منذ أكثر من عقد و السلطات الحكومية في الصيد و اقتصاد البحر الموريتانية تجدد اتفاقيتها مع الاتحاد الاوربي في الصيد البحري، كما ترخص للسفن الصينية و التركية ، هذا دون الحديث عن الترخيص لأبناء الخال من صيادي السينغال.
و قبل أسبوع حل بالمغرب وفد من رجال الأعمال الموريتانيين ممثلين عن أكثر من 140 شركة في “منتدى رجال الأعمال الاقتصادي المغربي- الموريتاني” في نسخته الثانية، الذي احتضنته العاصمة الرباط.
في ذات التوقت مكنت موريتانيا الجارة الشمالية الشرقية الجزائر المطلة على البحر الابيض المتوسط حق استغلال مصايدها-موريتانيا- الواقعة على الضفة الأطلسية.
في المشهد الأول يكون الفاعلون الاقتصاديون الموريتانيون قد اكدوا على مثانة العلاقات الاستراتيجية العميقة بين البلدين ، و أبدوا رغبة كبيرة في استثمار الروابط التاريخية و الثقافية و الاجتماعية، و مناخ الاستثمار و تبادل الخبرة و استغلال الفرص ، فيما يبدو المشهد الثاني أن السلطات الموريتانية الرسمية تسير في الاتجاه المعاكس.
في المشهد الأول ، المنتدى الموريتاني المغربي في شكله لن يقدم إضافة نوعية او بالاحرى لن يقدم جديدا، بالنظر الى حجم المبادلات التجارية و التدفقات بين البلدين، و وقوع البلدين على خط الربط الدولي البري بين اوربا و أفريقيا.
أما في المشهد الثاني فالامر فيه نظر و قراءة عميقة لما وراء الحدث.
يمكن ابتلاع عقد اتفاقيات تعاون بين موريتانيا و الجزائر في الصيد البحري، في التكوين البحري و بناء السفن و تربية الاحياء المائية، و تربية الاحياء المائية المندمجة في الفلاحة ، كما يمكن أن يرقى هذا النوع من التعاون الى مستوى التشجيع على الاستثمارات في الصناعات السمكية و التحويلية ، و هو ما سيمكن من رفع قدرات الموارد البشرية و تأهيلها و بالتالي خلق فرص الشغل، و كسب رهان التنمية ، خاصة بالنسبة للجانب الموريتاني الذي يحتاج الى الكثير من الجهد لترقية قطاع الصيد البحري و تثمين المنتوج.
بالمقابل اذا كانت اصوات الفاعلين السياسيين و النشطاء البيئية و المواطنين الموريتانيين حذرت و نددت بفرط الاستغلال الذي تتعرض له مصايد موريتانيا من طرف السفن الأجنبية الصينية و التركية خاصة، و تورطها في الصيد الجائر، و هدر الثروة السمكية السطحية التي تحول الى معامل دقيق السمك المنتجة للثلوت. حيث تفاعلت الحكومة بكل ايجابية مع تلك الأصوات خصوصا نداء والي دخلة نواذيبو حيث تقرر توقيف نشاط الصيد و تلته تدابير أخرى من قبيل تجديد الراحة البيولوجية و تحجيم نشاط وحدات الصيد. ما يعكس رداءة الوضع و حالة المخزون المتدهورة بموريتانيا.
فطبيعي أن نتساءل بالتالي عن القيمة المضافة من تمكين الجزائر من حصص للصيد – حسب مصادر غير رسمية خمس رخص للصيد- بالمياه الإقليمية الموريتانية، و هل ستمارس السفن الجزائرية نشاط الصيد ام ستلعب نفس الدور المريب الذي لعبته السفن التركية التي ضبطتها القوات البحرية الملكية سنة2018 تجوب المياه الاقليمة الجنوبية للمملكة .
فموريتانيا تعلم علم اليقين أن الصراع المغربي الجزائري ليس قضية شعب كما تسوقه الجزائر ، و انما قضية منفذ بحري نحو الاطلسي ، و هو ما صرح به الراحل بوتفليقة صراحة عندما اقترح تقسيم منطقة النزاع بين المغرب و الجزائر و في جرأة لم يسبقه اليها بوميدن.
تم نأتي الى السياق الاقليمي الذي يجعل من المنطقة ساحة للحرب الباردة بين لاعبين فعليين و آخرين بالوكالة.
السياق ليس الحرب الروسية الاوكرانية و تداعياتها و كواليسها، و إنما السوق الدولي لإعادة تشكيل التحالفات و انتزاع الغنائم، و افتتاح الدورة 77 للجمعية العامة للامم المتحدة و تولي الرئيس الجديد مهمته خلفا لسابقه.
و في اعتقادنا المتواضع أن موريتانيا كتونس ، و ان كان “قيس سيعد” قد أخطأ ، فموريتانيا تناور و تلعب على الحبلين، تجنبا لما قد يحيق بها على غرار ما حاق باسبانيا ، و قد تذوقت بعضا من طعمه خصوصا مع اغلاق معبر “الكركرات”.
مناورة موريتانيا لن تخرج عن تجربة فاشلة عندما شرعت في بناء حلم “ميناء نواذيبو الكبير” لمنافسة ميناء الداخلة الأطلسي بوعود اماراتية ، قبل أن تسحب الأخيرة من تحتها البساط، و للتذكير فقد تزامن ذلك مع الأزمة الإماراتية المغربية، قبل أن تعود المياه الى مجاريها و تفتح الإمارات قنصليتها بالعيون.
ما يجري بالمنطقة هو تحرك فرنسي فرنسي في مواجهة المغرب ، بعد تصويب هذا الأخير دفته نحو افريقيا ،و بناء تحالف استراتيجي انكلو ساكسوني، حيّد كل من ألمانيا و اسبانيا ليتضح العدو اللذوذ للمنطقة المغاربية و للمغرب خصوصا.
و للتذكير فنفس المنهجية التي تعتمدها فرنسا بتوظيفها دول الجوار لابتزاز المغرب و محاولة تركيعه ، قد سبقتها اسبانيا التي استثمرت فيه الكثير مستندة الى فصائل و عناصر انفصالية بالداخل المغربي ، قبل أن تستسلم للأمر الواقع و تعلن موقفها بشكل رسمي المنسجم مع الطرح المغربي حماية لمصالحها ، بعدما وجدت نفسها أمام مغرب وحد كلمته ،و رسم حدوده البحرية رغم أنفها ، و قادر على أن يجفف معابرها البرية و الجوية و البحرية ، و يخنق فنادقها و مطاعمها و محطات تموينها و تعطيل خدماتها ،و أن ينافس موانئها الكبرى بطنجة المتوسطي و الناظور شرق المتوسط، الداخلة الأطلسي،و يترك صياديها في مواجهة قرارات المحكمة الاوربية ببطلان اتفاقية الصيد……
وما يقع من على الاراضي الاوكرانية من “حرب” إنما هو استعراض للقوة بين روسيا و الناتو، و عما قريب سيطوى الملف ، و تظهر تحالفات و قوى جديدة كانت تتشكل في الخفاء ، كما سينهار الاتحاد الاوربي، و تجد فرنسا نفسها عالة على دول غارقة في التخلف، و هو ما يجسده الانسحاب المخزي للقوات الفرنسية بمالي.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل





















































































