كتبها للمغرب الازرق : محمد سيكي
الكاتب العام للكنفدرالية المغربية للصيد الساحلي –المغرب-
بعد استشارة غرف الصيد البحري الأربعة ،الجمعية المغربية لأرباب بواخر صيد الأربيان بالتجميد، والكنفدرالية الوطنية للصيد الساحلي بالمغرب، أصدرت وزارة الصيد البحري بتاريخ 15/12/2010 مخططا لتهيئة مصايد الأريبان ( crevette ) يحث على فرض راحة بيولوجية على جميع أنشطة الصيد التي تستهدف هذا المنتوج من السمك دام العمل بمقتضياته بمرونة وتسامح كبير لسنة 2011 و 2012 .
هكذا تم منع مراكب صيد الأربيان بالتجميد من مزاولة نشاط الصيد تماما من 01 يناير إلى غاية 15 فبراير وذلك عبر ربطها بالموانئ المغربية، وهنا الحديث بالضبط عن أسطول نشط يقارب 65 مركبا على طول الشواطئ المغربية.
كما تم فرض كوطة لا تتجاوز 10 صناديق من الأربيان فقط في كل رحلة صيد بالنسبة لمراكب الجر في الصيد الساحلي، الشيء الذي أثار استياء عميقا في أوساط المهنيين، وخاصة ميناء العرائش الذي بادر مهنيوه إلى إعلان رفضهم لهذا القرار المجحف في حقهم، وغير الواقعي تماما نظرا لأن عملية الجر في أعماق البحر التي تدوم لساعات لا يمكنها التحكم بأي شكل من الأشكال في ضبط الكميات المصطادة من سمك الأربيان، وهذا يعني عند سحب الشباك إلى ظهر السفينة وإفراغ الحمولة المصطادة، يجب التخلص من الفائض الزائد على 10 صناديق عبر إعادة رميه إلى البحر الشيء الذي يشكل خطورة كبيرة على تلويث البيئة البحرية، وبالتالي القضاء على الفضاء الطبيعي لعيش جميع الأصناف البحرية.
وعند الوقوف على تذمر المهنيين من مخطط تهيئة 2010 لمصايد الأريبان لتحديد المسؤولية في ذلك، نجد الجواب بكل بساطة في ديباجة القرار الوزاري الذي يحمل رقم 10- CR – 001 بتاريخ 15/12/2012 والذي ينص بالخط العريض والواضح على أن عملية إقدام وزارة الصيد البحري على اتخاذ هذا القرار لم تتم إلا بعد استشارة غرف الصيد البحري الأربعة،الجمعية المغربية لأرباب بواخر صيد الأربيان بالتجميد، والكنفدرالية الوطنية للصيد الساحلي بالمغرب.
هكذا يتبين من حقيقة ما جرى في مخطط تهيئة مصايد الأريبان الصادر في 15/12/2010، أن العيب لا يكمن في وزارة الصيد البحري التي أدت واجبها كما ينبغي والمتمثل في إشراك المهنيين، وإنما هو موجود في التمثيلية المهنية للصيد الساحلي وفي الديمقراطية الداخلية التي تقتضي أبسط قواعدها التنظيمية، التواصل مع المهنيين وإشراكهم في اتخاذ القرار في كل ما له علاقة بمصير قوتهم اليومي ومصالحهم الحيوية داخل قطاع الصيد البحري.
وأما اليوم، فقد عملت وزارة الصيد البحري بمساعدة المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري على إعداد مشروع جديد لمخطط تهيئة الأريبان لتجاوز الهفوات والنواقص السابقة، أهم ما جاء فيه هو اقتراح فترة للراحة البيولوجية تمتد من 15 يناير إلى 15 مارس، حيث يتم وقف عمليات الصيد لأسطول الصيد بالتجميد نهائيا، ورسو بواخره في الموانئ خلال هذه الفترة، وتحديد سقف الإنتاج الإجمالي للأريبان لأسطول الصيد الساحلي بالجر في المحيط الأطلسي في 774 طن، وفي البحر الأبيض المتوسط في 45 طن، بناء على المعطيات العلمية التي بينت أن فترة التبييض تدوم 3 أشهر من يناير إلى مارس وتكون بكثرة خلال شهر فبراير.
ولمناقشة هذا المشروع الجديد عملت وزارة الصيد البحري على دعوة كافة التمثيليات المهنية لاجتماع 05 دجنبر 2012 للتباحث في هذه الاقتراحات الجديدة .
لكن الذي حدث في 05 دجنبر 2012 هو أن الاجتماع لم يحضره سوى الجمعية المغربية لأرباب بواخرصيد الأربيان بالتجميد في الصباح، وغرفة الصيد البحري المتوسطية بطنجة ،الكنفدرالية المغربية للصيد الساحلي بالمغرب، وفدرالية الصيد البحري وتربية الأحياء المائية في المساء، حيث تم رفض الكوطة المقترحة في المشروع الجديد المتمثلة إجماليا في 819 طن لأسطول الصيد الساحلي بالجر، وتم التفاعل مع أطر وزارة الصيد البحري والمعهد الوطني للبحث العلمي في إطار نقاش هادئ وبناء بدعوتهم إلى التفكير في بدائل أخرى لحماية الثروة السمكية وتحديد فترة الراحة البيولوجية.
هكذا اجتهدت وزارة الصيد البحري للمرة الثانية خلال هذه الفترة الوجيزة، وعملت على وضع مشروعا آخرا لمخطط تهيئة مصايد الأريبان لسنة 2013 – 2014، تتركز أهم خطوطه العريضة في وقف عمليات الصيد بالتجميد ورسو البواخر في الموانئ خلال شهري فبراير ويوليوز بالنسبة لأسطول الصيد بالتجميد، ومنع عمليات الجر على امتداد 30 ميل بحري في عرض البحر في المحيط الأطلسي بالنسبة لأسطولي الصيد الساحلي بالجر والصيد بالتجميد معا داخل المناطق وخلال الفترات الزمنية التالية :
من الدار البيضاء إلى القنيطرة: من 20 يناير على 20 فبراير.
من الصويرة إلى أكادير: من 20 يناير إلى 20 فبراير.
من القنيطرة إلى أصيلة: من 20 فبراير إلى 20 مارس.
لكن الذي حصل إبان اجتماع 17/12/2012 بوزارة الصيد البحري المخصص لمناقشة المشروع الأخير لمخطط تهيئة مصايد الأربيان،والذي حضرته جميع التمثيليات المهنية بالإضافة إلى بعض ربابنة آسفي والدار البيضاء هو عدم الاستقرار مع وزارة الصيد البحري على أي نتيجة نظرا لظروف الاجتماع الغير الطبيعية والمناسبة.
وأما اليوم،وبالوقوف على ما يقال هنا وهناك في بعض الموانىء حول مشروع مخطط تهيئة مصايد الأربيان لسنة 2013-2014 من إشاعات مضللة خلقت رأيا عاما مزيفا لدى ربابنة مراكب الصيد الساحلي بالجر في بعض الموانىء المغربية أجبرتهم على التوقف عن العمل بحسن النية خوفا من هواجس مغلوطة،لا يجد المرء نفسه بدافع الخوف على مستقبل قطاع الصيد البحري والغيرة عليه إلا مضطرا لأن يقول الحقيقة كما عبر عنها المفكر الروسي باكونين بقوله “كلمة حق إن لم تقلها ستمت،وإن قلتها ستمت،إذن فقلها ومت” لإنقاد ما يمكن إنقاذه من تدهور واضح للموارد السمكية البيضاء ذات الصلة بقطاع الصيد بالجر.
لا أحد يجادل الآن في كون قطاع الصيد بالجر أصبح يعاني بشكل مزمن من تراجع المردودية وارتفاع تكاليف الإنتاج، لكن السؤال الذي يبقى مقلقا للجميع هو ماهية الوصفة التي يجب تقديمها لمعالجة حالة الإفلاس التي أصبحت تهدد قطاع الصيد بالجر في الأمد القريب أو المتوسط على أكثر تقدير.
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من الاسترشاد بما قاله الإمام علي (رض) “الناس ثلاثة،عالم رباني،ومتعلم على سبيل النجاة،وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق “هكذا لكي نتعلم من علماءنا في المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري،وربابنتنا الشرفاء ذوي الكفاءة والخبرة المشهودة،ومهنيونا ذوي الحرص على بيئتهم البحرية ومصالحهم الحقيقية،ووزارتنا ذات العزيمة على الإصلاح والتغيير في إطار التوجه الحكومي..ونتمكن من ركوب سفينة النجاة إلى بر الأمان، يجب أن نقول جميعا بكل مسؤولية وشجاعة أنه آن الأوان لوضع حد للاستنزاف المفرط لثرواتنا السمكية وفق رؤية استراتيجية شاملة للنهوض بقطاع الصيد البحري ليقوم بدوره الطبيعي في إنعاش الاقتصاد الوطني وحماية مناصب الشغل المباشرة والغير المباشرة فيه، وخلق إمكانات جديدة لفرص الشغل التي تجد بلادنا في أمس الحاجة إليها.
من هذا المنطلق المبدئي في التعاطي مع حماية الثروة السمكية، يجب أن نقول نعم للراحة البيولوجية التي تحفظ لنا فترة تبييض الأسماك،ونعم للتدابير الوقائية لحماية صغار الأسماك،ونعم لتعميم جهاز الرصد وتموقع المراكب (ف م س)،ونعم للمناطقية في أنشطة مراكب الجر لتخفيف الظغط على بعض المصايد من قبيل ما يحدث بمدينة العرائش على سبيل المثال التي يصل فيها أسطول مراكب الجر على دورة العام إلى 91 مركبا للجر،لا للتدمير الممنهج لثرواتنا السمكية عبر ارتكاب المجازر في حق صغار الأسماك بمزاولة نشاط الصيد بالجر في مياه تقل عن ثلاثة أميال بحرية في خرق سافر للقانون المعمول به،لا للتعامل مع البحر بعقلية السماسرة المرتكزة على الفوز والربح السريع في عمليات وصفقات جد محدودة وغير مسترسلة ومستمرة في الزمان والمستقبل،نعم للتعامل مع البحر بسيكولوجية رجل البحر الذي لا يمكن له العيش بفك الارتباط العضوي بالبيئة البحرية ،وهذا سوف لن يتأتى دون الحفاظ على الثروات السمكية التي تضمن عيش وديمومة واستمرارية رجال البحر..وخير مثال على ذلك هي الهجرة الجماعية لمراكب الجر والسردين من البحر الأبيض المتوسط وانتشارها في المحيط الأطلسي نتيجة تراجع المداخيل السمكية لهذه المراكب جراء الاستعمال المكثف للمتفجرات وأساليب أخرى غير مشروعة في أنشطة الصيد بالمنطقة المتواجدة بين الحسيمة والناظور.
بلغة المصالح الجماعية لا الفردية،باستحضار الظرفية الاقتصادية الغير اليسيرة التي تمر بها بلادنا،بالوقوف على حالة الاحتقان الاجتماعي القائمة ببلادنا،بعيدا عن المزايدات السياسية،باعتماد الدراسات العلمية المنجزة حول المخزون السمكي للكثير من الأصناف البحرية المهددة بالاستنزاف، لايمكن لأي مهني عاقل يتحلى بأدنى قدر من المسؤولية والأخلاق النضالية السامية أن يشعل نار الفتنة والبلبلة داخل الأوساط المهنية والبحرية في بعض الموانىء المغربية على عكس دوره الطبيعي في التأطير والتوعية بضرورة الحفاظ على الثروة السمكية والعمل عل حمايتها عبر التفاعل الإيجابي مع كل المشاريع الوزارية ذات الصلة المطروحة للتداول والنقاش داخل قطاع الصيد البحري.
في هذا السياق،وعلى اعتبار الثروة السمكية ملك للشعب المغربي برمته،وضامنة لجزء هام من أمنه الغدائي، لا يمكن لأي مهني حقيقي غيور على بلاده ومصلحتها، وغيور على بحره ومستقبله،إلا المباركة والتصفيق لكل مشاريع مخططات تهيئة جميع الأصناف البحرية المعرضة للضغط الكبير من الصيد، بعد إبداء رأيه في إطار الحوار البناء مع وزارة الصيد التي لم تبخل يوما بالتجاوب مع المقترحات البناءة للمهنيين،ولم تركب موجة التعنت والعنترية على مر التاريخ بسد باب الحوار في وجه المهنيين.




















































































