شهدت الأسواق الوطنية خلال موسم الصيف ارتفاعا في أسعار السردين.
الظاهرة في الشكل تبدو للمواطن غير طبيعية بالنظر الى توفر المغرب على واجهتين بحريتين و احتلال المغرب الريادة في انتاج السردين و تصدير المصبرات منه.
وما لا يتقبله المواطن المغربي هو أنه و خلال فترة العطلة الصيفية يرتفع الاقبال على استهلاك المنتوجات البحرية و على راسها السردين، و في تحليل لنقط الجذب السياحي تتسيد المنطقة المتوسطية القائمة غير أن هذه المناطق تعد الافقر من حيث انتاج مادة السردين، حيث تعرف تراجعا في كميات المفرغات بشكل متدهور خلال السنين الأخيرة جعلت منها منطقة منكوبة، و هو ما يفسر ارتفاع الأسعار.
من جهة أخرى يرمي تجار السمك الكرة في ملعب المحتكرين من المنتجين وهم المجهزين، الا أن شريحة من هذه الفئة(المجهزون) تنكر ذلك مؤكدة أن السردين مقيد بثمن مرجعي يقدر ب3 دراهم يشمل جميع مصاريف الإنتاج في خلط بين السمك الصناعي أي السردين الموجه لوحدات التصنيع (capi)ذي المصدر من الدائر البحرية الأطلسية ، فيما آخرون يعتبرون ان ارتفاع هو ناتج عن نظام المزاد العلني.
و بالتالي يحصل لذى المتلقي البسيط أكان صانع قرار او مسؤولا او فاعلا سياسي او جمعوي او حقوقي او إعلامي لبس و اختلاط و تيه و ثعب ذهني ينتهي بصرف النظر عن الظاهرة و تناولها بشك سطحي لا يقدم حلا للإشكالية.
لم يترك المشرع المغربي مجالا إلا و أطره بنصوص تشريعية واضحة و منها ظهير شريف رقم1.14.116 ، بتنفيذ القانون رقم 114.12 المتعلق بحرية الأسعار و المنافسة.
وفي اعتقادنا المتواضع فإن المسؤول عن هذا الوضع هو الإدارة التي وضعت نظام مزدوجا لتسويق سمك السردين ما يفتح الباب بل و يشرعه أما سلوكيات و تدابير تحايلية للتربح على حساب المواطن،فضلا عن ضعف المراقبة و تعدد المتدخلين.
صحيح أن الثمن المرجعي للسردين بالدائرة البحرية الاطلسية هو حوالي 3 دراهم تشمل جميع المصاريف تنضاف اليها مصاريف النقل و الثلج لتصل القيمة الى 3,5درهما وهذا المنتوج يفترض أن يوجه الى التصنيع و ليس سوق الاستهلاك.
و لكن و لأن قطاع الصيد البحري و من أجل تثمين المنتوج و التشجيع على التنافسية وفي إطار استراتيجية اليوتيس مكن المجهزين من الحق في واقتناء منتوجاتهم لضرب الاحكار و كسر شوكة تجار السمك بعد سلسلة الإضرابات ضد قانون تجارة السمك المجحف.
هذا الاجراء وان بدا موضوعيا الا قريحة تجار الازمات و متصيدي الفرص تفتقت فأنتجت فئة جشعة من المحتكرين و المتحكمين من ملاك أكثر من مركب (يملك مجهز واحد أكثر من 20 مركبا).
و لأن قطاع الصيد البحري ينخره الفساد حتى النخاع و تعجز آليات المراقبة في الصمود أمام إغراءات الفقيرة، فإن التصريح بالمصطادات ووجهتها يشكل لب الإشكالية حيث يتم التصريح بالبعض(بغض النظر عن الكم) فيما البعض الآخر يتم تصريفه في السوق الداخلي بأثمان حارقة لجيب المستهلك حيث يتقاذف المجهزون و تجار السمك (غير المجهزين) التهم.
و بالعودة الى قانون حرية الأسعار و المنافسة، و في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي ينسحب على الجميع(منتج و مستهلك) ، سيكون على الإدارة الوصية التدخل بكل جرأة بما يحمي المصلحة العامة للمستهلك و هي من رفعت التحدي بالتشجيع على استهلاك المنتوجات البحرية في إطار استراتيجية اليوتيس.. بتفعيل المادة 4 من القانون ، و ذلك باتخاذ تدابير مؤقتة ضد الارتفاع الفاحش في الأسعار الذي تعلله ظروف استثنائية(الحالة الاقتصادية) أو كارثة عامة(تراجع المخزون) أو وضعية غير عادية بشكل واضح في السوق(الاحتكار، التهريب) ، على أن لا تزيد مدة تطبيق التدابير المذكورة على ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة من طرف الإدارة، و هذا طبعا بعد استشارة مجلس المنافسة.
أكيد أن تحريك هذا الملف سيثير حفيظة المنتفعين من الوضع إلا أن مسؤولية الإدارة جسيمة على اعتبار أنها الوصية على تدبير القطاع و حماية الثروة السمكية و بإمكانها فرض بند التزامي(مؤقت) مرفق لملف تجديد رخص الصيد ، خصوصا لأرباب أكثر من مراكب و في نفس الوقت تجار السمك ، سيمكن من تمويل الوحدات الصناعية و سوق الإستهلاك الوطني.
فالإنسان بفطرته ” إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ” ، و لا حسد فمن يتوفر على أكثر من 20 مركبا مرخصة لاستغلال السمك السطحي الصناعي ذي الثمن المرجعي(حوالي 3 دراهم) و دون تقييد ، و في ظل ارتفاع التكاليف و حالة المصايد سيجد في تصريف المفرغات في السوق السوداء ضالته للتغطية على الخسائر بل و تحقيق أرباح طائلة.
و بالتالي وجب النظر في ضرورة توحيد نظام التسويق و الغاء التمييز بين ما يسمى بالسمك الصناعي و غير الصناعي و بتعميم ثمن مرجعي للبيع النهائي مع تبيان أسعار الخدمات المرفقة تحدده الادارة استنادا الى الحالة الإقتصادية بما يراعي القدرة الشرائية للمستهلك و مصلحة المنتج بما فيه البحار.
و بما أن الفترة التي يمر منها قطاع الصيد هي فترة ركود فمن الاجدر استثمارها لاعادة النظر في مجموعة من التدابير التي تم تنزيلها في زحمة عشرية عزيز الصيد 2009-2022،و التي تتنافى مع الدستور (تحت بند عدم دستورية القانون) تتخذ صبغة الدوريات و المذكرات و أحيانا تعليمات وتوجيهات سنتطرق لها في مواضيع لاحقة.
كتبها للمغرب الأزرق الاستاذ حاميد جليم
مستشار في الاعلام البحري و التواصل
عضو المرصد الاعلامي للصيد المستدام بأفريقيا.





















































































