كتبها للمغرب الأزرق موحني عبد العزيز ربان صيد
قصدت الرصيف الذي ترسوا به بواخر الصيد بأعالي البحار فاستوقفني منظر هذه المراكب الكثيرة و المصطفة، حالة غالبيتها العظمى مهترئة و هياكلها نخرها الصدأ، فتساءلت هل هذه الكتل الحديدية تصلح فعلا للإبحار؟ و هل تصلح لإيواء طاقمها المكون من 25 بحارا، أو تضمن سلامتهم على مدى رحلة الصيد التي تدوم شهرين متتابعين؟
تأملت مليا في هذا المنظر فقفز إلى مخيلتي أنني ربما في القرن التاسع عشر حيث مراكب القراصنة المعروفة بحالتها المقززة و الفوضى العارمة، و الجرذان التي تصول و تجول على أسطحها و كأنها أفراد من الطاقم.
و أنا أنظر إلى هذه الكتل الصماء الصدئة تملكتني رغبة قوية في استكشاف ما بداخل هذه البواخر من غرف نوم و مرافق صحية و مطابخ.
اقتربت من أحد هذه المراكب الراسية فإذا بشاب في مقتبل العمر يريد الصعود على متن هذه الباخرة، فطلبت منه إمكانية الصعود برفقته، تبسم ضاحكا و قال: ” أش باغي تشوف فهاذ المشقوف؟” لم أجبه بشيء ، نظر إلي فوجد إصراري و تشبتي على خوض التجربة……
و أنا على متن الباخرة استرسل رفيقي الشاب في الحديث: أنا أعمل هنا كملازم lieutenant، و قبطان هذا المركب صيني و كذلك الرئيس الآلاتي، فهم يأتون إلى المغرب بدبلومات مكتوبة باللغة الصينية لا نعرف فك طلاسيمها، و لا نعرف تخصصهم حتى، فمثلا هذا القبطان لما قدم هنا إلى المغرب عمل طباخا في أحد المراكب التابعة لنفس الشركة.
و أقسم هذا الشاب أنه لا يفقه في الملاحة و قوانينها شيئا، و لا يعرف التحدث بأي لغة ما عدا كلمات محدودة و ركيكة باللغة الإسبانية، فتجد صعوبة في التواصل معه.
دعاني رفيقي الشاب أن أبدأ زيارتي بمقصورة القيادة، بعد أن فتح بابها بجهد و مشقة لأن دفة الباب غير ملائمة مع إطاره، فاحت من داخل المقصورة رائحة كريهة جدا لم أقو على تحملها، كادت أن تسبب لي بالغثيان، فعلق رفيقي قائلا: ” هاذ المساخيط ديال الشينوا كياكلو هنا وينعسو هنا ويديرو كلشي هنا”.
بداخل المقصورة فوضى عارمة، نظرت إلى السقف فوجدت أكياسا بلاستيكية مدلات و بها كميات مختلفة من الماء و الصدإ. قال لي رفيقي نعم هذا هو جو العمل ، فالسقف مليء بالثقوب كالغربال فنضطر إلى حبس الماء بهذه الطريقة فقد تعودنا على ذلك.
أجهزة الملاحة الضرورية لضمان سلامة الباخرة غير متوفرة البتة، فالرادار معطل و جهاز الراديو VHF غير متوفر، فلا يوجد إلا مقود السفينة la barre و جهاز shud burne الذي يسمح بإيصال أوامر الإبحار نحو الأمام أو الخلف أو التوقف لمحرك الباخرة حيث يقوم على صيانته و مراقبته الرئيس الآلاتي أو من ينوب عنه.
على الطرفين الخلفيين للمقصورة الأيمن و الأيسر، توجد غرفتين يقطن بإحداهما صديقنا الملازم و نائب القبطان. انتظرت قليلا قبل أن يفتح بابها و أنا أتخيل كيف ستكون حالتها، ربما أحسن حالا من داخل المقصورة أو أفضل، و بمجرد ما رأيت ما بداخل الغرفة غمرتني قشعريرة عارمة، فأقل ما يمكن أن يقال عن هذا المقام أنه لا يصلح لإيواء البشر على الإطلاق، فالسريران العلوي و السفلي تقابلهما نافذة عوض زجاجها بصفيحة من حديد، ترك وسطها مفتوحا، أجزم صديقي أنها تسبب لهم معاناة حقيقية، فعند كل عاصفة تمر تستقبل هذه الغرفة كميات كبيرة من مياه البحر فتتبلل كل محتوياتها فتصبح كبركة مائية، فلا نوم و لا استراحة إلا بعد أن تمر العاصفة فقد تدوم أسبوعا كاملا و هم يعيشون هذا الوضع الكارثي.
أردنا النزول إلى السطح الرئيسي بواسطة درج ضيق و عمودي يصعب استخدامه، فنبهني رفيقي أنه ينبغي اتخاذ الحذر الكبير كي أتجنب السقوط، ففي عرض البحر حيث يكون اهتزاز الباخرة مع حركة الموج يسبب هذا الدرج مشاكل كثيرة و خطيرة.
بعد ذلك قال لي الشاب ، هذا هو المرحاض الوحيد في هذا المركب، و هو الحمام في نفس الوقت، نظرت فوجدته يشبه مرحاض الزنازن ، فكل من رغب في قضاء حاجته يتوجب عليه أن يجلب الماء بواسطة دلو من البحر قبل أن يلجه، أما إن أراد أحدهم الإستحمام فلك أن تتخيل كيف ستكون “التحميمة”.
في هذه اللحظة قال لي رفيقي: شد أنفاسك الآن فسوف ترى المكان الذي يقطن به البحارة، على اليمين يوجد مطبخ لا صلة له بالمطابخ سوى التسمية، طاولتان خشبيتان قديمتان مركونتان بالزاوية عليهما العديد من طبقات الطلاء القاتمة، بالجهة المقابلة فرن كهربائي قد سيطر عليه لون الدخان الأسود، و حنفية و مكان لغسل الأواني.
بالجهة المقابلة للمطبخ و في نفس الممر توجد غرفة بها طاولة ممتدة على طول الغرفة و كراسي مثبثة على جنباتها، بلغة البحر هذا المكان يسمى ” الكاري ” حين يجتمع فيه البحارة لتناول وجباتهم، و أنا ألج إلى هذا المكان استقبلتني مجموعة كبيرة من الصراصير، فهي الملكة هنا بامتياز. واصلت جولتي ربما لأكتشف أشياء أخرى غريبة قد انطلق الزمن و تركها هنا بهذه المراكب الصينية الصنع كي تتهكم و تنتهك كرامة البحار المغربي.
في نفس الممر الحديدي الذي استحوذ عليه لون الصدأ، توجد أربع غرف متقابلة الأبواب، دخلت أنا و رفيقي إحداها فلم أتمالك نفسي من شدة الغيظ، فلا يمكن أن يصلح هذا المكان إلا لتسمين الخنازير ، فالمكان مظلم تكتسحه رطوبة عالية، يضم ستة أسرة بلغة البحر “كوشيطات” شبيهة بقبور موحشة و مخيفة، فيا لصبر هؤلاء المستضعفين و المساكين، حين يقضون معظم عمرهم بهذه المراكب، بل المزابل، و يدفعون الثمن غاليا بتدهور صحتهم و معاناتهم مع أمراض كثيرة و مزمنة.
فللأسف أن كل ما يروج و يكتب و كل ما يذاع و كل ما يبث في قنواتنا لا يعكس بصراحة هذا الواقع المؤلم و المأساوي الذي تعيشه هذه الفئة الواسعة من البحارة المغاربة في صمت و ذل و هوان.
أتساءل الآن، أين هي منظمة العمل الدولية ؟ أين هي المواثيق الدولية المصادق عليها من طرف المغرب، و الخاصة بحسن إيواء البحار على متن كل باخرة تحمل العلم المغربي؟ أين هي القوانين التي يخضع لها القطاع؟ أين هم المسؤولون المكلفون بالسلامة البحرية و نظافة المراكب؟
فاعلموا أيها المسؤولون أن كل صندوق سمك يتم تفريغه بالميناء من طرف مثل هذه المراكب، توجد به رسالة استغاثة و معاناة حقيقية من مواطنين مغاربة، منسيين، مقهورين، ذنبهم الوحيد أنهم اختاروا العمل على متن هذه المراكب الصينية، التي لا تراعي أدنى شروط العمل الكريم، و الراحة النفسية و البدنية.





















































































