محمد الخليفي -المغرب الأزرق
في أواخر سنة 2007 و بعد تعيينه مباشرة على رأس إدارة شركة من شركات الصيد بأعالي البحار، قام السيد المدير في إحدى اجتماعاته بأحد فنادق أكادير مع ربابنة بواخر الشركة بإهداء مصحف لكل ربان، و استبشر الجميع خيرا بهذا الوافد الجديد خصوصا و أن الشركة عرفت مدراء عدة في ظرف وجيز، استبشر الجميع خيرا لأنه و لأول مرة تهدى فيه للربابنة هدية من هذا النوع و في هذا اليوم الذي و ضعت فيه مختلف الحلويات و أشهاها و امتنع المدير عن الأكل بحجة أنه كان صائما صيام تطوع.
بعد ذلك بأيام قليلة تم وضع منبه الأذكار على باب الشركة و عند المدخل ليأمرك بذكر الله، فظن الجميع أن الشركة وجدت المنقذ و الأمين الذي سيطور الشركة و ينميها و يحفظ حقوق الجميع و مكتسباتهم من ضباط و بحارة و إداريين، و تداول من في الشركة خبره، و تساءلوا عن مخبره الذي ستبديه الأيام طالت أم قصرت، و أصر مديرنا على ركوب البحر في رحلة استكشافية للوقوف على أحوال البحارة و ظروف عملهم، فليس من رآى كمن سمع، و تم له مراده بعد حصوله على رخصة من مندوبية الصيد البحري، و قد عانى الأمرين في اليومين الأولين حيث أصابه دوار البحر وما يتبعه من قيء و ألم في الرأس، و بعد اطلاعه على أعمال البحارة المضنية على متن السفينة كان يردد: الله إكون في عونهم، كا يضربو تمارا. و لم يطق صاحبنا العيش لأزيد من يوم آخر على متن الباخرة بعد مضي خمسة أيام، فتم إنزاله ليلتحق بميناء الداخلة بعد أن شاهد بأم عينه معاناة البحارة و تضحياتهم من أجل حصول الباخرة على منتوج أكثر من الأسماك.
بعد مدة من الزمن استوعب صاحبنا دواليب الشركة و مداخل الأرباح و مخارجها، و فطن بسرعة إلى هشاشة آليات مراقبة مصاريف الشركة نظرا لكثرة المتدخلين، و لاحتياج البواخر دائما للصيانة و الإصلاح الذي تقوم به مجموعة من الشركات، فتفتحت شهية صاحبنا و أبان عن جشع غير مسبوق في الشركة، و لحسن حظه و جد من يحميه و يتستر عليه.
مرت أربع سنوات كان صاحبنا يأكل بنهم و يشرب بنهم دون حسيب و لا رقيب، و كلما ظهر من اطلع على شيء من خباياه و زلاته داخل الشركة اختلق له تهما كيدية يتم بها طرده من الشركة ليخلو له الجو دون أن ينغص عليه أحد ولائمه و مأدباته التي يغترف منها، و بذلك تم طرد مستخدمين من الشركة لم تشفع لهما أكثر من 10 سنوات من الخدمة بالشركة أحدهما في مصلحة البيع و الآخر بمصلحة التجهيز، و ذلك نتيجة لوقوفهما على اختلالات في التسيير و التسويق، والمدير لا يعجز عن أن يجد مسوغات لذلك الطرد،
إضافة إلى أنه طرد بعد ذلك أحد ربابنة البواخر كتصفية حسابات بعدما انتقد طريقة التسيير التقني لبعض مسؤولي الشركة. و بعده تم طرد جميع ربابنة الشركة التي تتجاوز أقدمية بعضهم أكثر من 20 سنة، لأنهم دقوا ناقوس الخطر فيما يخص المصير المجهول الذي يريد المدير أن يقحم فيه الشركة، هذه الشركة التي تعتبر مصدر رزق لأكثر من 200 أسرة و عائلة ما بين مستخدم و بحار. و لأنهم قالوا كلمة حق في وجه المسترزقين و مستغلي النفوذ، الذين لا تهمهم سوى مصلحتهم الخاصة و إن كان ذلك ضدا على المصلحة العامة للشركة بما فيها مصلحة المساهمين و المستثمرين.فأمثال هؤلاء المدراء هم الذين يتسببون في هروب المستثمرين الأجانب، و بذلك يضربون الإقتصاد الوطني. هذا الوضع المتردي للشركة يحتاج إلى افتحاص حقيقي تشرف عليه هيئات المستثمرين مباشرة، يتجاوز الإفتحاص الصوري الذي يحضر له سلفا و تحضر أوراقه و فواتيره حتى لا يكون هناك مجال للشك في سلامة العمليات التجارية و غيرها.
إن الطرد الذي تعرض له ربابنة الشركة و قبله بعض المستخدمين إن هو إلا طريقة من الطرق التي يراد بها إبعاد كل العوائق التي تحول دون الإصطياد في الماء العكر ليخلو الجو لمن يريد أن يغتني على حساب المساهمين و الأجراء من البحارة و غيرهم. فماذا يعني عدم تطبيق مجموعة من محاضر الإجتماعات التي تم الإجماع عليها و ثبتث نجاعتها و مردوديتها في شركات أخرى داخل الميناء؟ و ماذا يعني التعامل مع نفس الشركات الممونة طيلة عقد من الزمن؟ وماذا يعني التصريح بنقصان جودة المنتوج بعد البيع و قد تأكد المشتري من الجودة قبل البيع؟
تم طرد المستخدمين و بعدهم الربابنة و الآن جاء الدور على الضباط و البحارة، فقد تم مؤخرا طرد أربع ضباط و 12 بحارا، و لا زال مسلسل الطرد مستمرا في هذه الشركة العجيبة من شركات الصيد بأعالي البحار، شركة المدير صاحب المصاحف، ففي بحر هذا الأسبوع و كذكرى لمصاحف ربابنة الأمس وزع مصاحف على الربابنة الجدد و كأنه بذلك أراد أن يغير رائحته التي أزكمت الأنوف، و طمعه الذي أتى على طمع أشعب في قصص العرب. و لنقول لصاحبنا أخيرا كفا ضحكا على الذقون، وكفى استهتارا بأموال المستثمرين، و كفاك ابتزازا للمستخدمات، فقد ظهرت حقيقتك، و بان الوجه الثاني الذي يتخفى وراء جبة الفقيه، و اعلم أن الحساب عسير، و الناقد بصير، و لتقرأ في آخر سورة الشعراء من المصاحف التي وزعتها و توزعها على الربابنة قوله تعالى: و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.