسب أهميتها الاستراتيجية وموقعها الجغرافي كمنافذ طبيعية بين البحار والمحيطات.
وتعريف المضيق هو مياه تفالقواعدصل بين إقليمين وتصل بحرين، ولذا فإن المياه لا تعتبر مضيقًا بالمعنى الجغرافي إلا إذا توافرت لها الأوصاف التالية:
_ أن تكون جزءًا من البحر.
_ ألا تكون قد تكونت بطريقة صناعية.
_ أن يكون محدد الاتساع.
_ أن تفصل منطقتين من الأرض، وتصل منطقتين من البحر.
وقد عرَّفت محكمة العدل الدولية المضيق _ في قضية كورفو Corfu _ بأنه “ممر بين جزأين من الأرض يصل بين جزأين من البحر المفتوح واستخدامه في الملاحة الدولية”.
والمضايق، أو البواغيز، هي طرق مياه طبيعية تصل بين بحرين من البحار العامة، أو بين بحر داخلي وبحر من البحار العامة. غير أن هذه المساحات، وإن كانت جزءًا من البحار العامة؛ إلا أن وقوعها في إقليم دولة أو أكثر يجعل لها أحكامًا خاصة تميزها عن البحار العامة، وتختلف هذه الأحكام تبعًا لاتساع المضيق أو ضيقه، وتختلف أيضًا تبعًا لما إذا كان المضيق يقع بتمامه في إقليم دولة واحدة، أو يفصل بين إقليمي دولتين، كما أن أحكام المضايق تختلف تبعًا لما إذا كان المضيق يصل بين بحرين من البحار العامة، أو أنه يصل بين بحر من البحار العامة وبحر داخلي .
ويمكن رد هذه الأحكام إلى ناحيتين رئيستين: السيادة الإقليمية على المضيق، وحرية الملاحة الدولية فيه.
أولاً: السيادة الإقليمية على المضيق: فإذا كان اتساع المضيق لا يزيد على ستة أميال وكان يفصل بين أراضي دولة واحدة؛ فإنه يعتبر جزءًا من إقليم تلك الدولة، خاضعًا لسيادتها. أما إذا كان المضيق لا يزيد على ستة أميال وكان يفصل بين إقليمي دولتين؛ فإنه يعتبر جزءًا من إقليميهما، وتكون لكل من هاتين الدولتين السيادة الإقليمية على النصف المواجه لشاطئها، وإذا كان اتساع المضيق يزيد على ستة أميال؛ فإنه يأخذ حكم البحار العامة، ولا تكون للدولة أو الدول التي تطل أقاليمها عليه السيادة إلا على مسافة ثلاثة أميال، وهي مسافة المياه الإقليمية أو البحر الساحلي.
ثانيًا : حرية الملاحة الدولية في المضيق: فإذا كان المضيق موصلاً بين بحر داخلي وبحر من البحار العامة، وكان خاضعًا لسيادة دولة أو دولتين؛ فليس ثمة التزام على تلك الدول بالسماح للسفن التابعة للدول الأخرى بالمرور في المضيق، وذلك لأن المضيق غذا لم يكن موصلاً بين بحرين من البحار العامة؛ فإنه لا يعتبر طريقًا من طرق المواصلات الدولية، وهذا لا ينطبق على المركز القانوني للمضايق الدولية والتي من بينها مضيق هرمز وباب المندب موضوع الدراسة، ومن ثم لا تتطلب ضرورات الملاحة الدولية فتحه للسفن التابعة لكافة الدول، وعلى العكس من ذلك: إذا كان المضيق موصلاً بين بحرين من البحار العامة؛ فإنه يعتبر طريقًا من طرق المواصلات الدولية تتمتع جميع السفن بحرية الملاحة فيه، ولو كان خاضعًا لسيادة دولة أو أكثر. وبعبارة أخرى تلتزم الدول التي لها السيادة الإقليمية على أحد المضايق الموصلة بين بحرين من البحار العامة (الوضع الغالب) ]بالسماح للسفن الأجنبية بحرية المرور فيه. على أن هذا الالتزام لا ينفي حق الدولة صاحبة السيادة الإقليمية في فرض القواعد التي تتطلبها ضرورة المحافظة على المضيق وجعله صالحًا للملاحة، أو التي تقتضيها اعتبارات الأمن، وكذلك الترتيبات البوليسية والصحية المناسبة .
نظرًا لأهمية المضايق الدولية؛ وُضِع نظامان للمرور فيهما:
الأول: هو نظام المرور البري ويشمل الملاحة عبر البحر الإقليمي لغرض الاجتياز فقط دون دخول المياه الداخلية أو زيارة ميناء تقع خارج المياه الداخلية أو التوجه من المياه الداخلية وإليها إلى ميناء آخر، وأن يكون المرور متواصلاً وسريعًا مع إمكان التوقف أو الرسو إذا كان هناك ما يستدعي ذلك. مثل القوة القاهرة أو إصلاح عطب طارئ، ويكون المرور بريًا إذا كان لا يضر بسلامة الدولة الساحلية أو بأمنها، وقد أُلزِمَت كافة السفن التي تمارس حق المرور البري أن تمتنع عن أي تهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد سيادة الدولة الساحلية، وتلتزم الدولة الساحلية بعدم فرض شروط على السفن الأجنبية يكون أثرها العملي حرمان تلك السفن من حق المرور البري أو تعطيل هذا الحق أو عرقلته بأي شكل من الأشكال عملاً بأحكام القانون الدولي.
الثاني: هو نظام المرور العابر، ويعنى ممارسة حرية الملاحة أو التحليق لغرض واحد هو العبور المتواصل السريع في المضيق. وقد نصت المادة (38) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982م، على أن: (تتمتع جميع السفن والطائرات في المضايق المشار إليها في المادة 37 ” المضايق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة ” بحق المرور العابر الذي لا يجوز أن يعاق. غير أن ذلك لا يمنع المرور لغرض الدخول إلى دولة شاطئية على الخليج أو مغادرتها أو العودة منها، مع مراعاة شروط الدخول إلى تلك الدولة”[7]، إلا أنه لا يجب أخذ هذا المنع على إطلاقه لأنه يؤدى إلى عرقلة الملاحة الدولية وذلك مخالف لروح النصوص القانونية المتعلقة بذلك .
ويُعد نظام المرور الحر (العابر) من الأنظمة التي استحدثتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، ولم يكن من الأنظمة الملاحية المعروفة من قبل .
والمرور العابر حق وليس رخصة، لذا لا تتوقف ممارسته على إرادة الدولة الساحلية، بل على العكس، يقع على تلك الدولة التزام بعدم عرقلته، وبالإعلان عن أي خطر يهدد الملاحة والطيران .
ويلاحظ في صدد السلطات التنظيمية للدولة المشاطئة للمضيق الدولي أنها محددة حصرًا بشكل لا يُفسح لها المجال بالتضييق من حق المرور العابر أو عرقلته بحجة تنظيم المرور أو مكافحة التلوث .
ويبقى من اختصاص الدول المشاطئة للمضايق تعيين ممرات بحرية للملاحة، وتقسيم حركة المرور إذا كان ذلك لازمًا لتعزيز سلامة السفن، وللدول المشاطئة أيضًا فتح ممرات بحرية وإحداث تقسيمات جديدة أو استبدالها بشرط أن تكون متطابقة مع الأنظمة الدولية المقبولة عمومًا، وعليها قبل بدء التنفيذ إحالة مقترحاتها على المنظمة الدولية المعنية بذلك لاعتمادها، وهذا ما نصت عليه المادة 41/ 5 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982م.






















































































