يشهد قطاع الصيد البحري حالة عدم استقرار في أنشطته بسبب التراجع الكبير في المخزون المستهدف و على رأسه السمك السطحي و الأخطبوط.
بغض النظر عن الاسباب التي تتعدد بين الصيد الجائر و حجم الاسطول و المعدات المستعملة،و السلوك غير الرشيد و التغيرات المناخية. يبقى من الضروري فتح نقاش عمومي حول سبل الخروج من الأزمة بأقل التكاليف.
فالتدابير الكلاسيكية (حل/سد)اثبتت محدوديتها في ظلت جشع الوسط المهني وتغوله ، لاعتبارات تقنية و أخرى أخلاقية . كما أن الاستناد الى الرأي العلمي كمرجع لاتخاد القرار، أصبح هو الآخر مستهلكا و لا يشكل قيمة في ظل محدودية الامكانيات المفرملة للإبتكار و المحفزة على الابداع ، و أمام التغول المهني و تفشي الفساد و تدني منظومة القيم.
يضاف الى ذلك العدد الكبير من المتدخلين(من الادارات العمومية) على طول سلسلة القيمة ، يشكل هو الآخر حجر عثرة أمام أي مبادرات لحماية الوراد البحرية و استدامة الصيد.
في ظل هذه الصورة السوداوية ، و في ظل الطفرة العلمية و التكنولوجية العالمية ، أصبح من اللازم و الملح التقدم خطوة الى الأمام ، و تحيين مخططات التهيئة لمختلف الاصناف و اسقاط طابع القدسية عنها ، و الاتجاه نحو اعتماد مقاربة جديدة تنسجم بكل واقعية مع الوضع الراهن، و بشكل استباقي لاحتواء الاسوء ، تقوم على اساس الاستدامة الاجتماعية.
فالتجارب من حولنا و في الاتحاد الاوربي، و تحديدا اسبانيا الشريك الاسترايتيجي في المجال البحري و في الصيد و المصايد،أكدت على أن الاستدامة في الصيد لا يمكنها الصمود أمام الهشاشة، و بالتالي سيكون من الضروري مواجهة حقيقة الوضع ببلادنا لما بعد استراتيجية اليوتيس1، التي لا يزال مسؤولو بلادنا لم يستفيقو من نشوة نجاحات الاستراتيجية التي طويت سنة2020 ، وقد خلطت التغيرات المناخية الحسابات و ضربت بالمقررات عرض الحائط، و اضعفت القوانين ، ليعود الوضع الى ما قبل 2002،كما هو الشأن بالنسبة لمخطط تهيئة مصيدة الاخطبوط أو كما هو الشأن بالنسبة للسمك السطحي و التونيات.
اللافت وسط كل هذا الهرج و المرج الذي يعيشه قطاع الصيد البحري ، هو أن المغرب يتوفر مجاله البحري على حوالي 500 صنف قابل اللاستغلال (وفق منظمة الغذائ و الزراعة)، فيما فقط يتم استهداف حوالي60 صنفا ، اي بنسبة تقارب 10%.
احتياطي غذائي لا يستفاد منه و يعد هدرا للثروة الطبيعية الوطنية، فيما يمكن استغلال هذا المخزون العظيم في إطار احتياط استراتيجي ، و ذلك من خلال تثمين الموارد البحرية غير المستهدفة و ذات القيمة السوقية التي قد تعادل المستهدفة التي تتعرض للاستهداف و الاستنزاف، و اعادة توزيع الحصص خصوصا الاسماك الكبيرة الحجم التونيات و القروش و القرب و كذلك الطحالب و القشريات الكبيرة و الشوكيات…
و هنا سيكون العبء على الصناعات السمكية الشريك الحيوي و الوجودي للصيد البحري، دون التعويل على المكتب الوطني للصيد ، و ذلك بتطوير خطوط الانتاج و البحث عن اسواق جديدة يمكن من خلالها تصريف الصيد الاحتياطي في إطار الاستدامة بالتناوب.
و إذا كانت رؤية استراتيجية اليوتيس قد تخلفت توقعاتها في أن يصل المواطن الى سقف17 كلغ كمعدل استهلاك سنوي ، حيث أن عدد الاصناف التي يقبل عليها المواطن المغربي لا تتجاوز 4 أصناف على رأسها السردين غذاء الفقراء ، فهناك اسواق أجنبية لا تتورع في استقبال جميع الاحياء دون اعتبار لصنفها و لا حتى مصدرها(طبيعي او مستزرع) كالسوق الاسيوي .
كما أن السياسة التواصلية في الصيد البحري فشلت في الترويج للمنتوجات البحرية حيث افسد الجشع النويا الحسينة في هذا الباب و منها برنامج حوت بلادي الذي طحن الملايين من السنتيمات دون جدوى،و مبادرة الحوت بثمن معقول التي ركبت على المواطنة و شهر رمضان لتشرعن ضرب مبدء التنافسية للمنتوج المحلي و نحقيق الارباح تحت عباءة شهر رمضان.
في دول أخرى و تحديد في الاتحاد الاوربي و الولايات اللمتحدة الامريكية ، ابدع المنتجون آليات التشجيع على الاستهلاك كحل مواجهة أزمة تراجع الصيد ، حيث أطلق البعض منهم مبادرات نوعية تحث المستهلك على الاقبال على أنواع أخرى مصنفة (بالبشعة) ، في إطار الاستدامة الاجتماعية و استمرار أنشطة الصيد التي تعاني من تراجع المخزون المستهدف او في إطار الراحة البيولوجية لذات الاصناف.
يبقى من العتب على المسؤولين المغاربة في الصيد البحري و حتى الخبراء التمسح بتوجيهات المنظمات الدولية و الإملائات الخارجية نحو الاستزراع السمكي من أجل استدامة الصيد على حساب الاستدامة الإجتماعية، و هو ما سيشكل كارثة اقتصادية و اجتماعية لثلاثة مليون مواطن مغربي يعيشون من أنشطة الصيد، بشكل مباشر و غير مباشر.
فموقع المغرب شمال غرب أفريقيا على واجهة متوسطية تصنف الاكثر تلوثا في العالم ، و أخرى أطلسية مفتوحة على أعنف التيارات الهوائية و التيارات البحرية القوية ، يجعل من الاستزراع السمكي البحري كما يتم التوسيق له أمرا شبه مستعصيا ، بالنظر الى حجم الاستثماراتو قيمتها و غياب الضمانات و مقابل تواضع الخبرة ،هذا فضلا عن العوامل الطبيعية غير المتحكم فيها . و ليست الصدفيات هي من سيشكل الفرق او حتى القيمة في الاستدامة ، كما لن يكون دقيق السمك المستخلص من آلاف الاطنان من السردين الحل السحري لعلف الدوراد المستزرع او تسمين التونة ، في ظل تراجع المخزون من هذا الصنف. حتى أن المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري لا يزال يبحث إماكنية تحويل الطحالب البنية التي تجتاح المنطقة المتوسطية الى سماد ، فيما صناعة تثمين الطحالب بجميع أنواعها تعرف طفرة جد نوعية بدول كفرنسا ، حيث يتم استخلاص العناصر التي تدخل في الصناعات الصيدلانية و الصناعات الغذائية و الصناعات الكيميائية.
و بالتالي فمواجهة ازمة الصيد بالمغرب يجب التعامل معها بمقاربة جد حكيمة و ذات بعد استراتيجي و بكل واقعية و تواضع أمام الطبيعة ، و تكون تجربة متفردة تعكس مفهوم الاستدامة بمظور آخر .
كتبها للمغرب الأزرق الاستاذ حليم حاميد
مستشار في الإعلام و التواصل
عضو المرصد الإعلامي للصيد المستدام بأفريقيا





















































































