حين يطفو النقاش حول أداء قطاع الصيد البحري، غالباً ما ينحصر في زاوية الرؤية الضيقة لمن يكتفي بمراقبة السطح دون الغوص في الأعماق. إن القراءة المنصفة والموضوعية لواقع هذا القطاع الحيوي تتطلب، بالضرورة، الانطلاق من منظور مغاير يستحضر بدقة الظرفية الاستثنائية والمعقدة التي جاءت فيها الحكومة الحالية؛ ظرفية مشحونة بتداعيات جائحة كورونا، ومخلفات الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى هزات الحرب الخليجية الثالثة.
ولم تكن الأزمات جيوسياسية فحسب، بل تزامنت مع إكراهات مناخية قاسية اتسمت بفترات جفاف حاد أثرت بشكل مباشر على تدفق الوديان نحو البحر، مما حرم السواحل من التغذية الطبيعية اللمسية. وانضاف إلى ذلك ظاهرة انحباس صعود المياه العميقة Upwelling التي تحمل بالبلانكتون و العوالق ، و تضمن توفير المغذيات للأسماك السطحية الصغيرة ، مما أدى طبيعياً إلى تراجع كتلتها الحيوية وهجرتها المصياد و تدبدب ظهورها في الزمن و المكان و ما خلف ذلك من حالة عدم استقرار في الوضعية الاقتصادية و الاجتماعية لمئات المراكب و آلاف الأسر من المجتمعات الساحلية.
وفي مواجهة هذا الإعصار المُرَكَّب من الأزمات المناخية والدولية ، واصلت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري مجهوداتها الحثيثة لضمان استقرار تموين الأسواق الوطنية و التصدير الى الخارج ، والحفاظ على جاذبية الاستثمارات. والمثير للاهتمام والمفارقة هنا، أنه رغماً عن قساوة هذه الظروف، لم يشهد السوق أي خصاص ، بل سُجل استمرار لافت وتزايد في حجم الاستثمارات الكبرى الموجهة نحو الصناعات السمكية وتحويل المنتجات البحرية.
إن “ما لا يقال” عادة في الصالونات السياسية، هو أن كتبة الدولة المكلفة الصيد البحري، وعلى جسامة المهام الاستراتيجية الملقاة على عاتقها، تواجه هذه التحديات بنقص حاد في مواردها البشرية حتى أن اعداد المحالين على التقاعد بخبرتهم الثقيلة و الوازنة قد يعادل الموظفين الجديد مفتقدي الخبرة ، إذ لا يتعدى الطاقم الإداري والتقني المشرف على طول السواحل المغربية 1500 موظفا. هذا الرقم الهزيل يواجه تمدداً متسارعاً في الأنشطة ، وضغطاً يومياً مستمراً في العمل، في ظل خصاص ملحوظ في الدعم المالي والوسائل اللوجيستية الضرورية للمراقبة والتتبع في قطاع متشابك ومعقد إلى حد بعيد.
طبيعي إذن أن تطفو بعض الانتقادات حول الأداء ، ومن لا ينظر إلى المشهد من الأعلى حتماً لن يرى إلا حدود رؤيته الضيقة أو ما يروجه (الاعلام) و صفحات التواصل الاجتماعي . إن خروج أصوات هنا وهناك تنتقد الوضع يعد ظاهرة طبيعية في و الغير طبيعي هو الصمت و التطبيل . ولعل الأسئلة البرلمانية تشكل أحد أبرز مسارح هذه المواجهة الساخنة بين الإدارة الوصية وممثلي الأمة.
ولعل من أبرز المشاهد السريالية التي تستوجب التوقف والتأمل، هي حالة “السعار الموسمي” التي تشتعل موازاة مع حلول شهر رمضان المبارك، حيث يكتسي السمك عامة، والسردين خاصة، “قدسية رهيبة” على طاولة النقاش و ليس مائدة الإفطار. فيتحول هذا الشهر الفضيل إلى فرصة سنوية لجلد وتقريع كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري ، ممارسين عليها ضغوطاً شعبوية خانقة من أجل توفير السردين بكثافة في الأسواق بداعي أننا بلد “جوج بحور”، ولو كان ذلك على حساب الراحة البيولوجية و استدامة الثروة السمكية.
ويحدث كل هذا في جهل علمي وتجاهل تأمين لحقيقة طبيعية ثابتة، وهي أن شهر رمضان القمري متحرك بطبيعته عبر الفصول ، وكثيراً ما يصادف حلوله مواسم التكاثر والتوالد الحيوية لسمك السردين، وهي الفترة الحساسة التي يدخل فيها هذا الصنف ضمن سلسلة غذائية معقدة تتغذى عليها أنواع بحرية أخرى. إن هذا الضغط الممنهج، الذي يساهم فيه الفاعل السياسي والإعلامي على حد سواء، لا ينبع في عمقه من خوف حقيقي على انهيار قوى الصائمين بسبب سوء التغذية أو نقص البروتين البحري، بل يُستغل فقط كوقود لتنشيط نقاش “بيزنطي” عقيم، وجر القطاع إلى مواجهات سياسوية ضيقة لا تخدم مصالح الوطن ولا استدامة ثرواته.
ومن هنا، يتضح أن الأجدر والأنفع للبلاد والعباد، كان يقتضي من الفاعلين السياسيين والمشرعين و المحليين و الخبراء طرح ملفات حقيقية ذات عمق استراتيجي، ملفات تتعلق بآليات الحماية الاجتماعية لرجال البحر، ومشاريع التكيف المناخي، وتدعيم المرونة الاقتصادية لمجتمعات الصيد التي تعيش في خط المواجهة الأول مع تقلبات الطبيعة والاقتصاد. فبدل حصر النقاش السطحي حول “توفير السمك للتغذية” في شهر رمضان و خلال عطلة الصيف ، وجب إدراك المعادلة البنيوية الكبرى: إن لم يتم حماية مجتمع الصيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، فمَن ذا الذي سيركب البحر غداً ليوفر هذا السمك للموائد؟ ومَن سيتولى توليد وتدوير العجلة والدينامية الاقتصادية التي تضخها موانئ البلاد في الشرايين الاقتصادية للمملكة؟ هل هم السياسيون الذين ينهون ولايتهم بتقاعد مريح؟ أم الاعلاميون المعلق مصيرهم بدعم وزارة الثقافة و الاتصال؟ ام النشطاء الذين يسدون حاجياتهم الدوبامينية من الفايسبوك ؟
إن السيادة الغذائية والأمن الاستراتيجي لبلد يمتلك واجهتين بحريتين ممتدتين، لا يُصنعان بالخطب الموسمية ولا بالمزايدات السياسوية، بل يتطلبان رؤية شمولية تضع “العنصر البشري” في قلب معادلة الاستدامة. وحماية الثروة السمكية تبدأ أولاً بصون كرامة واستقرار الإنسان الذي يستخرجها من أحشاء الموج، لتبقى موانئنا حية، واقتصادنا الأزرق متجدداً، وموائد المغاربة آمنة ومستقرة.
كتبها للمغرب الأزرق الأستاذ حاميد حليم
مستشر في الاعلام البحري و التواصل.




















































































