في مقال لإدريس الأزمي الإدريسي، نائب برلماني وزير منتدب سابق في الميزانية، نشر بالموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية و بموقع « فبراير.كوم « و « لكم « على التوالي بتاريخ 17 /18 أبريل 2020 ، تحت نفس العوان : ” في مواجهة الأزمة : لا تقشف ولا إفراط بل تضامن ومسؤولية واعتدال” ، ينتقد فيه مُقترح الامين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش لتجاوز الأزمة الإجتماعية والإقتصادية بالمغرب والذي نشرت له يومية ” أوجوردوي لو ماروك ” بتاريخ 14 أبريل 2020، تصوره لما بعد جائحة كورونا )كوفيد-19(.
وجب وضع المقالين في السياق العام إذ أصدر رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني يوم الأربعاء 25 مارس 2020 منشور رقم 2020/03، ينص على تأجيل تسوية جميع الترقيات المبرمجة في ميزانية السنة الجارية، وتأجيل جميع مباريات التوظيف ما عدا تلك التي سبق الإعلان عن نتائجها، يليه منشور رقم 2020/05 بتاريخ 14 أبريل 2020، ينص على التدبير الأمثل للإلتزامات بنفقات الدولة والمؤسسات العمومية خلال فترة حالة الطوارئ الصحية حيث يتعين تقليص أو إلغاء النفقات الغير ضرورية ، وأخيرا منشور رقم 2020/06 في نفس التاريخ 14 أبريل 2020، ينص على المساهمة في الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا “كوفيد-19” حيث تقرر أن يساهم موظفو وأعوان الدولة والجماعات الترابية ومستخدمو المؤسسات العمومية بأجرة ثلاثة أيام من العمل على مدى ثلاثة أشهر.
موازاة مع ذلك صادق مجلس الحكومة يوم الإثنين 6 أبريل 2020 على مشروع مرسوم قانون رقم 2.20.320 المتعلق بتجاوز سقف التمويلات الخارجية، يجيز للحكومة تجاوز سقف التمويلات الخارجية المحدد بموجب المادة 43 من قانون المالية رقم 70.19 للسنة المالية 2020 والمحدد في 31 مليار درهم (ﺧﻂ اﻟﻮﻗﺎﯾﺔ واﻟﺴﯿﻮﻟﺔ (LPL) ﺑﺴﺤﺐ ﻣﺒﻠﻎ ﯾﻌﺎدل ﻣﺎ ﯾﻘﺎرب 3 ﻣﻠﯿﺎر دوﻻر) ، قبل أن تصادق عليه لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب يوم الثلاثاء 7 أبريل 2020.
يظهر بجلاء أن إدريس الأزمي الإدريسي يولي الأسبقية لمداخيل الدولة كما يدعم بحكم انتمائه السياسي منشورات رئيس الحكومة الأخيرة المتسمة بسياسة التقشف، بينما عزيز أخنوش يحرص على دعم العرض والطلب والإبتعاد عن التقشف.
وبين هذا وذاك أود إثراء النقاش وإغنائه برؤية موضوعية استنادا الى مؤشرات اقتصادية محضة من جهة، وعلى مناقشة قانونية من جهة أخرى.
فبدءً ببدء، سنبدأ بدراسة منحى المديونية العمومية تم نتطرق فيما بعد لأسباب ارتفاع حجم الدين العمومي بالمغرب وختاما سنحاول الإجابة عن مدى تعارض الدين العمومي المغربي بعد الإقتراض من الخارج، مع النجاح في تطبيق القواعد الذهبية للمالية العمومية. لنخلص بأن الدين العمومي المغربي بعد الإقتراض من الخارج لن تترتب عنه العواقب الاجتماعية الوخيمة التي أشار إليها إدريس الأزمي الإدريسي.
ففي السياق العام دائما، فإن منشورات رئيس الحكومة لم تستحضر التدهور الخطير للأوضاع المعيشية لفئة عريضة من الموظفين جراء الإقتطاعات المتكررة التي نفذت على أجورهم خلال الولايتين الحكوميتين الأخيرتين (إصلاح منظومة التقاعد)، مقابل الإرتفاع المهول للأسعار نتيجة رفع الدعم عن صندوق المقاصة، الشيء الذي يؤكد على ضرورة دعم الدولة للفاعلين الاقتصاديين، في مرحلة الخروج من هذه الأزمة، وذلك حتى يتمكنوا من تخطي المرحلة، ويستعيدوا عافيتهم ، وقد أكد عزيز أخنوش على أن هؤلاء الفاعلين سيحتاجون إلى مواكبة ودعم لا تشوبه شائبة.
- منحى المديونية العمومية
البيانات تشير الى المنحى التصاعدي للدين العمومي المغربي بشكل ملحوظ منذ 2008 بفعل نتائج الأزمة المالية العالمية (2007-2008) من خلال تقلص الطلب الخارجي، واحتداد الأزمة الغذائية، وارتفاع أثمان مواد الطاقة، وانخفاض مصادر العملة الصعبة الرئيسية (الاستثمارات المباشرة، والسياحة، والمغاربة المقيمين بالخارج)، إلخ…المصدر: وزارة المالية
فإذا كان توسيع عجز الميزانية والمديونية العمومية في اعتقاد إدريس الأزمي الإدريسي أمرا خطيرا جدا ، فعزيز أخنوش أشار بجلاء أنه في الظرفية الحالية، لا وقت للتقشف لأن مستوى الدين في هذه الظرفية الآنية بالذات، ليس مهم ولكن مسار الدين على المدى المتوسط البعيد هو الأهم، ومن البديهي أن الإضطرار إلى الإقتراض من الخارج يفرض نفسه للتغلب على أزمة كورونا ، تم إن الركود الاقتصادي سينجم عنه تراجع مداخيل الدولة مما سيؤثر سلبا عن نسبة عجز الميزانية، والغريب في تصور وزير الاقتصاد و المالية السابق ، هو غياب المداخيل الضريبية بشكل مرتقب لهاته السنة. فتوسيع عجز الميزانية والمديونية في اعتقاده أمر خطير مع إصراره على الاعتدال في التقشف ! إنها فعلا معادلة صعبة إذا لم نقل لا حل لها. بينما عزيز أخنوش قدم بدائل اقتصادية معروفة، وواقعية تتجسد في ارتفاع العجز لا محالة، بالإضافة إلى توسيع عجز الميزانية والمديونية العمومية لمعالجة النقص على مستوى مداخيل الدولة، مبرزا ضرورة الحفاض على دخل الأسر المتضررة من الحجر الصحي عبر الدعم المباشر المخصص لتدبير هاته الأزمة تحت اشراف لجنة اليقظة . وينبغي التأكيد في هذا الصدد على أن الدعم المباشر للأسر المعوزة فقط، فيما المقاولات ستحظى بمواكبة لتخطي الأزمة وستساهم بدورها في تسديد الأجور للعمال والمستخدمين والمضي قدما بعجلة الاقتصاد الوطني.
ولتنوير الرأي العام بخصوص حجم الدين العمومي بالمغرب، ونسبته الحقيقية مقارنة مع الناتج الداخلي الخام، وكذا مدى خطورته على المالية العمومية وعلى الاقتصاد الوطني، فوجب تسليط الضوء على المغالطة التالية : فإذا كان الدين العمومي في حد ذاته يعتبر بمثابة موارد مالية استثنائية للدولة، فإن الرأي العام عادة ما يأخذ انطباعا سلبيا حول هذا الموضوع دون أن يشكل الأمر موضوع نقاش حقيقي حول وظيفته ودوره الاقتصادي والمالي في جميع الأنظمة الاقتصادية المتقدمة.
ومعذرة السي الأزمي ، فخروجك الإعلامي هذا يرسخ هذا الانطباع السلبي ويثير مخاوف غير حقيقية حول مخاض نسبة الاستدانة بالمغرب، وهنا يتعين الوقوف على حكمكم المسبق بخصوص اللجوء إلى توسيع عجز الميزانية والمديونية العمومية في الظرفية الحالية، والذي يُقوِض – حسب منضور السيد البرلماني- كل هذه الجهود في لحظة وجيزة، فهو حكم متسرع، ولا ينبني على نظرة واقعية للظرفية الحالية، إذ أنه وجب اتخاد تدابير احترازية واستباقية و الإقتراض مبكرا ضرورة ملحة قبل أن تفاقم الأزمة، كما يتعين التركيز من جهة أخرى على ما وصفتموه بتدارك الأضرار التي لحقت بالمالية العامة، وهو نفس الخطاب خلال ولايتكم كوزير منتدب سابق بالميزانية والذي يولي الأسبقية لمداخيل الدولة ! فاحترام المغرب حاليا للقواعد الذهبية للتدبير المالي العمومي، والتي هي القواعد المحددة لمؤشرات الصحة المالية للدول في مختلف التجمعات الاقتصادية، مع العلم أن عدد من الدول الأوربية نفسها لم تستطع احترامها أو الإلتزام بها، ومن هنا يتضح بجلاء أنه يجب التوقف عن ذلك الخطاب ، الذي يولي الأسبقية لمداخيل الدولة، فالترويج لسياسة تقشفية يعتبر خطأً جسيما، تماما كما أشار لذلك عزيز أخنوش.
- أسباب ارتفاع حجم الدين العمومي بالمغرب وتعزيز خيار الرفع من مستوى المديونية
إذا كان اللجوء للاستدانة يعتبر بمثابة المقابل الحسابي والمالي لعجز الميزانية، فإن لجوء المغرب خلال الفترة الممتدة من 2002 إلى 2009 لموارد استثنائية أخرى، كان يستهدف بشكل أساسي تمويل العجز الميزانياتي ، ويتعلق الأمر بموارد الخوصصة التي ضخت أزيد من 100 مليار درهم خلال عشر سنوات متتالية، تم توجيه جزء كبير منها لأداء نفقات التسيير وليس فقط للاستثمار كما كان مقررا. فأمام تدفق موارد الخوصصة، وفي ظل غياب أية استراتيجية لإصلاح التدبير المالي العمومي، ازدادت وثيرة ارتفاع نفقات التسيير بشكل أسرع من تطور الموارد العادية. فتطور الموارد العمومية كان بنسبة 12 بالمائة، في حين أن ارتفاع نفقات التسيير كان يسير بشكل أسرع وقارب زيادة بنسبة 20 بالمائة، موازاة مع ذلك استقرت نفقات الدين العمومي ولم تنخفض كما كان متوقعا، وعرفت نفقات الاستثمار انخفاضا طفيفا عوض أن تعرف زيادة كبيرة، كما هو مفترض في مثل هذه الحالة. وهنا برهان بالخلف على عدم جدوى تصور السيد الأزمي.
علاوة على ذلك لا أفهم ازدواجية الحوار بين نقد السيد الوزير المنتدب سابقا في الميزانية حول رأي رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار بخصوص خيار الرفع من مستوى المديونية ، وتحمل المخاطر مع العلم أن السيد الوزير المنتدب سابقا مسؤول عن ارتفاع حجم الدين العمومي خلال ولايته، إذ قفز معدل دين الخزينة بالنسبة إلى الناتج الداخلي الخام من 58,2% في سنة 2012 (بداية الولاية) إلى 64,1% في سنة 2015 (نهاية الولاية)، مسجلا ارتفاع 5,9% مقابل ارتفاع 1,8% فقط منذ نهاية ولايته إلى حدود اليوم!
وفي إطار الخطاب الذي يولي الأسبقية لمداخيل الدولة دائما، فالسيد إدريس الأزمي الإدريسي بصفته برلمانيا عن حزب العدالة والتنمية، وعضو بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، فقد صادقت هاته اللجنة على مشروع مرسوم قانون رقم 2.20.320 المتعلق بتجاوز سقف التمويلات الخارجية مع ضرورة التأكيد على تصويت فريق العدالة والتنمية بالموافقة على هذا المرسوم، ليخرج إعلاميا بعد ذلك مثيرا مخاوف غير حقيقية حول خطورة نسبة الإستدانة على المالية العمومية وعلى الإقتصاد الوطني.
- هل الدين العمومي المغربي بعد الإقتراض من الخارج يتنافى مع النجاح في تطبيق القواعد الذهبية للمالية العمومية؟
بدأ التنزيل الفعلي في المغرب لعدد من القواعد الذهبية منذ سنة 2016 ، على إثر بداية تنفيذ القانون التنظيمي الجديد للمالية، خاصة في شقه المتعلق بالتوجيه الصارم لموارد الدين العمومي لتمويل الإستثمار العمومي، مما جعل مؤشرات صحة المالية العمومية تعرف تقدما متواترا منذ سنوات. فخلافا لما يتم تسويقه إعلاميا، فإن حجم دين الخزينة يستقر حاليا في أقل من % 66 بالنسبة إلى الناتج الداخلي الخام وهي نسبة جد معقولة وإيجابية بقياس المؤشرات المالية العالمية، إلا أنه من المرتقب أن يعرف هذا المؤشر ارتفاعا بسبب جائحة كورونا، وهذا سبب غير كافي للإعتماد على مؤشرات غير حقيقية قد تخدع الرأي العام بإدخال معطيات مغلوطة ضمن الحسابات العمومية لتوهيم المواطنين بوجود مخاطر غير واقعية. ومنه فالنجاح بعد خيار اللجوء إلى توسيع عجز الميزانية والمديونية العمومية في الظرفية الحالية رهين بالإستمرار في تطبيق القواعد الذهبية للمالية العمومية، لأن هذا الترشيد استطاع أن يجنب المغرب مخاطر إغراق البلاد في الاستدانة لتمويل نفقات التسيير (كما كان سائدا إلى حدود سنة 2014).
وفي ضل الأزمة الحالية، طرح وزير الإقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة إشكالية قانون المالية المعدل أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب يومه الثلاثاء 7 أبريل 2020، وأبرز في طرحه الفرضيات التي وجب بناؤها على أرقام واقعية، كما أضاف أنه لا نعرف إلى متى ستستمر الأزمة وكيف ستتصرف الاقتصادات الشريكة ؟
في هاته الظرفية عدة سيناريوهات تطرح للوجود ولكن هذه السيناريوهات لا تسمح بوضع قانون مالي معدل لدى فالقرارات تؤخد على وجه السرعة ولجنة اليقظة الإقتصادية ووزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة يشتغلان على الإقتصاد الجزئي ولم يتم الإعداد بعد للاقتصاد الكلي، فاليوم الموضوع الرئيسي هو السيادة وكم هو احتياطي العملات الأجنبية التي يتوفر عليها المغرب؟ لذا يتعين الذهاب إلى التمويل الأجنبي وإبرام اتفاقيات مع المؤسسات المالية في حالة الطوارئ هاته. فكما أشار السيد البرلماني عن تأكيد وكالة التنقيط الدولية “ستاندر أند بورز” S&P في 3 أبريل 2020 لتصنيف المغرب في درجة الاستثمار مع نظرة مستقبلية مستقرة، فيجب إذن أن نستفيد منها. ومن الأرجح تحديد الأولويات وعدم المراهنة بمرور الوقت، إذ لا يعقل الإنتظار والمجازفة، فحماية مغربنا الحبيب أولى. لدى فمعذرة مرة أخرى للسيد إدريس الأزمي الإدريسي، فتقييمك لسحب ما يقارب 3 مليار دولار دون صعوبة في هذه الفترة هو تقييم خاطئ، إذ وجب الإتصال مع المؤسسات المالية ووجب التنويه بقرار استخدام ﺧﻂ اﻟﻮﻗﺎﯾﺔ واﻟﺴﯿﻮﻟﺔ (LPL) من صندوق النقد الدولي بدون شروط، كما ينبغي التسريع في دراسة القرار الرامي إلى استخدام السندات البالغة 275 مليون دولار من صندوق التضامن ضد الأحداث الكارثية كما جاء على لسان الوزير الوصي عن القطاع، وإذا اقتضت الضرورة دراسة معمقة لمثل هاته القرارات فتكلفة الفرصة البديلة تزداد مع مرور الوقت في ضل تفشي هذا الوباء العالمي.
كتبها للمغرب الأزرق الدكتور محمد عدنان والزين محمد عدنان،
استاذ محاضر في القانون البحري ، خبير اقتصادي
عضو الشبيبة التجمعية ببني ملال.






















































































