يمثل كتاب “البحرية” للبحار الجغرافي أحمد محيي الدين بيري، الشهير بالتركية باسم بيري ريس، عصارة تجاربه على مدى ثلاثين عام دوّن فيه كل تجاربه في المناطق التي زارها، ضمنه معلومات وخرائط دقيقة أثبت العلم المعاصر صحتها ، حيث يعد أول مؤلَّف يتضمن معلومات تفصيلية عن موانئ المغرب العربي والأدرياتيك، كما يعتبر هذا الكتاب مرجعا ودليلا للملاحة البحرية، صنفه عام 1521 في مدينة غاليبولي (شبه جزيرة تقع في تراقيا الغربية في الجزء الأوروبي من تركيا اليوم)، وظل يتوسع فيه ويضيف إليه حتى عام 1525، ليصل إلى 743 صفحة، حيث قدمه للسلطان العثماني سليمان القانوني الذي كان يدعم العلم والمعرفة لدى انتهاءه منه.
يعد كتاب البحرية أول سفر يتضمن معلومات تفصيلية عن موانئ المغرب العربي، وقدم وقائع دقيقة عن الأدرياتيك. ودوَّن بيري ريس فيه كل تجاربه في المناطق التي زارها، واعتُبر الكتاب مرجعا ودليلا للملاحة البحرية.
وبحسب المستشرق الروسي الشهير إغناطيوس كراتشكوفيسكي، فإن كتاب “البحرية” يمثل في أساسه أطلسًا ملاحيًا، وكان يستهدف أن يكون دليلا للملاحة الشراعية في بحري إيجة والمتوسط، على أن يستخدم في الوقت عينه مرشدا في معرفة المواضع المبينة على الخرائط.
ولهذا السبب، قدّم بيري ريس وصفا مفصلا بما فيه الكفاية لجميع السواحل، مع بيان التيارات والشُّعب والمراسي والخلجان والمرافئ ومنابع المياه العذبة والمواضع المحصنة والقلاع والمباني والخرائب. كما يتعرض، خلال ذلك، للحديث عن الجغرافيا السياسية والوضع الإداري للأماكن المختلفة.
وأثبتت البحوث الأثرية أن بيري ريس محل ثقة، فمن بين جميع التفاصيل التي يوردها لا توجد واحدة منها لم تدعمها الدراسات المعاصرة.
وقال المؤرخ والجغرافي العثماني الشهير، المصنف كأكبر موسوعي بين العثمانيين، “حاجي خليفة” أو كاتب جلبي، عن كتاب بيري ريس: “لم يُدوَّن بعده شيء شبيه به في هذا المضمار”.
وقد وُجد لهذا الكتاب نسختان، الأولى تحتوي على مئة وثلاثين فصلا، تحدث المؤلف في كل فصل منها عن موقع معين يختمه بخريطة توضيحية. أما النسخة الثانية، فعمل عليها بعد فترة من كتابته النسخة الأولى، وبتشجيع من الصدر الأعظم إبراهيم باشا الذي أعجب بشخصية بيري ريس وما يكتبه.
وأشار عليه إبراهيم باشا بأن يجمع أوراق الكتاب ويعيد ترتيبه، ليقدّمه هدية للسلطان سليمان القانوني، الذي اقتنع بما قاله إبراهيم باشا عن مؤلفه. وكانت هذه الخدمة عميقة الأثر في نفس بيري ريس.
ركز بيري ريس في نسخة الكتاب الثانية على الخرائط، إذ تضمن الكتاب 210 خرائط. كما احتوت على مقدمة من خمسين فصلا، تضمنت شتى الموضوعات التي يحتاج إليها الملاحون، مثل الاستعداد الفطري لهذه المهنة، واستخدام البوصلة، والمعرفة بالجغرافية الملاحية.
وأورد في هذه النسخة منابع النيل وزنجبار وبحر عدن والمحيط الهندي وبحر الصين والمحيط الأطلسي، والاكتشافات البرتغالية، وغيرها من المعلومات المهمة الدقيقة في مجاله.
وفي الكتاب، احتل وصف مصر مساحة كبيرة من الكتاب تبلغ حوالي ثلاثين صفحة، وصف فيها السواحل المصرية بدقة، من السلوم حتى غزة. ولم يهمل البعد التاريخي للموانئ المصرية كالإسكندرية ومطروح ودمياط وغيرها، وأورد عن تلك المدن معلومات دقيقة تفصيلية تبين عظم اهتمامه بتلك الأماكن.
ولم يقتصر كتاب بيري ريس على ذكر المعلومات الجغرافية فحسب، بل قام بتحذير السلطان سليمان القانوني من النفوذ البرتغالي وتعاظمه في المحيط الهندي، منبّهاً إلى الآثار المحتملة الخطيرة على الاقتصاد العثماني جراء تنامي هذا النفوذ، وتحول التجارة العالمية إلى أيدي أعداء الدولة.





















































































