يشكل مقال المفكر والفاعل الاقتصادي” محمد زبدي”، الذي نشره موقع مغرب انتيلجنس وثيقة تحليلية متكاملة وذات وزن ، ترتكز على رؤية استراتيجية متجذرة في التاريخ الوطني، و تتفاعل مع القرار الاممي القاضي بجعل الحكم الذاتي الالية الوحيدة لحل سياسي لقضية الصحراء، لما بعد 31 أكتوبر.
سنحاول في قراءتنا لمقالة محمد الزبدي التي عنونها ب:” الحكم الذاتي المغربي: مسار توازن بين السيادة والقانون والثقة “، تسليط الضوء على أهم المحاور التي تناولها الكاتب، و التي تهدف إلى تأصيل مقترح الحكم الذاتي كنهج استراتيجي وواقعي يرتكز على أربعة ركائز أساسية، غير أن تحليلها يجب أن يتم في ضوء الأبعاد التالية:
العمق التاريخي والجيواستراتيجي: لا يمكن قراءة المقترح بمعزل عن مسار تعزيز الوحدة الوطنية، ولا عن محطة 31 أكتوبر التاريخية التي أصبحت عيدا وطنيا يخلد لنهاية مسار و انطلاق آخر ، في اطار استمرارية الدولة المغربية .
هذه المكانة الرسمية تدفع مقترح الحكم الذاتي إلى صدارة الظرفية الجيواستراتيجية الراهنة التي تتسم باضطراب متصاعد في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل. وسيعزز نجاح الحكم الذاتي في توفير الاستقرار السياسي والأمن القانوني في الأقاليم الجنوبية مكانة المغرب كـ “قطب استقرار” إقليمي ومحور لوجستي رئيسي. هنا، تصبح المطالبة بـ “الحكامة التشاركية” جزءاً من استراتيجية أمنية واسعة لإشراك الفاعلين المحليين في مسؤولية الاستقرار.
الظرفية الاقتصادية والمناخية : يعكس تركيز محمد زبدي على “الأمن الاقتصادي” و”استقرار الاستثمار” فهماً لضرورة ضخ استثمارات ضخمة لرفع جاذبية المنطقة وجعلها مركزاً اقتصادياً نحو إفريقيا . يتقاطع هذا مع السياق المناخي الحاد (شح المياه وارتفاع الحرارة) الذي يفرض متطلبات إضافية على الاستثمار، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة (الرياح والشمس) . بالتالي، فإن الضمانات القانونية التي يطالب بها الكاتب هي ضرورة لحماية هذه الاستثمارات الحساسة من المخاطر البيئية والسياسية.
إن هذه الرؤية، القادمة من شخصية رفيعة ذات خلفية ثقافية و اكاديمية و إعلامية وفكرية واقتصادية جد مطلعة ، ترفع المشروع من مستوى الحل السياسي إلى مصاف “النموذج المؤسساتي المستدام”. وعليه، سنستعرض الركائز الأربعة التي اعتمدها الكاتب، ونحلل التحديات الكامنة في تحويلها إلى آليات تنفيذية شفافة وذات صلاحيات محددة.
1 . الإطار القانوني والسيادة المعززة: ينجح الكاتب في وضع المقترح ضمن إطار القانون الدولي المتطور عبر التمييز الحاسم بين تقرير المصير الداخلي والخارجي، مؤكداً أن الحكم الذاتي يهدف إلى “تعزيز السيادة” عبر الإدماج المؤسساتي. و هو تحدي يحتاج ترجمة “الاحتواء” المفاهيمي إلى صلاحيات تنفيذية على الأرض دون أن يؤدي إلى تضارب مع سلطة الدولة المركزية أو إفراغ المؤسسات الإقليمية الجديدة من محتواها، وهو خطر يقر به الكاتب نفسه بوجود “مزالق” يجب عدم الاستخفاف بها.
2 . الاستقرار الاقتصادي وضمانة المستثمر: ي مثل هذا الركن النقطة الأقوى والأكثر إقناعاً، حيث يوجه زبدي رسالة مباشرة للمستثمر بضرورة ضمان “الاستقرار المعياري” عبر آليات متقدمة. كما يدعو إلى الحماية الدستورية للحقوق المكتسبة، وإلى إنشاء “اختصاص قضائي مختلط” للبت في النزاعات، مع التأكيد على استمرارية الالتزامات الدولية للمملكة، حيث تظل الاستقلالية والحيادية الفعلية للهيئة القضائية المختلطة المقترحة هي الرهان الأكبر، خاصة عند فصلها في نزاعات بين مستثمرين أجانب و”سلطات إقليمية” قد تكون ذات خلفية سياسية، مما يتطلب توازناً دقيقاً يطمئن الأطراف الدولية بشكل لا لبس فيه.
3 . الحكامة التشاركية وتقاسم القرار: يرى الكاتب أن منهجية حكامة تشاركية عنصر محوري عبر تأسيس “مجلس اقتصادي إقليمي” يطبق مبدأ “تقاسم القرار (Codécision)” لتجنب اهتزاز الثقة وتكريس “المسؤولية المشتركة، إلا أن مبدأ “تقاسم القرار” يبقى مفهوماً فضفاضاً في غياب تعريف واضح لحدود هذا التقاسم. فهل سيمتلك المجلس حق النقض الفعلي ضد القرارات المركزية ذات الأثر الإقليمي؟
إن أي غموض في تحديد الصلاحيات التنفيذية لهذا المجلس قد يؤدي إلى صدامات بين الإقليم والمركز، مما قد يعيق التنمية بدلاً من دفعها.
4 . المواطنة والاندماج الانتخابي: يشدد زبدي على ضرورة اعتماد نموذج “الاندماج الكلي” للهيئة الانتخابية، لترسيخ “المساواة السياسية” والتماسك الوطني. و هو ضرورة لشرعية المؤسسات، حيث يكمن التحدي العملي في ضمان النزاهة والشفافية التامة في مسك السجل الانتخابي “تحت إشراف إقليمي”، الأمر الذي يحتاج إلى آليات رقابية قوية جداً لمنع أي تأثيرات غير مشروعة والحفاظ على “ثقة المواطنين” التي يعتبرها الكاتب الركيزة الثانية للمشروع.
محمد زبدي في مقالته التي نشرها موقع مغرب انتيلجنس ، هي بمثابة خارطة طريق واضحة المعالم، يركز من خلاله على بناء “مشروع توازن” بين السيادة والأمن الاقتصادي. يستند على قوة الحجج القانونية التي قدمها الكاتب ، لكن بالمقابل يربطها بشرط قدرة النصوص التطبيقية (الدستورية والتشريعية) على ترجمة مفاهيم “الاختصاص القضائي المختلط” و”تقاسم القرار” إلى آليات عملية وشفافة لا تُقوض صلاحيات الإقليم ولا تُعرّض الاستقرار المعياري للخطر الذي حذر منه الكاتب نفسه.
كتبها للمغرب الأزرق الأستاذ حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل.





















































































