كتبها للمغرب الأزرق إبن الشهيدة
نظرا لكون مدينة طانطان التي تشكل فيها شغيلة أومنيوم المغربي للصيد،أكثر من ثلث الساكنة على الأقل،قد أصبحت مرتعا خصبا لتوالد الإشاعات وتكاثرها إلى درجة إستفحالها،وبدأت بوادر عواقبها وإنعكاساتها السيئة تظهر واضحة على محيا الشارع العام للمدينة،بعدما أصبحت الظروف والأجواء ملائمة لتأسيس أرضية صلبة للإشاعة،وبالتالي توفر كل عناصرها، والمحددة بالخصوص في شرطين أساسيين لضمان رواجها وسريانها وهما : الشرط الأول المتعلق بموضوع الإشاعة وكونه ينطوي على شئ من الأهمّية للمتحدّث وللمستمع،وهذا المعطى متوفّر في حالة شغيلة أومنيوم المغربي للصيد،بعد التوقف الإضطراري عن العمل لمدة أكثر من سنة،
أما الشرط الثاني فهو كون الوقائع الحقيقية على جانب من الغموض،وهذا الغموض ينشأ إما عن إنعدام الأخبار أو إقتضابها أوتضاربها أوعدم الثقة بها،إلا ان شذوذ ظاهرة الإشاعة في صفوف شغيلة ( أ.م.ص )،وخروجها عن المعايير والشروط المألوفة لهذه الظاهرة،يكمن في كون الإشاعة لدى هذه الفئة من المجتمع الطانطاني غالبا ما تكون صحيحة،رغم إنعدام إستناداتها وغياب مصادرها ومراجعها،وهو ما يطرح العديد من الأسئلة والتساؤلات ،ولكي نقترب أكثر من هذه الظاهرة الفتاكة،لا بدّ لنا أولا من معرفتها والتعرّف عليها عن قرب وترصّدها داخل المخيل اليومي لهذه الشغيلة،وضمن المخزون الثقافي المحلي للمجتمع الطانطاني،وذلك من خلال تعريفها والوقوف على مدى إستشرائها في المدينة عموما وضمن صفوف شغيلة (أ.م.ص) بالخصوص،وماهي الأسباب المؤسسة لإنتشارها بكل هذا السوء والضرر؟
الإشاعة في اللغة هي الانتشار والتكاثر،وفي الاصطلاح هي النبأ الهادف الذي يكون مصدره مجهولاً،وهي سريعة الانتشار ذات طابع استفزازي أوهادئ حسب طبيعة ذلك النبأ،والشائعة هي الأفكار التي يتناقلها الناس دون أن تكون مستندة إلى مصدر موثوق به يشهد بصحتها،وأيضا هي الترويج لخبر مختلف لا أساس له من الواقع،أو هي المبالغة في سرد خبر يحتوي على جزء ضئيل من الحقيقة،ولهذا فالإشاعة هي كل خبر مقدم للتصديق يتمّ تناقله من شخص لآخر،دون أن تكون له معايير أكيدة للصدق , فهو بث خبر من مصدر ما في ظروف معينة،ولهدف يريده المصدر دون علم الآخرين،وهي الأحاديث والأقوال والأخبار والقصص التي يتناقلها الناس،دون إمكانية التحقق من صحتها أو كذبها،فالإشاعات تنتقل وتنتشر كلما ازداد الغموض ونقصت المعلومات حول الأخبار التي تنشرها هذه الإشاعات،وهي رسالة تحمل أخبار ومعلومات يرسلها شخص أو جماعة،إلى شخص أو جماعة أخرى لهدف وغاية معينة،يراد بها التأثير على المتلقي ليقوم باستجابات وتصرفات معينة،وتأثير هذه الرسالة تابع لمضمون هذه الأخبار على المتلقي. فهناك إشاعات الاستطلاع التي تسعى لرصد التأثرات والردود،أو جس النبض لفئة معينة من الناس،لتحديد طريقة التعامل معهم ،وهناك إشاعات التضليل ولها أشكال كثيرة،وهي تستخدم للتحكم بدوافع وآراء الناس،وبالتالي توجيهها بعوامل وأسباب الإشاعة .
ببساطة يمكن عزو ظهور الإشاعة إلى انعدام المعلومات، ومن هنا تروج الشائعات وكأنها حقائق،والإشاعات وسيلة بدائية جداً لنشر القصص عن طريق انتقالها من فم إلى فم حتى تنتشر بين الناس كأنها حقيقة،ويمكن تلخيص أهداف الشائعات في عصرنا الحاضر وخاصة في الحرب النفسية،إما لأجل التأثير على معنويات الخصم وتفتيت قواه، أواستخدمها للتمويه والتعمية كستار من الدخان لإخفاء حقيقة ما،وإما لترويج أنباء كاذبة وأخبار لأجل إضعاف الروح المعنوية للخصم،باستخدام الأساليب الحديثة لعلم النفس التي تستخدم الإشاعة للتأثير على نفسيات ومعنويات المتلقي , فالإشاعات تستخدم كسلاح أساسي في الحروب والصراعات مهما كان شكلها ونوعها أكانت سياسية أم عقائدية أم اقتصادية أم فكرية،وهذه الوسائل أصبحت تملكها وتتحكم بها الدول والمؤسسات الكبيرة،فهي الآن تقوم بغسل أدمغة غالبية الأفراد ووضع الأفكار والدوافع التي تريد .
وبما أن الإشاعة سلاح ذو حدّين،ولا يمكن ضمان مدى تأثيره ومفعوله على أي إستراتيجية حربية موجهة،ضدّ تشكيلة بشرية متقلبة المزاج وغير ثابتة على رأي،وردود أفعالها غير متوقّعة،وهو الواقع الذي يزكّيه علم الأنتروبولوجيا،الذي يؤكد من خلال البحث العلمي الميداني،الذي قام به الباحث في علم الإجتماع (كلود ليفي ستراوس)في مجتمع البيرو،والذي خلص من خلاله إلى إستحالة إخضاع الإنسان للتجربة والملاحظة والمراقبة،وبالتالي لا يمكن أبدا تكهن وضبط سلوكاته وتصرفاته وردود أفعاله،وهو ما يجب أخذه في الاعتبار لدى ساكنة طانطان من شغيلة (أ.م.ص)،الذين أصبحوا جاهزين للإنفعال والتفاعل مع أي إشاعة أو شائعة،كيفما كان نوعها وحجمها وشكلها،كما هو الشأن بالنسبة لشائعة لجوء الشركة إلى مسطرة تقليص العمال،والتي دفعت بالبعض إلى جمع رحالهم وبالتالي توجههم نحو جهات غير معلومة،كنوع من التعبير عن اليأس وفقدان الأمل الذي زرعته زوابع الإشاعات.وما قد يرافق ذلك من إنعكاسات سلبية،وهو الأمر الذي أصبح يتطلب البحث الجدي عن أسباب تفشي هذه الظاهرة،وهل الأمر يتعلق بمرض إجتماعي يعود إلى ضعف المعلومات ؟ أم أن الأمر يتعلّق بتقصير إداري متعلق بخيانة الأمانة عبرتسريب المعلومات وإفشاء السر المهني ؟ أم أن تلك سياسة ممنهجة ومقصودة يراد بها خلق البلبلة وإحباط الشغيلة؟
وخلاصة القول هو أن خطر الإشاعة يكمن في تسترها خلف قناع الخبر والمعلومة،متقمّصة لشخصيتيهما،لتتربّع بكل أريحية على عرش الزعامة في حديث المقاهي والشوارع والأسواق،بصفتها البضاعة الأكثر رواجا وتداولا في الثقافة الشعبية المحلّية،كنوع من الترويح عن النفس عبر الكذب عليها وتخديرها وإيهامها بالوهم والسراب،لتصاب في الأخير بفقدان الثقة،وهو الأمر الذي نجح فيه الفوهرر “أدولف هيتلر” إلى أبعد حدّ وتقدير،في إطار ما كان يعرف بحرب الإشاعة،والتي شنّتها ألمانيا النازية على معسكرات العدو،و استطاعت من خلالها أن تحقق سبقا في هذا المجال،عبر غزوها لمعسكرات عديدة بواسطة الإشاعة الإعلامية،المضخّمة لإنجازات النازية لبعث الرعب في صفوف الأعداء وترهيبهم لتسهيل السيطرة عليهم،بأقلّ الخسائر،ولعل التجربة النازية وفشلها في مخططها العنصري،بآلياتها وأدواتها وأساليبها المشبوهة،لدليل كاف على فشل أهداف الإشاعة،بعد توصل الإنسان بواسطة الإعلام والإذاعة إلى مصل لـفيروس فقدان المناعة ضدّ الإشاعة،والتاريخ الإسلامي حافل بنماذج متعددة للإشاعة مثل:حادثة الإفك التي ورد ذكرها في القرآن الكريم،وكذا الترويج لمقتل الرسول ( ص) في معركة أحد،وأن المجتمعات البشرية عرضة للإختراق بالإشاعات بما في ذلك مجتمع المدينة المنورة في العصر النبوي وكيف أن الله سبحانه وتعالى رد تلك الإشاعات بتوضيح الحقائق في القرآن الكريم وحذر من تداولها في أكثر من آية منها قولة تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا} الخ الآية، وفي الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.





















































































