عبد الرحيم النبوي-المغرب الأزرق-أسفي
من المعلوم أن للأغاني الشعبية وظيفة اجتماعية ومحلية، عند العاملين في البحر في صيد السمك أو الملاحة، فهي تجعلهم يستطيبون عملهم،ويسرون له،وينتشون لأغانيه التي تحول المشـــــاق والمخاوف والمتاعـب والمعاناة، إلى نزهة ممتعة في البحر على الرغم من خطورة هذه المتاعب والمصاعب أحيانا .وتبقى الأغاني وما امتزجت به من مخاوف ومتاعب، وأرباح وانتصارات على غوائل البحر، ذكريات جميلة، ترافقهم في حياتهم،بعد أن يكونوا قد ودعوا البحر . وقد تذكر أغاني البحارة والعاملين فيه بأحوالهم وأشواقهم و تباري حقا وبهم.
ونظرا لما تتمتع به مدينة آسفي من مجال بحري،وكثرة المشتغلين في هذا القطاع الحيوي منذ القديم، فإن لهؤلاء أغانيهم الشعبية البحرية .فأغاني البحر تصاحبك للحظة من لحظات العمل. فمنذ البدء في صناعة السفينة، تتردد أغنيات على إيقاعات المطارق في تثبيت ألواح الخشب، بل وفي كل مرحلة من مراحل صنع السفينة إلى الانتهاء منها و إعدادها للإبحار.
وهذه الأغاني الشعبية تعرف في مدينة آسفي على حد ما تمت الإشارة إليه ـ ب : ” تاكبالت ” وهي كلمة أمازيغية في أصلها، معروفة عند العاملين في البحر في آسفي خاصة عند الذين يعملون في سفن صغيرة تتولى حمل البضائع والسلع من الشاطئ إلى مسافة معينة في البحر،حيث ترسو الباخرة التي تتسلم تلك البضاعة،وهو مايسمى بالشحن والإفراغ . وهكذا يسير القارب بستة مجاديف، ثلاثة منها في كل جهة، وكل بحار يأخذ بين يديه مجدافا،ويظل هؤلاء يقطعونا لطريق بين البر وموقع الباخرة في البحر . وفي أثناء عملهم، وبسبب الأهمية البالغة لأغاني البحر،نجد أن لكل سفينة شخصا يسمى ” الحادي ” أيمطر بالسفينة ومغنيها الذي يبث في البحارة الحماسة، ويسري عنهم في متاعبهم ومعاناتهم،ويشترك معه في الغناء رفاق العمل والكدح، يبددون صمت البحر بصوت الإنسان الفنان .. تعلو أغانيهم مع كل حركة من حركات العمل، تزيد من فرحتهم بعملهم،ونسيان تعبهم المضني . وغالبا ما تعبر هذه الأغاني بصياغتها الأدبية ومضامينها الفكرية والوجدانية عن وحدة المشاعر،وخواطر الفكر الجماعي،وإرهاصات الوجدان الجمعي للعاملين في السفينة،حيث يرتبط فيها وجود الفــــــرد بوجود الجماعــــــة،ويشعـــــــر الإنسان بأنه وحدة عضوية واحدة في نسيج إنساني متكامل البناء.. وهو ما أصبح اليوم مفتقدا لدى البحارة ، ومن المستحسن الحفاظ على مثل هذه التقاليد الجميلة التي كانت سائدة في الزمن الجميل .
وهكذا تظل أهازيج العمل والأمل تصاحبك للحظة من لحظات الحياة على السفينة. فالإبداع الشعبي ليس عملا كماليا،زائد عن حاجات الحياة وأغراضها وأهدافها اليومية والدائمة، بل عمل متكامل الجوانب تطبعه الممارسة التلقائية للحياة . ومن ناحية أخرى نجد أن أغنية العمل سواء في البحر أو في غيره،ذات عراقة وجذور بعيدة الغور والمدى.
يميل بعض العلماء إلى القول بان أغنية العمل نشأت أول ما نشأت مع الإنسان الأول، وتولدت في إيقاع أصوات آلاته البدائية الأولى. ومن ثمة،نجدها إلى يومنا هذا تواكب حركة العمل في امتدادها إذا كانت الحركة متتالية،وتلاحقها إذا كانت الحركة سريعة، فللأغنية الشعبية البحرية اثر كبير في تخفيف وطأة العمل عن البحار وما يمكن ان ينتابه من تعب ونصب، فتغدو عونا على النشاط في عمله المرهق بفعل النشوة التي تحدثها تلك الأغنية في نفسه.
وأغنية العمل الشعبية في مدينة آسفي، ومنها أغاني البحر ( تاكبالت) بدائية في ألحانها،تقوم على الجملة الواحدة التي تتكرر،سواء في إنشاد منفرد، أو إنشاد جماعي . وتتألف من عدة جمل إيقاعية خالصة، وهي لا تستعين بالنبر الصوتي على التعبير والتأثير، بل تحقق هذا وذاك عن طريق تضخيم هذه الجمل الإيقاعية، كالضرب بالأيدي والأقدام. ويحس المستمع لأغاني البحر،إذا ما صفا إحساسه ،وتيقظ أنه يشم رائحة البحر، ويحس إيقاعات السفن وأصواتها،وهي تمخر عباب البحر المتعالية الهائجة أحيانا،والهادئة أحيانا أخرى.





















































































