المغرب الأزرق
فادي نصار
الثدييات البحرية، كالدلافين وكلاب البحر والسلاحف، فضلاً عن الطيور أيضاً، هي أولى ضحايا النفايات البحرية، فهذه الكائنات الحية لا تميز خلال بحثها عن غذائها بين قناديل البحر او الطحالب (غذاؤها الرئيسي) وبين أكياس النايلون أو قطع البلاستيك، فتلهمها ولا تستطيع هضمها، فتعلق بجهازها الهضمي، وتتسبب لها بالشعور الزائف بالشبع، ولذلك تتوقف عن الأكل وتموت جوعا.ً
تعد البحار والمحيطات مصدر ثروة أساسية للبشر، وتشكل الأسماك والكائنات البحرية الأخرى مصدراً ثريّاً للغذاء، بينما يؤمن إسفنج البحر ومخلوقات بحرية أخرى عناصر هامة تدخل في تركيب أدوية لعلاج أمراض مثل نقص المناعة المكتسبة “الأيدز” وغيره. كما تشكل سلاسل الصخور المرجانية الممتدة على طول بعض السواحل في العالم عاملاً طبيعياً يقي الشواطئ من الأمواج العاتية. وأخيراً، يصل حجم الفائدة الاقتصادية العائدة من البحار، من خدمات وأطعمة وسلع، إلى 2.1 ترليون دولار أميركي سنوياً.
أسماك البحر الابيض المتوسط
ربما لم تعرف مياهاً أخرى هذا التنوع في الحياة البحرية والثروة السمكية كما هو الحال بالنسبة لمياه البحر المتوسط، التي تحتوي على آلاف الأنواع من الأسماك التجارية وأسماك الزينة، بالإضافة إلى الشعاب المرجانية التي تمثل متحفاً حياً تحت الماء.
وتعيش في مياه البحر المتوسط أنواع كثيرة من الأسماك نذكر منها: السردين، المرمار، الموزه، المياس، موسى، أبو سيف، البلاميطة، القاروس، البوري، البطاطا، السيجان، الوقار، الهامور، الدنيس، ومن الاسماك الكبيرة نذكر التونة والحوت والدلافين، كما هناك انواع مختلفة من السلاحف ذات الرأس الكبير، الفقمة، القرش، سرطان البحر، القواقع، الجمبري (القريدس)، المحار، الديدان، الاخطبوط، الاسفنج، المرجان، الطحالب ونجم البحر الساحر الجمال وغيرها.
وتمثل أسماك الشعاب المرجانية العدد الأكبر بين أسماك البحر المتوسط، إذ تمثل نسبة 25 بالمئة من مجموع الأسماك.
الجدير ذكره أن مستويات المخزون السمكي في البحر الأبيض المتوسط متدنية إلى حد القلق، وتقول الوكالة الأوروبية للبيئة أن أكثر من 65 بالمئة من المخزون السمكي في المنطقة يعتبر خارج الحدود البيولوجية الآمنة، وإن بعض أسماك الصيد المهمة – مثل البكورة التونة، النازلي، مارلن، سمكة السيف، البوري الأحمر والشعوم مهددة.
تعتبر أسماك المياه المفتوحة الكبيرة مثل التونة مصدر الصيد المشترك لآلاف السنين، والآن مخزونه منخفض بشكل خطير. فقد نشرت “غرينبيس” تقريراً يكشف عن أن كمية التونة في البحر المتوسط إنخفضت بنسبة تزيد على 80 بالمئة في السنوات الـ 20 السابقة.
الكائنات المجتاحة
لقد سبب افتتاح قناة السويس عام 1869 أول مرور للمياه المالحة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر. ويعتبر البحر الأحمر أعلى من شرق البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي فإن القناة بمثابة مضيق المد والجزر يسكب مياه البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وبدأت النباتات والحيوانات المهاجرة من البحر الأحمر في استعمار شرق المتوسط. وتعرف هذه الظاهرة باسم هجرة الكائنات البحرية.
تعد الكائنات المجتاحة عنصراً من أهم عناصر النظام البيئي للبحر الأبيض المتوسط والتي لها آثار خطيرة على بيئة البحر حيث تهدد العديد من الأنواع المحلية والمستوطنة. في أول نظرة على بعض المجموعات من الكائنات الغريبة تبين أن أكثر من 70 بالمئة من عشريات الأرجل غير أصلية الموطن وحوالي 63 بالمئة من الأسماك الغريبة التي في البحر الأبيض المتوسط أصلها من المحيطين الهادي والهندي، وتعتبر كائنات دخيلة على البحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس. وقد تبين أن تأثير بعض الكائنات البحرية المهاجرة كبيراً وخصوصاً في حوض البحر الأبيض المتوسط قبالة الشواطىء السورية – اللبنانية، وبالتالي فهي مسؤولة عن التغيير والتهديد للتنوع البيولوجي الأصلي. وفي إطار اتفاقية التنوع البيولوجي فإن اعلان الحكومة المصرية عن عزمها لتعميق وتوسيع قناة السويس، قد أثار مخاوف علماء الأحياء البحرية لأن مثل هذا العمل لن يؤدي إلا الى غزو كائنات البحر الأحمر للبحر الأبيض المتوسط.
هذا وتدخل الآن البحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق الكائنات الاستوائية الغريبة من المحيط الأطلسي، وذلك بسبب ارتفاع درجة حرارة المياه الذي سببته ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي.
التلوث
في السنوات الأخيرة، إرتفع التلوث كثيراً في هذه المنطقة. وقد حدد برنامج الأمم المتحدة للبيئة بعض الملوثات، نذكر منها: مياه الصرف الصحي، الزيت المعدني، الزئبق، الرصاص والفوسفات، وتضخ بكمات كبيرة ومتفاوتة الى قلب البحر الأبيض المتوسط كل عام.
هذا الامر خطير وقد أدى الى كارثة حيث نفق الكثير من الكائنات البحرية بسبب التلوث الكبير في مياه البحر واختلال تركيز الغازات في أعماق البحر، وأحد هذه الكائنات “فقمة الراهب” وموطنها البحر المتوسط، ويعتبر من بين الثدييات البحرية المهددة بالانقراض في العالم.
تعاني منطقة البحر الأبيض المتوسط أيضاً من المخلفات البحرية، وتبين وجود كثافة عالية من المخلفات البحرية حول سواحل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، بمتوسط 1,935 صنف لكل كيلومتر مربع. شكلت مخلفات البلاستيك 76 بالمئة منه، وتشكل أكياس البلاستيك نسبة 94 بالمئة منها، علماً أن الأبحاث المخبرية تفيد بأن البلاستيك يحمل معه السموم القوية الى أجسام الكائنات الحية بما في ذلك الديدان البحرية والمحار الازرق.
عابرات البحار
يعتبر البحر الأبيض المتوسط من طرق النقل البحري المزدحمة في العالم. ويقدر أن ما يقرب من 220,000 سفينة تجارية تحمل أكثر من 100 مليون طن عبر البحر المتوسط كل عام (ثلث الشحن التجاري الكلي في العالم). وفي كثير من الأحيان تحمل هذه السفن بضائع خطرة، والتي إذا فقدت أو غرقت فستؤدي إلى أضرار جسيمة على البيئة البحرية، ويعتبر تفريغ خزانات المواد الكيميائية والنفايات الزيتية من المصادر الرئيسية للتلوث البحري.
ويشكل البحر الأبيض المتوسط 0.7 بالمئة من المياه السطحية العالمية ويتلقى 17 بالمئة من تلوث النفط البحري عالمياً. وتشير التقديرات إلى أنه في كل عام يتم تفريغ ما بين 100,000 – 150,000 طن من النفط الخام عمداً في البحر من أنشطة الشحن.
يتم نقل ما يقارب 370,000,000 طن من النفط سنوياً في البحر الأبيض المتوسط (أكثر من 20 بالمئة من المجموع العالمي)، وتعبر البحر كل يوم حوالي 250 – 300 ناقلة نفط. تحدث حوادث التسرب النفطي كثيراً، بمتوسط 10 مرات سنوياً. وقد يحدث تسرب نفطي كبير في أي وقت وفي أي جزء من البحر الأبيض المتوسط
صون التنوع البيولوجي في المتوسط
ثمة ضرورة لصون التنوع البيولوجي، والنظم النادرة أو الهشة، وأنواع الحيوانات والنباتات البرية وموائلها في الإقليم ضمن الميادين الرئيسية التي تهتم وتنشط بها خطة عمل البحر الأبيض المتوسط، وهو ميدان حظي بقدر كبير من الإقرار والمساندة.
وضعت عدة خطط للعمل يقوم بتنفيذها مركز الأنشطة الإقليمية للمناطق المتمتعة لحماية وصون الأنواع المهددة في المتوسط وهي: الحيتانيات، والسلاحف البحرية، ولا سيما السلحفاة الخضراء والغطاء النباتي البحري، والأسماك الغضروفية، مثل أسماك القرش، وأنواع الطيور البحرية. كما أن هناك خطة تتعلق بمسألة إدخال الأنواع غير المحلية، وذلك لتنظيم عمليات الإدخال المتعمد أو العرضي للأنواع غير المحلية أو المعدلة وراثياً إلى مياه البحر الطليقة ومنع العمليات التي يمكن أن تحلق الأذى بالنظم الإيكولوجية، أو الموائل، أو الأنواع.
زراعة مائية غرب اليونان
توسعت الزراعة المائية بشكل سريع – غالبا بدون تقدير للنتائج البيئية – وفي الوقت الحاضر يمثل بروتين الأسماك 30 بالمئة من الاستهلاك العالمي. وتدعي الشركات الزراعية أن المأكولات البحرية المستزرعة تقلل من الضغط على المخزونات السمكية الطبيعي، ولكن الكثير من الكائنات المستزرعة آكلة اللحوم، وتستهلك ما يصل إلى خمسة أضعاف وزنها من الأسماك الطبيعية.
إن مناطق البحر الأبيض المتوسط الساحلية معرضة أكثر لتأثير البشر، فالمناطق البكر أصبحت أكثر ندرة من أي وقت مضى. وقطاع الزراعة المائية يزيد هذه الضغوط، الأمر الذي يتطلب مناطق مائية عالية الجودة لإقامة المزارع. كما أن إنشاء المزارع السمكية يكون بالقرب من الموائل المهمة وغير المحصنة مثل مروج الأعشاب البحرية.
إن إنتاج الزراعة المائية في البحر المتوسط يهدد التنوع البيولوجي من خلال إدخال كائنات جديدة إلى المنطقة، وكذلك مخلفات المزارع العضوية والكيميائية تؤثر على البيئة المحيطة وتدمر الموائل الساحلية.
البحر المتوسط من أهم وأجمل البحار في العالم وتعد الحياة البيولوجية فيه من أكثر البيئات تنوعاً على سطح هذا الكوكب، ولعل دورنا الأساس هو المشاركة في حماية هذه البيئة البحرية الغنية، فلنعمل على وقف الانتهاكات بحق هذا البحر والتعدي على الحياة البحرية عموماً.






















































































