في زمن تتسارع فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية دوليا ، وتتعاظم فيه رهانات التشغيل الكريم والمنتج، يبرز قطاع الصيد البحري بالمغرب كنموذج تنموي حيّ استطاع أن يتحول من نشاط تقليدي محدود في مردوديته إلى رافعة حقيقية لخلق الثروة وفرص العمل. فمن خلال رؤية استراتيجية بعيدة المدى، واستثمار ذكي في العنصر البشري، استطاعت المملكة المغربية أن تجعل من البحر مصدراً للعيش الكريم والتنمية المستدامة، ومجالاً واعداً لتجسيد توجهات “الاقتصاد الأزرق” الذي تتبناه الدول الرائدة في العالم.
وفي هذا الإطار، كشفت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، السيدة زكية الدريوش، خلال مداخلتها بمجلس النواب، عن أرقام تعكس بوضوح حجم التحول الذي شهده القطاع خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة، حيث ارتفع عدد مناصب الشغل من 67 ألف منصب سنة 2010 إلى 128 ألف منصب سنة 2025، أي بزيادة تقارب الضعف، وهو ما يعكس دينامية غير مسبوقة في تاريخ هذا القطاع الحيوي.
هذه القفزة النوعية لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة عمل مؤسسي متواصل وإصلاحات هيكلية شملت مختلف حلقات سلسلة الصيد البحري من الإنتاج إلى التثمين والتسويق. فقد تم منذ سنة 2010 إحداث أكثر من 114 وحدة صناعية جديدة متخصصة في تحويل وتثمين منتجات البحر، ما أعطى دفعة قوية للتشغيل ورفع من القيمة المضافة الوطنية للمنتوج البحري المغربي، الذي أصبح يحظى بإشعاع متزايد في الأسواق العالمية.
وتوقفت المسؤولة الحكومية عند خمسة أوراش كبرى شكلت أساس التحول في القطاع، أولها ورش تعزيز تنافسية صناعة الصيد البحري، الذي مكن من تحديث البنيات التحتية وتحسين جودة المنتوجات ورفع القدرة التصديرية للمغرب. أما الورش الثاني، فتمثل في تطوير منظومة التكوين البحري، التي أضحت اليوم رافعة حقيقية لإدماج الشباب في سوق الشغل، حيث يتم تخريج 1300 شاب سنوياً، 90% منهم يجدون فرص عمل مباشرة في القطاع، مما يجعل التكوين والتشغيل حلقتين متكاملتين في سياسة الوزارة.
وأضافت الدريوش أن الورش الثالث ركز على تعزيز النسيج التعاوني والاقتصاد التضامني، من خلال دعم 78 تعاونية بحرية عبر التمويل والمواكبة التقنية، وهو ما ساهم في تمكين عدد كبير من المهنيين من الاندماج في المنظومة الاقتصادية، وتحقيق استقلالية مهنية واقتصادية لآلاف الأسر الساحلية. كما أشارت إلى أن عدد البحارة الذين يشتغلون على ظهر السفن تجاوز اليوم 132 ألف بحار، في دلالة واضحة على الدور الحيوي الذي يلعبه الصيد البحري في امتصاص البطالة وتثبيت الساكنة الساحلية.
إن هذه الأرقام والمؤشرات ليست مجرد معطيات إحصائية، بل هي ترجمة ملموسة لرؤية ملكية سامية تسعى إلى جعل الثروة البحرية رافعة للتنمية الشاملة والمستدامة، في انسجام تام مع الاستراتيجيات الوطنية الكبرى ومنها “أليوتيس” ، التي تضع الإنسان في صلب التنمية وتربط بين الحفاظ على الموارد الطبيعية وتحسين جودة العيش.
ويجمع المتتبعون على أن نجاح قطاع الصيد البحري في تحقيق هذه النتائج الملموسة ما كان ليتم لولا التخطيط المحكم والتناغم بين مختلف الفاعلين من إدارة مركزية ومهنيين ومستثمرين ومؤسسات تكوين وبحث علمي. فقد بات المغرب اليوم نموذجا قاريا في التدبير المستدام للموارد البحرية، من خلال التحكم في جهد الصيد، وتطوير أنظمة المراقبة، وتشجيع البحث العلمي الموجه نحو تثمين الثروة السمكية.
إن ما كشفته زكية الدريوش من معطيات وأرقام خلال الجلسة البرلمانية يؤكد أن المغرب لا يراهن فقط على البحر كمصدر للثروة، بل كفضاء للابتكار والريادة والتنمية المستدامة. فكل وحدة صناعية جديدة، وكل شاب متخرج من مؤسسات التكوين البحري، وكل تعاونية مدعومة، تمثل لبنة في بناء اقتصاد بحري وطني قوي، يعزز تموقع المملكة كقوة إقليمية بحرية صاعدة، ويدعم في الوقت نفسه الأهداف الاستراتيجية الكبرى المتمثلة في التنمية، التشغيل، والاستدامة.
وفي ختام هذه الرؤية الواعدة، لا يسعنا إلا أن نثمّن المجهودات الجبارة والمستمرة التي تبذلها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، تحت إشراف السيدة زكية الدريوش، التي أبانت عن كفاءة عالية وحس وطني رفيع في تنزيل المشاريع الهيكلية وتأطير الفاعلين والمهنيين، بما يجعل من قطاع الصيد البحري اليوم نموذجاً وطنياً يحتذى به في الحكامة والفعالية والنجاعة. إنها مجهودات تستحق التنويه، لأنها تعكس التزاماً صادقاً بخدمة الوطن والمواطن، وإيماناً عميقاً بأن البحر ليس فقط ثروة طبيعية، بل مستقبل تنموي مشرق للمغرب وأبنائه.






















































































