كتبها:حاميد حليم
كثير من المواطنين يجهلون القانون ،و كثير منهم يرى في الاطلاع عليه ترفا ثقافيا، او يرى فيه تطاولا غير مشروع على حق نخبة معينة استفردت بحق معرفته ، و العمل به و اعماله.
وليس غياب القانون او تنفيذه هو ما يعطل سير العدالة ببلادنا و يقبح وجهها الحسن امام نظيراتها عبر العالم، بقدر ما هم الشياطين الخرس ، غير انه بقليل من الجرأة في البحث و الاطلاع على بنود القانون و الثقة بالحق، يمكن ان يسقط الجدار، فجهل المواطن البسيط بالقانون يمنح الكثيرين من اصحاب الضمائر الميتة الفرصة للعتو فسادا في البلاد و العباد، اذ لو تعلم كل مواطن في البيت و المسيد/الجامع و المدرسة انه لا يعذر احد بجهله للقانون، لوجدنا في كل بيت نسخة من الدستور، و نسخ عديدة من منشورات القانون المغربي المنظم للحياة العامة، كما هو الشأن بالنسبة للقرآن الكريم و كتب التفسير و الاحاديث و السيرة التي تزين بها رفوف الفيتراينات و المكاتب.
لكن لا يعر احد بجهله و تجاهله للقانون اذا كان هو من يشجع الظلم و الفساد بخرق القوانين و التحايل عليها، و استعمال الوسائل القذرة في تحصيل المنفعة الخاصة على حساب المصالح العامة، ثم القول ان الدولة هي المسؤولة عن تفشي الفساد، و انها مرتع خصب ينشط فيه المفسدون و يتغذون فيه على ذماء المستضعفين من ابناء هذا الوطن ،او القول ان هذا الوطن اصبح قلعة يتحصن فيها المفسدون و يحتمون بمن يفترض فيهم حماية العدالة. فذلك عذر اكبر من زلة.
فلو تجرد كل فرد في هذا الوطن ،و اكتسى حلة المواطنة، بما لها من حقوق و ما عليها من واجبات ، ، لأحس بفخر شديد و هو يتصفح القانون ،و يتأمل فصوله ، كون المشرع المغربي لم يغفل اي بند ، و ان فعل عن قصد او عن غيره، فقد ترك بقصد او بغيره باب التأويل مفتوحا للجدل والتدافع ، مانحا للجميع فسحة تذكرهم بإنسانيتهم و تميزهم عن الحيوانات بنعمة العقل.
و في ظل زمن تقلبات المفاهيم و انحلال منظومة القيم لا بد من الوقوف مع الضمير- شرط اذا كان حيا- فلو تجرد كل ذي سلطة من سلطته و اكتسى صفة المواطن البسيط، و اعاد قراءة القانون من موقعه الجديد كمواطن و ليس كذي سلطة، لاستحيى من كل سطر ، و من كل بند، و من كل فصل من فصول القانون تجاهله بغرور المنصب و السلطة. و لو ان كل مواطن بسيط قرأ فصول القانون جيدا ،لوجد ترسانة خطيرة يتحاجج بها امام الحاكم مهما علت درجته.
فلو يعلم كل موظف عمومي ان هناك فصول في القانون الجنائي تعاقب على الاهمال و الابتزاز و الغدر و خيانة الامانة تترصد حياته المهنية و الاقتصادية و الاجتماعية، لكان الحال غير ما تعيشه الادارة المغربية من تسيب. و لو كان كل مواطن بسيط يعلم بوجود هذه الفصول حق المعرفة و أحسن استثمارها، لما تجرأ اي موظف مهما كانت درجة منصبه على استغفال ذكاء المواطنين، خشية التخمة التي ستصيب لا محالة ملفه المهني نتيجة الشكايات و الاستفسارات و الانذارات، و التي ستعطل لا محالة مسيرته المهنية ، و تخفف عن خزينة الدولة الكثير من الشحم المضاف في الارداف.
و ليس من الغريب ان نجد في الضفة الاخرى في جبهة الممانعة، عبارات ك ” وضع القانون ليخرق” فرغم انه فعلا هناك قوانين و في نفس الوقت هناك ثغرات ينفذ منها المتلاعبون بالقانون، يمكن للمتمسك بالحق بقليل من الذكاء و الاجتهاد ان يكون ندا صلبا، فكثير من المصالح تعطلت بفعل الاهمال و التماطل، و التي تعتبر وجها من اوجه الابتزاز من اجل تحصيل منفعة ما، يمكن اعتبارها رشوة ، و بقليل من الجرأة و “تحمار العين ” يمكنها ان تعجل بالمساطر، لان من يحمل التبن على ظهره يخشى النار.
فالمشرع عندما قال بانه ” لا يعذر احد بجهله للقانون” ، قد حمل الجميع المسؤولية في معرفة القانون، حقا وواجبا. و عندما وقع المغرب الاتفاقيات الدولية و شرّع سموها على التشريع المحلي، فقد فتح باب الاجتهاد و المناورة لفائدة ضحايا الاحكام الصادرة عن السلطات التقديرية المتكلسة لأعداء المرونة، التي لا تنظر الى روح القانون بقدر ما تنظر الى شكله و الخط و لون المداد الذي رسمت به.
ان القول “كن السلطة فلا تمارس عليك” سيسقط لا محالة بفضل ثورة المعرفة، و ليس ثورة التغيير، لان عدو التغيير هو الجهل ، وسوء تقدير امكانياتنا و طاقاتنا و مواهبنا، بل اكثر من ذلك تحقير ذواتنا، مقابل تمجيد الاخر هو من يعطي للاخر فرصة الركوب على آمالنا و احلامنا و طموحاتنا ، فالاخر لا يمكنه العيش بعيدا عنا، او بدوننا ، لانه يستمد قوته من ضعفنا و ضعفنا يتمثل في جهلنا. فحاجته الينا اكبر من حاجتنا له، اذا ما استثمرنا معارفنا و احسنّا تقديرنا لذواتنا.
هي ثقافة اريد لها ان تشيع في مجتمعنا ،و تقلب المفاهيم فيه ليصبح الاستثناء قاعدة، و القاعدة استثناء، بعيدا عن منظومة القيم النبيلة، الشى الذي عجل بتفشي اليأس و الانحراف الى اجيال تاهت بين ما تقرأ و ما تسمع من شعارات رنانة ، و بين ما تعيش على مضض بأفق ملبّذ ، يمكن استثمارها لتكون دعامة البلد و قوته المحركة. لكن بقليل من الجرأة و الثقة في النفس يمكننا ان نستدرك، فما نيل المطالب بالتمني، و التغيير يبدا من الداخل.




















































































