محمد ابو سهيل
لقد بات الحراك الأخير الذي يعرفه قطاع الصيد البحري جليا مما ينبئ بحدوث بوادر تغيير لن يكون إلا في مصلحة القطاع بصفة عامة، و يرجع الفضل في ذلك إلى ثلة من الشباب الذين قذف بهم البحر دونما سابق إنذار ليحملوا عبء هذه المسؤولية بتعاون مع المخلصين من أبناء هذا الوطن و الغيورين على قطاع الصيد البحري.
لقد أحسنت إدارة الشركة المعروفة بأكادير صنعا إذ استفادت من تجارب هؤلاء الشباب لمدة ليست بالقصيرة لتنمية مواردها و موارد المستفيدين منها بحق أو بغير حق، ثم طردتهم ليكملوا المشوار و ليبدأوا بتصحيح أوضاع و اختلالات ما كانت لتظهر لو أنهم استمروا في عملهم على متن بواخر الصيد، فلوبيات الريع أحكمت قبضتها على القطاع و خلقت ظروفا و علاقات يصعب اختراقها، كما أنها خلقت لها أبواقا من داخل النقابات المنتفعة لا تخدم البحارة الدراويش بقدر ما تخدم مصالح ذوي النفوذ و المستفيدين من هذا الوضع لسنوات خلت. فلنحيي إذن هذه الإدارة الظالمة المتعسفة رغم أنها أقحمت الشركة في أنفاق مسدودة و مشاكل لا حصر لها يعرفها القاصي و الداني بميناء أكادير، نحييها إذن لإنها كانت سبب بلاء للمهيمنين على قطاع الصيد بأعالي البحار المنتفعين من اقتصاد الريع و من قانون لم يكتب له الخروج بعد إلى حيز الوجود.
لقد تفاعل الرأي العام المحلي و الوطني مع هذه الحركية المتمثلة في عقد مجموعة من الندوات و الأيام الدراسية على مدى الأشهر الأخيرة، و عرفت كلها تغطية إعلامية متميزة، كان آخرها اليوم الدراسي الذي نظمته المجموعة البرلمانية للإتحاد الوطني للشغل بالمغرب بمجلس المستشارين حول إخراج مدونة الصيد البحري، و لقد كان يوما دراسيا ناجحا بشهادة المهنيين الحاضرين و الفاعلين السياسيين، و لقد حاز المنظمون السبق في ذلك بالتنظيم المحكم و المشاركات الفاعلة، تلا ذلك مجموعة من اللقاءات الصحفية التي تطرح إشكالية مدونة الصيد و أهميتها في النهوض بقطاع الصيد البحري.
لقد ظهر جليا أن بعض لوبيات الصيد بأعالي البحار هم الذين حالوا دون إخراج المدونة كاملة و ساهموا في إبقائها في رفوف الأمانة العامة للحكومة قبل سحبها بعد ذلك، و انتقاء مشاريع قوانين تنزل بين الفينة و الأخرى تخدم مصالحهم و تحافظ على امتيازاتهم، و ليذهب البحار المستضعف المسكين إلى الجحيم ، فلا محاسب و لا رقيب إذن ، و ليستمر النهب في ثروات البلاد و مقدراتها السمكية لتصير لقمة سائغة في أفواه العابثين دون أن تستفيد الدولة من ذلك، و لتنزل المخططات تلو المخططات من الوزارة الوصية ما دامت أنها تحمي مصالح هؤلاء و لا تتعارض مع تطلعاتهم، و ليتم خرق القانون ما داموا أنهم هم القانون و حماتهم فوق القانون.
إن الثروة السمكية ببلادنا ليست ملكا لأحد و لا يمكن احتكارها من قبل أطراف استفادت منذ مدة و لا زالت تستفيد، الثروة السمكية ملك للدولة، ملك للمواطن المغربي الذي يقطن في أي نقطة من هذا الوطن الحبيب، الذي لم يسمع قط بخيرات بحرنا الزاخرة، فكيف به أن ينعم بها و يستفيد منها،
مخطئ من لا زال يحمل في عقليته فكر الإستعمار و أساليبه المقيتة في الإستفراد بهذه الخيرات، و لئن كانت بعض العلاقات الإدارية التي ترسخت منذ مدة، و التي تربط بين إداريين من أهل القرار و بين بعض ذوي النفوذ في قطاع الصيد البحري مبنية على تبادل المنافع و خدمة المصالح، فإن دستور 2011 قد سوى بين كافة المواطنين في الحقوق و الواجبات، و لا مجال لاقتصاد الريع و خنق الحريات و ضرب للكرامة.
بحار الصيد المغربي شريك أساسي في تنمية القطاع، و حلقة أساسية في دورة الإنتاج، و غيابه أو تغييبه تعطيل لهذه السلسلة التي يشكل مجهزي البواخر و المستثمرين إحدى حلقاتها فقط، و يبقى الدور الأساسي و المهم للدولة في حماية الحلقة الرئيسية و هي الثروة السمكية، و لقد دق الفاعلون في الميدان و المتخصصون ناقوس الخطر نظرا للتناقص المهول في المخزون السمكي، فمصايد الشمال قد استنزفت، و أصبح الضغط يتركز على المنطقة C جنوب المملكة، كل ذلك في ضعف واضح لمراكز الأبحاث و المعاهد العلمية في التعاطي مع هذه الظاهرة، ظاهرة الإستغلال المفرط للمصايد و الإستنزاف الذي تتعرض له صباح مساء.
لذلك لابد لجميع الفاعلين و المهتمين الوطنيين أن يكثفوا جهودهم لإخراج مدونة صيد بحري من شأنها أن تحفظ ثرواتنا البحرية و تعيد لبحار الصيد كرامته ليعمل في ظروف استقرار نفسي و اجتماعي، و تحفظ حقوق المستثمرين، و يبقى تطبيق بنودها مخول للإدارة التي لا بد لها أن تكون أطرا نزهاء يعمد إليهم التطبيق الفعلي للمدونة و التعاطي بحزم و صرامة مع المخالفين للقانون المتحايلين و المتحاملين عليه، و لا بد كذلك من تطهير الإدارات المحلية من عناصر مفسدة تبيع وطنها و ضمائرها من أجل دراهم معدودة في مختلف المندوبيات الجهوية و مكاتب الصيد، حتى يتم القطع مع ممارسات الماضي و تنعم أجيال المستقبل بثروات بلادهم الزاخرة كما استفاد منها أسلافهم.




















































































