تشكل منطقة القرن الأفريقي حلقة اتصال استراتيجية بين مناطق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، تبدو موانئ المنطقة في دول مثل جيبوتي وإريتريا والصومال بمثابة حلقة ربط مهمة بين المراكز التجارية الناشئة في شرق أفريقيا مثل إثيوبيا وبين دول أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، كما أنها بوابة مهمة لشرق القارة الأفريقية ووسطها. وتتضاعف أهميتها كونها جزءاً مهماً من بعض المبادرات الدولية مثل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وممر التنمية الآسيوي الأفريقي الذي أطلقته الهند واليابان لمواجهة النفوذ الصيني في البحر الأحمر.
و باعتبارها نقطة التقاء البحر الأحمر مع منطقة المحيط الهندي فإن أهمية منطقة القرن الأفريقي تتصاعد لتشهد تنافساً محتدماً بين بعض القوى الدولية مثل الولايات المتحدة والصين والهند؛ قد يجد هذا التنافس طريقه إلى المنطقة، خاصة بين الصين والهند، بهدف تعزيز النفوذ والهيمنة من خلال السيطرة على الموانئ البحرية، وإيجاد موطئ قدم عسكري، وما يترتب عليه من تدفق الاستثمارات لبلدان المنطقة.
كما تلعب الزيادة المضطردة في تعداد السكان، وتزايد طبقة المستهلكين في دول القرن الأفريقي، دوراً في زيادة الطلب على السلع المستوردة من الخارج، مما يوسع الاعتماد على الموانئ البحرية، ويُحفِّز على تحسين قدراتها لضمان استمرارية سلاسل التوريد إلى أفريقيا.
خريطة الموانئ البحرية في القرن الأفريقي
تزخر منطقة شرق أفريقيا بعدد كبير من الموانئ البحرية على طول ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، فهناك أكثر من ثمانية موانئ بحرية متطورة في القرن الأفريقي في إريتريا وجيبوتي والصومال والسودان وكينيا على البحر الأحمر، تتمثل أبرزها في الآتي:
– ميناء بورتسودان: يعتبر الميناء الرئيس في السودان، ويتكون من عدة موانئ مختلفة الاختصاصات هي الميناء الشمالي والميناء الجنوبي والميناء الأخضر وميناء الخير وميناء سواكن. وبورتسودان هو المنفذ البحري الوحيد للسودان التي تمر تجارتها عبره، ويمكن الاعتماد عليه من قبل بعض الدول الحبيسة مثل جنوب السودان وأوغندا والكونغو الديمقراطية. كما أنه يتوسط البحر الأحمر، ويعد ممراً مهماً للبحر المتوسط عبر قناة السويس مما يجعله قريباً من تطورات التجاذبات الدولية والإقليمية في شرق المتوسط، وفي أحداث ليبيا، وهو ما جعل موسكو تندفع نحو إنشاء قاعدة لوجيستية لقواتها فيه. ويمكن الربط بينه وبين أهم الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، والتي تبعد عنه بنحو 250 كلم.
– ميناء عصب الإريتري: يقع في أقصى جنوب البلاد، ويتمتع بموقع استراتيجي مهم، لقربه الجغرافي من مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يبعد عنه بمقدار 20 ميلاً بحرياً. كما يقترب من الحدود اليمنية، وبعض الموانئ اليمنية مثل ميناء المخا الذي يبعد عنه بحوالي 40 ميلاً بحرياً.
– ميناء مصوع الإريتري: يعد الميناء الرئيس في إريتريا، وهو الأكبر مساحة والأكثر نشاطاً مقارنة بميناء عصب. ويتوسط الساحل البحري الإريتري، وتتزايد أهميته الاستراتيجية بسبب موقعه القريب من مضيق باب المندب، وكذلك اليمن ومنطقة الخليج العربي.
– ميناء جيبوتي: يقع عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي، وهو أحد موانئ التصدير الرئيسة في شرق أفريقيا. كما يعد حلقة وصل وبوابة مهمة لأسواق بلدان شرق ووسط أفريقيا ومركزاً إقليمياً لنقل البضائع. ويطل على مضيق باب المندب الذي يتمتع بأهمية جيو – ستراتيجية كبيرة، وتعتمد عليه بكين بوصفه أحد الموانئ الرئيسة في شرق أفريقيا ضمن مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتها العام 2013.
– ميناء بربرة: يقع في إقليم أرض الصومال، وهو من أقدم الموانئ الصومالية، وتُجرى بعض التوسعات في الميناء لاستيعاب المزيد من الحاويات والبضائع. ويوصف هذا الميناء بأنه مفتاح البحر الأحمر.ويمثل عامل الاستقرار الأمني لأرض الصومال حافزاً قوياً للاعتماد على الميناء مستقبلاً، تجارياً وعسكرياً، كما يُنظر إليه كبديل مستقبلي محتمل لميناء جيبوتي في المنطقة.
– ميناء مقديشو: يعد أكبر الموانئ في الصومال، ويمكنه التعامل مع مختلف أحجام السفن التجارية. ويتمتع بأهمية استراتيجية كونه يطل على ساحل المحيط الهندي، كما أنه يقع ضمن الحزام الاستراتيجي لمبادرة الحزام والطريق الصينية.
– ميناء بوصاصو: هو ثاني أكبر ميناء في الصومال بعد مقديشو، ويطل على خليج عدن. ويتميز بالقرب من مدخل مضيق باب المندب، وفي مواجهة الساحل البحري اليمني، وتحديداً ميناء المكلا.
– ميناء هوبيو: يقع في شمال شرق الصومال بالقرب من خليج عدن ومضيق باب المندب، ويمثل حلقة وصل بين شمال الصومال وجنوبه. ويمكن أن يمثل بوابة عبور للصادرات النفطية من إقليم أوجادين في إثيوبيا إلى العالم الخارجي.
– ميناء مومباسا: يعد من أكبر الموانئ في شرق أفريقيا، ويعتبر مركزاً إقليمياً لشرق ووسط أفريقيا، ويتوقع أن يكون قادراً على التعامل مع 110 مليون طن من البضائع بحلول العام 2040 مقارنة بـ 22 مليون طن سنوياً في الوقت الراهن، واستقبال أكثر من 2.6 مليون حاوية بحلول العام 2025. كما يخدم الميناء دول أوغندا ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويحتوي على 21 مرسى بالإضافة إلى رصيفين للنفط السائل، ويوفر الميناء خيارات عدة للمستثمرين الأجانب مثل عمليات التخزين.
– ميناء لامو: يقع شمال ميناء مومباسا في كينيا، ويتألف من 32 مرسى، ويمكن استغلاله كمنفذ للدول الحبيسة. وهو جزء من مشروع “لابسيت” الممر الذي يربط بين جنوب السودان وكينيا وإثيوبيا، مما سيمنحه مزايا عدة كبوابة ومركز للنقل في منطقة شرق أفريقيا.
ومع تنامي المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية للدول الطامحة للعب دور هناك مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والإمارات وتركيا وإثيوبي، في ظل مضاعفة الموانئ البحرية الأهمية الجيو – ستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي ، فقد تعزز أهدافها على المديين القصير والطويل في استغلال موانئ المنطقة اقتصادياً وتجارياً لتحفيز اقتصاداتها، وضمان الحصول على المزيد من الموارد، وصولاً إلى الحصول على عقود امتياز لإدارة هذه الموانئ الاستراتيجية تدوم لسنوات طويلة.




















































































