المغرب الأزرق
يُصِرّ دانيال بولي على أن البيانات الوحيدة المتاحة لمعظم مصائد السمك تتمثل في وزن السمك الذي يتم اصطياده كل عام.
في الدول المتقدمة ـ مثل الولايات المتحدة، وأستراليا، والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ـ يراقب علماء مصائد السمك كثيرًا من مصائد السمك باستخدام تقييمات المخزون باهظة الكلفة. وللاستدلال على حجم أعداد السمك المستثمَر، يستخدم العلماء عُمْر السمك الذي يتم اصطياده، وحجم توزيعاته، ونتائج الرصد العلمي الذي تجريه سفن الأبحاث، والمعلومات المتوفرة حول نمو الثروة السمكية وهجرة السمك، المستنتجة من دراسة الوَسْم، وإعادة الصيد. ومع ذلك.. فالبيانات الوحيدة التي يتم جمعها وإتاحتها لمصائد السمك في حوالي 80% من جميع البلدان البحرية هي تقديرات أوزان السمك الذي يتم اصطياده كل عام. ومنذ عام 1950، نشرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) بيانات مصائد السمك هذه (التي جمعها أفراد مسؤولون في حوالي 200 دولة) في حوليّة منظمة الأغذية والزراعة FAO Yearbook التي تضم إحصائيات مصائد السمك وتربية الأحياء المائية.
ويدور الآن جدل بين علماء مصائد السمك حول الحكمة من استخدام بيانات الصيد لتقييم صحة مصائد السمك. إنني موافق على ضرورة استخدام بيانات الصيد بعناية، لكن الخلاف الحالي يوجّه رسالة إلى واضعي السياسات، مفادها أن هذه البيانات محدودة الفائدة. وإذا كانت البلدان ـ النامية منها على وجه الخصوص ـ ستبدأ في إنقاص الموارد المخصّصة لجمع بيانات الصيد، فإن فهمنا لمصائد السمك، بما في ذلك تأثيرها على النظم الإيكولوجية البحرية وأهميتها بالنسبة إلى الاقتصادات المحلية، سوف يلاقي مكابدة.
الخط البياني للمخزون
ينبع النقاش حول بيانات الصيد من النهج التحليلي الذي بدأته منظمة الأغذية والزراعة، وتم تطويره لاحقًا من قبل آخرين، وأنا أحدهم. في عام 1996، ابتكر باحثو منظمة الأغذية والزراعة ما أصبح يُعرف باسم الخط البياني للمخزون.وتمكّن الباحثون من وضع مخطط لبيانات الصيد المستقاة من دراسة جيدة لـ400 من مصائد السمك على مدى فترة من الزمن، واستخدموا الخط البياني لتقدير المخزون من الفئات المختلفة، فالمصائد «المتطورة» هي التي تميزت بازدياد كميات الصيد، أمّا تلك «العتيقة»، التي أصابتها الشيخوخة، فهي التي تميزت بتدهور كميات الصيد فيها. وكان من المفترض أن تتيح الخطوط البيانية الناتجة معرفة إنتاجية المصائد منذ خمسينات القرن العشرين من خلال نظرة سريعة لها (كان إنتاجها سيئًا على ما يبدو.)
في عام 2001، تم تعديل طريقة منظمة الأغذية والزراعة من قبل عالِم مصائد السمك، راينر فروز، في مركز جيومار هيلمهولتز لأبحاث المحيط GEOMAR في كيل بألمانيا. وقد استعملنا معًا طريقةً معدّلةً؛ للحصول على مخطط حالة المخزون لكافة مصائد السمك في العالم، التي كانت بيانات صيدها متاحة (انظر «مخطط حالة المخزون»، ). وقد كشفت النتائج التي توصّلنا إليها عن وجود اتجاهات مماثلة لتلك التي أظهرتها دراسات منظمة الأغذية والزراعة: فقد استمر تناقص كميات المخزون بشكل مطّرد على مدى سنوات، وبحلول منتصف التسعينات كان 20% من المصائد المستغّلة في الخمسينات قد نضُب. ( لقد صنّفنا المصائد بأنها منهارة، إذا انخفض معدّل الصيد السنوي فيها إلى أقلّ من 10% من أعلى معدّل سجّل فيها على الإطلاق). ولسوء الحظ، أخذ هذا الأمر عشر سنوات أخرى، وظهر فيه ادّعاء مُضلَّل، قبل أن يتنبّه العالم للخطر.
![]()
في عام 2006، استخدمت مجموعة من الباحثين من مختلف المؤسسات مخطّط حالة المخزون؛ ليظهروا ـ من بين أمور أخرى ـ أن جميع المخزونات ستنهار في عام 2048 (المرجع ). ومن غير المستغرَب أن هذا الإسقاط ـ برغم تشكيله جزءًا صغيرًا من هذه الدراسة ـ قد استدرج سيلاً من العناوين المثيرة: فقد ورد في «ناشيونال جيوجرافيك» هذا الخبر: «المأكولات البحرية قد تنتهي بحلول عام 2048،» وكتبت صحيفة «واشنطن بوست» هذا العنوان: «نهاية السَّمَك.. في مخطط واحد»
إن الدقة الغريبة في تحديد عام 2048، ومشابهتها لعنوان رواية جورج أورويل 1984 قد ولّدا موجةً واسعة النطاق من السخرية داخل مجتمع مصائد السمك. ونظرًا إلى العوامل العديدة التي يمكنها التأثير على الصيد ـ كالتحولات في السياسة، وارتفاع تكاليف الوقود، وتعطل الأسواق والكوارث الطبيعية ـ فإن توقّع مواقع مصائد السمك سيكون مستحيلًا، حتى بعد عشر سنوات من الآن. ولكن، مع اختلاف خطوط الهجوم التي استخدمها علماء مصائد السمك للتشكيك في البحث الصادر عام 2006، فقد اكتسبت إحدى التهم الموجهة إليه زخمًا منذ ذلك الحين، وألحقت بإدارة وعلوم البحار والمصائد ضررًا يفوق بكثير الضرر الذي أحدثه البحث الأصلي. ونعني بها الفكرة القائلة بأن بيانات الصيد ليست مفيدة لتحديد صحة مخزون الثروة السمكية. وهذا غير صحيح، بل لعلّه خطير جدًّا.
أهمية الأدلة
تراجعت على مدى العقدين الماضيين كمية السمك التي يتم اصطيادها من محيطات العالم. وهناك خلاف بين الأطراف المختلفة في مجتمع مصائد السمك على تفسير هذا التراجع، بالإضافة إلى الاعتراض على الأساليب المستخدمة لتصنيف المخزون ضمن فئات مختلفة، كالمصائد المنهارة، أو المستَغَلّة جزئيًّا. ولا جدال في أن حجم الصيد لا يتأثر فقط بوفرة السمك، فالعديد من العوامل ـ مثل تغيير الإدارة، أو القوانين ـ يمكنها أن تؤثر أيضًا على الكمية السنوية التي يتم اصطيادها من السمك. أمّا بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الأنواع، فلا يوجد حتى أيّ مؤشّر على هذا التراجع من دون بيانات منظمة الأغذية والزراعة الخاصة بالصيد.
وعندما تكون بيانات الصيد فقط هي المتاحة، يمكن لباحثي مصائد السمك ـ لا، بل يجب عليهم ـ استخدام هذه البيانات؛ لاستنتاج حالة هذه المصائد، ولو بشكل مبدئي على الأقل.وحتى عند إجراء عمليات تقييم المخزون أو المسوح العلمية، فإن معلومات كهذه ينبغي استخدامها دائمًا إلى جانب كلّ بيانات الصيد المتاحة. خذ على سبيل المثال.. انهار المخزون الكندي من سمك القدّ الشمالي بشكل غير متوقع في نيوفاوندلاند ولابرادور في وقت مبكر من تسعينات القرن العشرين، حتى عندما كان خبراء تقييم المخزون يراقبونه باستخدام أحدث ما وصلت إليه طرق وضع نموذج الوفرة. وفي السنوات التي سبقت الانهيار، كان الصيادون يستخدمون الشباك المثبتَة في قاع البحر، أو قوارب الصيد، ولكن لأن القوارب يمكنها تتبّع السربَ متناقص الحجم، فقد بقي حجم الصيد مرتفعًا، حتى في الوقت الذي بدأ فيه صيادو الشِّباك في الحصول على كميات متناقصة باضّطراد من سمك القدّ. لقد كان خبراء تقييم المخزون يراقبون ما يحصل عليه صيادو قوارب الصيد فقط.
إن التشكيك في بيانات الصيد ينطوي على خطورة عرقلة الدراسة التحليلية، وقد يعوق الجهود المبذولة لتحسين جودة الإحصاءات السمكية في جميع أنحاء العالم. وبالنسبة إلى الغالبية العظمى من الأنواع، يمكن أن تبلغ كلفة خبراء تقييم المخزون ما بين 50.000 دولار أمريكي حتى ملايين الدولارات بالنسبة إلى كل مخزون، وخاصة عند مشاركة سفن الأبحاث. ولذا.. فإنها غالبًا ما لا تكون مُجدية. وإذا كانت حكومات البلدان النامية فقيرة الموارد ستصل إلى الاعتقاد بأن بيانات الصيد محدودة الفائدة؛ فلن يرى العالم المزيد من تقييمات المخزون؛ وسيتوقف جمع بيانات الصيد.
وبدلًا من التشكيك في جدوى بيانات الصيد في تقييم حجم المخزون، يجب على العلماء أن يحثّوا عددًا أكبر من الحكومات على جمعها (جنبًا إلى جنب مع البيانات الخاصة بجهود الصيد، والقيمة الاقتصادية للصيد، وتكاليف الصيد)، ووضع طرق مُجدية اقتصاديًّا؛ لتحسين موثوقيتها.
وكجزء من مبادرة «البحر من حولنا» The Sea Around Us ـ القائمة على تعاون بين جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر، كندا، والصناديق الخيرية لبيو The Pew Charitable Trusts ، التي تهدف إلى رصد أثر مصائد السمك على النظم الإيكولوجية البحرية ـ فإني أتولى شخصيًّا قيادة مشروع لتقييم كل بيانات الصيد التي جمعتها هيئة منظمة الأغذية والزراعة منذ عام 1950. وقد قام زملائي في الفريق حتى الآن بجمع معلومات عن استهلاك السمك، وأوزان السمك المستورد والمصدّر ـ على سبيل المثال ـ للتحقّق من بيانات الصيد في 180 بلدًا وجزيرة. وتشير النتائج التي توصّلنا إليها إلى أن حجم الصيد، مع استثناء ملحوظ للمصيد الصيني المحلّي، لا يجري التبليغ عنه بما يعادل نحو 100-500% في العديد من البلدان النامية وبما يعادل 30-50% في البلدان المتقدمة.
وفي حين يتابع باحثو مصائد السمك النقاش المهم حول مصائد السمك التي تعاني من تراجع إنتاجها، وأسبابه، ومداه، فإن معظم الصيادين في جميع أنحاء العالم يحصلون على كميات أقلّ من السمك، مقارنةً بأسلافهم. إن معرفة الكميات التي يتم اصطيادها من المحيطات سنويًّا أمرٌ حاسم لمعرفة السبيل إلى عكس هذا التناقص.




















































































