المغرب الأزرق
ريتشارد ميلن من لوكفيك ـ النرويج/الاقتصادية
بينما يشق قارب الصيد الخاص به طريقه خارجا من الميناء، يشير ليف كارلسن إلى المنزل الذي ولد فيه قبل 63 عاما، في الوقت الذي نشاهد فيه تلك القمم المهيبة الوعرة التي تمتد عبر هذا الجزء من الدائرة القطبية الشمالية التي تشكل البحر. ومن ثم يشير إلى مكان سكن آخر. “جدتي تعيش هناك، وعمرها الآن 103 أعوام”.
كان كارلسن يصطاد الأسماك في تلك المياه قبالة جزر لوفوتين في النرويج منذ أن كان عمره 15 عاما. والأرخبيل المذهل – يُقدَّر على نطاق واسع على أنه جوهرة التاج في بلد يمتاز بوجود كنوز طبيعية وفيرة – يشتهر بوجود عدد كبير من أسماك القد في منطقة القطب الشمالي، التي شكلت أساس اقتصاده لما يقارب الألف عام.
إنه يوم مشرق من أيام حزيران (يونيو) وخارج موسم صيد أسماك القد القطبي، لذلك أتى كارلسن إلى هنا ليصطاد سمك الهلبوت المفلطح. من المتوقع أن يكون مقدار الصيد طفيفا – “سأقتنع باصطياد واحدة”، يقول لنفسه بلهجة لوفوتين القوية الغنّاء المختلطة مع صوت أزيز المحرك.
على بعد مسافة قصيرة خارج ميناء لوكفيك، الذي يبعد نحو 1530 كيلو مترا عن أوسلو، يرمي كارلسن الطوافة ليحدد مكان بدء الخط. يقول: “صحيح أن الصيد يتغير صعودا وهبوطا عبر الزمن”، مشيرا بأصابعه البارعة، ذات اللون الوردي مقابل اللون الأزرق للزي الذي كان يرتديه والبحر النرويجي ذي اللون اللامع. يواصل قائلا: “عملت الشركات الكبرى على تآكل جزء كبير من الساحل النرويجي”، وهو يشعر بالأسى من الطريقة التي تمارس بها الشركات الضغط على الصيادين الصغار من خلال شراء الحصص واستخدام سفن أكبر حجما.
ومن ثم، يسوء المزاج أكثر من قبل. ذلك لأن لوفوتن ليست مجرد موطن لمخزون ضخم من سمك القد وأكبر شعاب مرجانية في المياه الباردة في العالم، بل تمتلك أيضا موردا آخر يقع تحت سطح المياه. يعتقد بوجود نحو 1.3 مليار برميل من معادِل النفط في الأرخبيل إضافة إلى مجموعات الجزر المجاورة في فيستيرالين وسينجيا. وبحسب أسعار اليوم يعادل هذا 60 مليار دولار تقريبا.
وقضية ما إذا كانت هناك إمكانية لفتح الأرخبيل بغية إجراء عمليات استكشاف محتملة تعتبر واحدة من القضايا الأكثر إثارة للجدل قبيل إجراء الانتخابات الوطنية المقررة في أيلول (سبتمبر). جميع الأحزاب الثلاثة الكبرى في النرويج – التي من المحتمل أن تستحوذ على ثلثي الأصوات – تقف إلى جانب ما يسمى بدراسة الأثر، وهي الخطوة الأولى المعتادة نحو إجراء عمليات الحفر.
يقول كارلسن: “بتعبير بسيط، من الحماقة تماما ومن غير المنطقي نهائيا البدء بالتنقيب عن النفط هنا في لوفوتين”. ويستشهد بقديس وشاعر عاش في القرن السابع عشر، هو بيتر داس الذي قال: “من دون سمك القد الموجود في القطب الشمالي، سنعاني هنا – فهو أشبه بالذهب بالنسبة لنا”.
مع ذلك، المعركة من أجل لوفوتين ليست مسألة محلية فحسب. فهي لا تقل شأنا عن المعركة من أجل روح النرويج وكيف تريد أن تكون في المستقبل. على مدى عقود، تعزز اقتصاد البلد وسوق العمل فيها بسبب الغاز والنفط. واستخدمت الدولة الإيرادات المتأتية من النفط لتؤسس أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم، يمتلك في المتوسط 1.3 في المائة من كل شركة منفردة مدرجة موجودة على كوكب الأرض.
ويوضح هذا النقاش الجديد حقيقة غير مريحة. في الوقت الذي تدعو فيه النرويج إلى التعامل مع المسؤولية البيئية على صعيد عالمي، إلا أنها هي أيضا أكبر بلد منتج للنفط في أوروبا الغربية. ويتهمها دعاة حماية البيئة وبعض رجال الأعمال الأجانب بالنفاق بسبب دعمها لاتفاقية باريس حول التغير المناخي، في الوقت الذي تجري فيه عمليات حفر في القطب الشمالي. الطبيعة المزدوجة لموقف النرويج ظهرت للعيان عندما طلب برلمان البلاد من صندوق الثروة السيادية بيع شركات الفحم في الوقت الذي بحث فيه خطوة مماثلة تتعلق بشركات النفط والغاز.
هناك كثير من الأشخاص الذين يجادلون بأن الموارد كتلك الموجودة في لوفوتين يلزم عدم المساس بها. يؤمن علماء المناخ بذلك من أجل الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري واقتصارها على درجتين مئويتين، ويجب على الكثير من النفط المتبقي في العالم أن يبقى في باطن الأرض. وبحسب دراسة أجرتها جامعة لندن في عام 2015، لا يمكن استغلال أية موارد للنفط والغاز في القطب الشمالي إذا كنا نريد تحقيق ذلك الهدف. ويعتقد كثيرون أن النرويج يمكنها أن تنجز الكثير من خلال صناعات أخرى مثل صيد الأسماك والسياحة.
تقول نينا جينسن، رئيسة الجماعة البيئية WWF في النرويج: ” لوفوتين هي الأمازون والحاجز المرجاني العظيم في النرويج. إنها المنطقة الأكثر تفردا. إن لم يكن بإمكانك ترك موارد النفط والغاز في منطقة كهذه، حينها لن يكون هناك أي شيء مقدس. لهذا السبب هذه المعركة مهمة جدا”.
ركوب الأمواج
على مسافة ساعتين بالسيارة من الطريق الرئيس الوحيد في لوفوتين تقع قرية أونستاد. كانت الشمس قد غربت والنسيم المنعش القادم من المحيط يجلب معه الأمطار الغزيرة التي تضرب الموجودين على شاطئ البحر. هؤلاء هم راكبو الأمواج بانتظار وصول موجة يركبونها في واحدة من أقصى بقاع ركوب الأمواج على الأرض.
في عام 1963 شاهد البحارة النرويجيون راكبي الأمواج في سيدني وقرروا محاولة ذلك في لوفوتين عند عودتهم. صنعوا ألواح ركوب الأمواج الخام الخاصة بهم من خلال تقليد ما شاهدوه مرسوما على الغلاف الخارجي لألبوم فرقة “أولاد الشاطئ” الغنائية. ماريون فرانتزين، الابنة المرحة لأحد أولئك البحارة، تدير الآن شركة يونستاد لركوب الأمواج في القطب الشمالي مع زوجها، وهي لا تقدم فقط خدمة تأجير الألواح ومدرسة لتعليم الرياضة، بل تقدم أيضا غرفا للنوم ومقهى. توسعت أعمالها بشكل سريع، مع قدوم راكبي الأمواج لممارسة هذه الرياضة تحت شمس منتصف الليل في الصيف والشفق القطبي الشمالي في الشتاء. تقول: “الوضع هادئ فقط في تشرين الثاني (نوفمبر)، وكانون الأول (ديسمبر) وأيار (مايو)”.
مثل كارلسن – ومعظم سكان لوفوتين في الواقع – يبدو أنها تعارض بشدة فكرة الحفر للتنقيب عن النفط. “أنا ضد هذه الفكرة تماما. نحن نشعر بعصبية شديدة إزاء هذا الأمر. يضخمون أهميتها لكن لا شيء يعود علينا بالنفع. يأتي معظم السياح إلى لوفوتين للاستمتاع بجمال الطبيعة، والصفاء. هل نخاطر بكل هذا؟ من أجل ماذا؟ إنها تشكل هوية النرويج، 100 في المائة”.
أثناء جلوسها في المقهى والمطر يضرب النوافذ، تثير فرانتزين موضوع الوظائف. تقدر الحكومة النرويجية أن النفط يمكن أن يوفر ما بين 400 و1100 وظيفة سنويا في المنطقة. كل من التقيتُ به ينظر إلى هذه الإحصائيات بانزعاج شديد. تقول فرانتزين: “بضع مئات من الوظائف. وما هي قيمة 400 وظيفة لعينة؟ أنا أوظف 18 شخصا هنا، وهي شركة صغيرة. لو أنهم يتركوننا نعيش بسلام، لاستطعنا توفير أكثر من 400 وظيفة”.
لكن بالنسبة لأي شخص يفكر في أن البديل السهل للنفط هو بكل بساطة التوجه إلى قطاع السياحة ومزيد من صيد الأسماك، تسارع فرانتزين وآخرون إلى تقليص التوقعات. يعتقد بعض السكان المحليون أصلا أن عدد السياح الذي يأتي إلى المنطقة كبير فوق الحد. يقدر مركز السياح في لوفوتين أن ما يقارب مليون سائح يزورون الأرخبيل سنويا، وهو مكان يعيش فيه 23 ألف شخص فقط.
تقول فرانتزين، ربما مع شيء من المبالغة: “لقد شددنا الخيط إلى مسافة كبيرة فوق طاقته بحيث إنه عندما ينقطع ستكون هناك مشكلة كبيرة. نحن الذين نعمل في قطاع صناعة السياحة، غير راضين عن الوضع. إن ذهبت إلى داخل البلدة المحلية، ستضطر للوقوف في الطابور لساعة حتى تتمكن من شراء نصف لتر من الحليب”.
وفي حين أن من الممكن بالتأكيد الابتعاد عن الناس الذين يعيشون في الأجزاء الأكثر انعزالا في لوفوتين، تعج أجزاء أخرى بالسياح، ولا سيما عند بدء فصل الصيف. في كل يوم، تأتي سفينة النقل “هارتيجروتين” بعدة مئات من السياح إلى سفولفاير، واحدة من البلدات الرئيسة، في الوقت الذي أسمع فيه أثناء تجوالي عبر بلدة فلويا لهجات من ألمانيا وفرنسا والسويد، إضافة إلى لهجات من كل أنحاء النرويج. وفي الآونة الأخيرة شهدت فرانتزين بدء وصول جماعات كبيرة من السياح الآسيويين أيضا.
يتسع نطاق الوضع حتى ليصل إلى المنطقة الناعسة، أونستاد. بفضل مفهوم نرويجي يدعى “حق كل شخص”، يسمح للزوار بالتجول في أي مكان يريدون ويمكنهم حتى التخييم مجانا فوق مناطق ريفية ذات ملكية خاصة. كان هناك نحو 70 شخصا يقيمون في مخيمات عندما كنت أزور المكان. والمشكلة في أونستاد – وفي معظم الأماكن – هي في عدم وجود مرافق صحية عامة. تقول فرانتزين: “أينما تتوقف ترى ورق التواليت. والأغنام (الموجودة بكثرة في لوفوتين) تتغذى على فضلات الإنسان. هذه ليست الصورة التي أود إرسالها إلى العالم”.
هناك ضغط كبير يفرض على البنية التحتية للأرخبيل لأنه – باستثناء عدد قليل من الطرق الجانبية المؤدية إلى قرى معينة – يوجد طريق رئيس واحد فقط، هو “إي 10″، يربط البلدة بالبر النرويجي الشمالي. وغالبا ما تكون هذه الطريق مشغولة بقوافل حافلات التخييم الكبيرة، التي تسبب الازدحام في الطرقات وتتجمع في الأماكن الساحلية.
كما لو أنه إثبات لهذه النقطة، عندما مشينا أنا والمصور متجهين نحو الطريق الجنوبي الغربي في اليوم التالي، اضطررنا للتوقف فجأة. كانت هناك حافلة ألمانية ملأى بالسياح تسير قبالة الطريق الضيقة نوعا ما لتحيد عن مسارها وتقع في حفرة. وحاولت شاحنة من شركة المساعدة على الطرقات تخليص الحافلة، لكنها فشلت في ذلك. في غضون دقائق، احتشدت عشرات المركبات على كلا الجانبين. في النهاية تسلم الشاحنة بأنه لا يمكنها الاستمرار وتسمح بمرور المركبات المحتشدة.
بعد مرور فترة قصيرة، ندخل معرض تور إيسايسين، وهو فنان يبلغ من العمر 80 عاما ويعرف على الصعيد المحلي بانخراطه في السياسة (كان معلقا على المدخل الرئيس للمعرض ملصقا كتب عليه “من أجل لوفوتين خالية من النفط” إضافة إلى تحذيرات تتعلق بالبلاستيك الذي يجري رميه في البحر).
يقول، وهو يحدق في المنخفضات الواقعة على الجانب الآخر من الطريق: “من ينقبون عن النفط همهم ينصب على المال والمال فقط، ويبدو أننا لا نكتفي منه أبدا. فنحن دائما ما نسعى وراء كسب مزيد من المال، ولا يبدو أننا نقترب أبدا من القيم الحقيقية”. عند سؤاله عن المشاكل التي تسبب فيها السياح، يقول بلهجة في منتهى الجد: “تدمير الطبيعة التي نعيش من خلالها، يعني حفر قبورنا بأيدينا. لكن الأمر الذي لا يبدو أننا ماهرين فيه بشكل كاف هو الاهتمام بما هو مهم”.
هناك الكثير من الأفكار المتعلقة بما يمكن فعله لتخفيف أثر السياحة – فرض ضرائب على السياح، تحديد حصص بأعداد السياح الذين يمكنهم القدوم، وإجبارهم على إنفاق قدر محدود من المال محليا في كل يوم. فرانتزين واضحة بلا مواربة: “لا أعتقد أنه ينبغي علينا الترحيب بالجميع للقدوم إلى لوفوتين. الطبيعة والنقاء وقيمة الأرض – كلها أمور ليست من أجل السياحة الجماعية”.
قرار مصيري
من المحتمل أن يتم اتخاذ قرار بشأن مصير لوفوتين في أوسلو، عاصمة النرويج، التي يمكن أن تبدو أحيانا بعيدة جدا. بعد قضاء أسبوع في الأرخبيل – حيث يراوح طقس اليوم الواحد ما بين الشمس المشرقة الجميلة إلى الرياح العاتية والأمطار الغزيرة – بدى لي وصولي إلى مطار أوسلو في يوم دبق من شهر حزيران (يونيو) وكأنه الوصول إلى مناخ استوائي.
النقاش بشأن التنقيب عن النفط كان مختلفا بشكل ملحوظ في أوسلو. في ذروة المسألة، قبل نحو عقد من الزمن، كانت صناعة النفط تمثل نحو نصف صادرات النرويج وربع الناتج المحلي الإجمالي لديها. وتشير الإحصائيات الحكومية إلى أن الصناعة عملت على توليد أكثر من 12 تريليون كرونا نرويجية (1.15 تريليون جنيه استرليني) بالأسعار الحالية على مدى الـ 40 عاما الماضية في الوقت الذي استثمرت فيه شركات النفط أكثر من ثلاثة تريليونات كرونا.
لم يكن هناك أي بلد مثل النرويج، باستثناء روسيا، يتعامل بجرأة في ما يتعلق بفتح منطقته القطبية الشمالية أمام صناعة النفط. واضطرت الحكومة الحالية إلى الحفاظ على لوفوتين وفيستيرالين وسينجا خارج الحدود بموجب اتفاق بين الائتلاف الحاكم خلال الفترة بين عامي 2013 و2017. لكنها لم تتأخر في فتح رقعة كبيرة من أراضي بحر بارينتس، قبالة الساحل الشمالي للنرويج، أمام عمليات التنقيب والاستكشاف. وسيشهد هذا العام أكبر عدد من آبار الاستكشاف في المنطقة على الإطلاق، وفي وقت لاحق من عام 2017 ستكون الشركات قادرة على التقدم بعطاءات بخصوص 93 حقلا جديدا للنفط، وهو رقم قياسي آخر.
لكن كثيرا من حقول النفط في بحر بارينتس بعيدة عن البنية التحتية القائمة، في مياه عميقة نسبيا ومع تركيبة جيولوجية غير مؤكدة. في المقابل، الحقول الموجودة قبالة ساحل لوفوتين قريبة من البر وتقع إلى حد كبير بالقرب من الحقول الأخرى الموجودة جنوبا في بحر النرويج.
كان الإنتاج آخذا في التراجع في النرويج منذ مطلع القرن ومن المتوقع هذا العام أن يصل بالضبط إلى نصف الذروة التي وصل إليها في عام 2001. وانخفضت أيضا الاستثمارات بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بحيث تراجعت بمقدار الثلث تقريبا منذ عام 2013. يقول تيرجي سوفيكنيس، وزير النفط والطاقة في النرويج: “قدم قطاع النفط الكثير من الوظائف والدخل للدولة. لدينا الآن رعاية اجتماعية أفضل مما كان يمكننا تصوره أصلا من قبل. بالنسبة للحكومة، من المهم توفير مساحات جديدة من الأراضي لشركات النفط والغاز”.
عند سؤاله عما إذا كان الصراع حول لوفوتين هو معركة من أجل روح النرويج، يقول سوفيكنيس: “أنت على حق في هذا الصدد. من المهم أن نعرف تاريخ النرويج. دائما ما كنا أمة تعتمد على الموارد الطبيعية – في البداية كانت الطاقة المائية ومصائد الأسماك والآن النفط والغاز. لقد أصبحت رمزا للنقاش المتعلق بأي الاتجاهات ينبغي على النرويج سلوكها: هل ينبغي علينا أن نطور أكثر صناعة النفط والغاز أم لا؟”.
حكومة يمين الوسط الحالية أصدرت بعض الأصوات بخصوص “التحول الأخضر” في الاقتصاد عندما كانت أسعار النفط منخفضة، لكن منذ الانتعاش الجزئي الذي حظيت به – وانتعاش اقتصاد النرويج – تزايد الحديث الداعم لقطاع صناعة النفط. تقول إيرنا سولبيرج، رئيسة وزراء النرويج وزعيمة الحزب المحافظ، إنها تعتقد أن صناعة النفط والغاز ستكون أكبر قطاع في البلاد خلال الأعوام “العشرة والعشرين والثلاثين” المقبلة.
أثناء جلوسها في مكتبها داخل قلعة من القرون الوسطى قريبة من مضيق أوسلو، تقول إن الحفر والتنقيب عن النفط في لوفوتين يمكن أن يمنح المنطقة “أنواعا جديدة من الوظائف، على درجة أكبر من التعليم”. ليس من الضروري أن يتم إفساد ذلك الساحل الخلاب بآلات الحفر، لذلك يقترح بعضهم أن تجري عمليات الحفر من خلال معدات تستخدم تحت سطح البحر، وهو مجال تتفوق فيه النرويج. وترفض سولبيرج انتقادات تقول إن الحكومة على ما يبدو تفضل النفط على مصائد الأسماك أو السياحة. تقول: “إنه انقسام ونقاش غير طبيعي لأنني أعتقد أن من الممكن أن تتعايش مصائد الأسماك والنفط معا”.
تبين أن معظم السياسيين ومعظم المجالس في لوفوتين نفسها يقفون ضد وجود النفط. لكن إيفيند هولست، عمدة فاجان، ثاني أكبر بلدية في الأرخبيل، لم ينحز لهذا الموقف. فهو يستشهد بتقديرات تشير إلى أن هناك نفطا تقدر قيمته بـ 1.5 تريليون كرونا خارج لوفوتين وأن الحفر قد يتيح الحصول على استثمارات بقيمة 150 مليار كرونا.
ويضيف: “أود الحصول على إجابة. أعتقد بالتأكيد أن رجال السياسة في النرويج سيكونون قادرين على التمييز بين وجود فرصة سانحة من عدمها”.
المشجع الأكبر من بين الشركات التي تحث على فتح لوفوتين هي “شتات أويل”، شركة النفط الرئيسة التي تسيطر عليها الحكومة. إيلدار سايتر، الرئيس التنفيذي للشركة، أذهل كثيرا من دعاة البيئة عندما قال العام الماضي إن فتح لوفوتين أمام التنقيب عن النفط سيكون “أمرا جيدا بالنسبة للمناخ”. حجته كانت أن النرويج تطلق انبعاثات عندما تنتج النفط والغاز الخاص بها أقل من تلك التي تطلقها بلدان أخرى.
إلا أن آرني سيجفي نايلوند، رئيس قسم التطوير والإنتاج في “شتات أويل”، أقل اعتراضا على الفكر العام. فهو يذكر فقط أن الشركة تعتقد أن من الضروري إجراء دراسة أثر تتفحص المصالح كلها، ليس فقط مصالح صناعة النفط، بل أيضا مصالح مصائد الأسماك والسياحة والبيئة. ويقول: “نحن لا نطالب بفتح المنطقة للتنقيب، بل بإجراء دراسة أثر بحيث نتمكن من التوصل إلى قرار حكيم ومدروس”. ويعترف بأن أي إنتاج من لوفوتين يمكن أن يكون بعد 20 عاما على الأقل.
في يوم دافئ ومشمس من أيام نيسان (إبريل)، خرج مئات من المحتجين إلى وسط أوسلو من الذين يرجون أن يكون مخطئا. وقد كانوا يهتفون “لوفوسي، لوفوسي”، وهي اختصار للأسماء لوفوتين- فيستيرالين- سينجا وقد تجمعوا خارج مكاتب حزب العمل المعارض، الأكثر حظا للفوز في انتخابات تجري في أيلول (سبتمبر) المقبل.
كان حزب العمال يفضل منذ فترة طويلة عمليات الاستكشاف والتنقيب عن النفط شمالي النرويج باعتبارها وسيلة لتوفير الوظائف في المجتمعات النائية. مع ذلك، بدا أنه هذا العام يقف إلى جانب إجراء دراسة أثر في منطقة واحدة فقط من المناطق الثلاث الموجودة حول لوفوتين. وهذه المناطق تعرف بأسماء جافة وهي نوردلاند السادسة ونوردلاند السابعة وترومس الثانية.
يرغب حزب العمال الآن في البحث في واحدة فقط من تلك المناطق التي يعتقد بأنها تحوي كمية كبيرة من النفط تعادل ما هو موجود في المنطقتين الأخريين. وفي الوقت الذي عملت فيه عديد من الأحزاب الصغيرة في البرلمان النرويجي حتى الآن على عرقلة أي فرصة لإجراء ذلك، يخشى بعضهم أنه إذا فاز حزب العمال بمقاعد كافية تسمح له بإدارة حكومة أقلية، فإنه يمكن أن يلجأ إلى الحزبين اليمينيين، سولبيرج وسوفيكنيس، لطلب الدعم من أجل البدء بإجراء دراسة الأثر.
يذكر كارلسن أن اختبارات الزلازل التي أجرتها صناعة النفط قبل عقد من الزمن عملت على إخافة سمك القد وإبعاده واستغرق الأمر سنوات ليعود السمك مرة أخرى، على الرغم من أن العلماء كانوا غير قادرين على إثبات ذلك. وتشير كجيرستي بوش، الحاصلة على شهادة الدكتوراه في تربية الأحياء المائية وتعمل رئيسا مشاركا لـ “سولت”، شركة استشارات مقرها لوفوتين مختصة في المسائل الساحلية، إلى أن “تيار الخليج” الدافئ يجعل لوفوتين الجزء الأكثر دفئا من القطب الشمالي. وهذا يزيد من كمية الطحالب التي بدورها تعزز عدد الأسماك التي تعيش هناك. وتقول إن جمع البيانات الزلزالية أو التنقيب عن النفط يمثل خطرا كبيرا على الحياة البرية في لوفوتين.
ويشير دعاة البيئة أيضا إلى استطلاعات للرأي تبين تزايدا في عدد سكان النرويج من المعارضين لفكرة التنقيب والاستكشاف حول لوفوتين. وأظهر استطلاع أجرته صحيفة “أفتينبوستن” أن 43 في المائة من السكان يعارضون فكرة إجراء دراسة أثر، بينما وافق 34 في المائة. الفجوة البالغة تسع نقاط تقارن باستطلاع كان الفارق فيه فقط نقطتين قبل إجراء الانتخابات الأخيرة في عام 2013.
تقول جنسين من WWF: “اعتقدنا أنه مع انخفاض أسعار النفط سيخف الضغط. لكن حصل العكس. وصل الضغط لأعلى مستوى. الوصول إلى جزر لوفوتين أمر سهل، وهي أرخص تكلفة من بحر بارينتس، وتعرف الشركات الكثير حول جيولوجيا الأرض. لهذا السبب تجدهم يدفعون بمنتهى القوة. فهم يرون أن المساحات الساحلية آخذة في النفاد”.
من الواضح أن هذا الموضوع يثير مشاعر عميقة. تقول كل من جنسين وصائد الأسماك، كارلسن، إنهما على استعداد للمشاركة في عصيان مدني فيما لو تم فتح لوفوتين أمام أعمال التنقيب. تقول جنسين: “أنا لست من ذلك النوع من الأشخاص الذين يحبون التظاهر والاحتجاج. لكن هذي هي السبيل الوحيدة التي يمكن فيها أن أتظاهر وأقيد نفسي بسلسلة مع الآخرين. من الممكن أن أدخل السجن بسبب ذلك”.
بحر بارينتس
مع ذلك، هناك بعض من يعتقدون أن النقاش الدائر حول لوفوتين يدور بشأن قضية كبيرة ذات توجه خاطئ. فريثجوف جاكوبسن، وهو معلق في صحيفة “في جي”، كتب في كانون الثاني (يناير) أن النقاش حول لوفوتين – في حين أنه يشكل “الخط الفاصل” الرئيس في المناخ السياسي في النرويج – إلا أنه من نواح كثيرة نقاش زائف. فهو يسمح للسياسيين بالجدال حول أمر نظري دون التسبب بالضرر لأي أحد، والأهم من ذلك كله يسمح لشركات النفط بتشتيت دعاة البيئة وصرف انتباههم، في الوقت نفسه الذي تحصل فيه الشركات على جائزة أكبر: الحفاظ على عمليات الحفر في بحر بارينتس الشاسع. وتقدر إدارة النفط النرويجية أن نحو ثلثي الموارد غير المكتشفة في النرويج موجودة في بحر بارينتس، الذي يحتمل أنه يشتمل على نحو 18 مليار برميل من النفط.
يقول ترولس جولاوسين، رئيس منظمة السلام الأخضر في النرويج: “لا يمكننا التضحية بلوفوتين من أجل التنقيب عن النفط. فهي مكان يمثل هويتنا الوطنية. وهي محور هويتنا الجبلية والساحلية وصيد الأسماك. لذلك هي معركة لا يمكن أن نتحمل خسارتها. لكن في الوقت نفسه، تستأثر صناعة النفط بكمية ضخمة من الأراضي التي تمتد مسافات واسعة نحو الشمال”. لهذا السبب تتقدم منظمة السلام الأخضر بدعوى قضائية ضد الحكومة النرويجية بشأن مدى دستورية عمليات الحفر والتنقيب في بحر بارينتس وتترك إلى حد كبير القتال المتعلق بلوفوتين للآخرين.
كذلك يعبر سكان محليون عن شكوكهم إزاء لهجة النقاش. تقول كريس روكان إيفرسن، الرئيسة المشاركة لـ “سولت”، إن صناعة النفط تعتبر منذ فترة طويلة “الذئب السيئ الكبير”. لكن يوجد لصناعات أخرى أيضا تأثير كبير على الحياة البرية غير العادية. مثلا، تفرض حركة النقل البحري المتزايدة تهديدا كبيرا على الأسماك، كما تقول، كما أن “السياحة خرجت بالفعل عن نطاق السيطرة”. مسألة استنبات السمك هي أيضا قضية مثيرة للجدل بسبب استخدامها المضادات الحيوية من أجل مكافحة القمل. وتضيف: “في لوفوتين، هناك تركيز كبير على الموارد الطبيعية. هذا صراع على القيم وكذاك على الجغرافيا. الأمر لا يتعلق بالنفط فقط. بل هو صراع بين صناعات مختلفة ترغب في استخدام تلك الموارد الطبيعية”. تدعم إيفرسن فكرة إجراء دراسة أثر تبحث في الآثار التي يمكن أن تخلفها كل صناعة على الطبيعة. تقول: “نحن نتحدث حول المستقبل الذي نرغب في ضمانه لبلدنا النرويج”.
عودة إلى لوكفيك مرة أخرى، يسحب كارلسن ما حصل عليه من الأسماك – سبع من أسماك الهلبوت، رقم قياسي بالنسبة له مرة واحدة. قبل ذلك ببضعة أيام، وبينما كان قاربه في طريق العودة إلى الميناء، كان يتأمل مرة أخرى في الصراع الدائر حول النفط.
يقول: “نحن نناضل من أجل حياتنا. من اللافت للنظر أننا استطعنا المقاومة لفترة طويلة. يمكن أن يدوم النفط لسنوات قليلة فقط – وهو يمثل قطرة في بحر. لكن الصيد موجود هنا منذ آلاف السنين”.
يتنهد قليلا، وهو ينظر إلى ذلك البحر غير المتناهي باتجاه أراضي الصيد الخاصة به. “يا لها من حماقة تامة. لن يكون لنا مستقبل من دون النفط. فالنفط له مكانته في العالم، والجميع يتفهم ذلك، لكن ليس هنا. هناك أماكن قليلة في العالم تحتاج للحماية وهذه المنطقة إحداها بالتأكيد”.





















































































