المغرب الأزرق
أدركت المنظمات الدولية لحماية البيئة أهمية أدوار الحماية التي يوفرها صيادو ايمراغن لعينات الطيور المهاجرة والأسماك النادرة التي تتخذ من منطقة حوض آرغين موقعا للتكاثر، فايمراغن يعرفون كل عينة من هذه الأحياء المائية ويدركون الطريقة التي يصطادون بها دون أن يستنزفوا الأسماك..
ويتشبث ايمراغن بمنطقة حوض آرغين وهم يرفضون تركها مصرين على البقاء في هذا الوسط الذي عرفوه وعرفهم والذي يعيشون في انسجام تام معه منذ قرون خلت.
و تجزم المراجع التاريخية على أن مجموعة إيمراغن التي لا يتجاوز عددها اليوم ألف نسمة، هي حصيلة هجرات لأعراق عدة التقت منذ القدم على شاطئ الأطلسي حيث خيرات الخير توفر وسائل العيش بشكل مبسط ومفيد.
وتؤكد المصادر أن «إيمراغن» هم قوم سود وصلوا إلى شواطئ الأطلسي قبل وصول قبائل صنهاجة البربرية ثم اختلطوا عبر التاريخ بهذه القبائل .. ثم كان أن طردتهم أبعد في عمق المحيط، هجرات القبائل العربية التي انتشرت في الصحراء الكبرى وحكمت مناطق وجودهم..ثم جاءت عملية إبعادهم الثانية عام 1728 م عندما دمر الفرنسيون الغزاة مرسى آرغين الذي كان يشكل نقطة ربط على المحيط لتجارة العبيد.
وحدث خلال هذه الفترة اختلاط كبير للأعراق قبل أن تستقر مجموعة الإيمراغن معزولة في المنطقة الواقعة بين نواكشوط بموريتانيا والداخلة بالصحراء المغربية.
وبالنظر لواقع العزلة الذي عاشوه منذ زمن بعيد فقد احتفظت مجموعة «إيمراغن» بنمط حياتها القديم واقتصرت أنشطتها على ممارسة الصيد.
ظلت مجموعة «إيمراغن» على مدى سنوات مضت، تابعة لقبائل البيضان التي تسيطر على سواحل الأطلسي؛ ومقابل الحماية والتأمين يدفع أرقاء إيمراغن المحررون سمكة كل يوم عن كل فرد منهم للقبائل الحاكمة، أما الأرقاء منهم فيدفعون للأسياد كل منتجاتهم ويحتفظون فقط بما يكفي لمؤونتهم.
ومع أن هذه العادة الاستغلالية قد اختفت الآن إلا أنها شكلت عائقا اجتماعيا مستديما أمام مجموعة «إيمراغن» حيث لم يتمكنوا لحد الساعة من تنظيم حياتهم والتفكير في مستقبلهم.
يقول سيدي الطيب وهو باحث موريتاني متابع لتاريخ المنطقة «.. تتداخل الجغرافيا مع التاريخ في منطقة «آرغين» التي يعود تاريخها إلى أكثر من عشرة آلاف سنة شهدت خلالها حضارات متعاقبة لا تزال بعض آثارها ماثلة للعيان تحكي قصة من كانوا هنا.
وعن ملامح السكان يقول الباحث «عندما تتأمل ملامح سكان المحمية (إيمراغن) تقرأ من قسمات وجوههم أروع روايات التعايش الحميمي بين الإنسان والطبيعة حيث يشكل الإنسان هنا عنصراً في معادلة عناصرها الأخرى البحر والصحراء والطيور والأسماك».
لم تهدأ الحرب بين مجموعة «إيمراغن» وبين المستكشفين الغربيين الذين تكالبوا على المنطقة قبل عدة قرون بعد أن أدركوا قيمتها الاقتصادية الهائلة، فقد بسط كل من البرتغاليين والأسبان والفرنسيين والهولنديين والبريطانيين سيطرتهم في مراحل متلاحقة على أجزاء من المنطقة.
كان سكان «إيمراغن»، يضيف الباحث، مرغمين على التعامل التجاري مع كل المستعمرين لكنهم لم يتأثروا بأنماط حياة المستكشفين، بل ظلوا متشبثين بعاداتهم وتقاليدهم التي تتسم في أغلبها بالغرابة، كما ظلوا يعتمدون في غذائهم على صيد الأسماك بالطرق التقليدية، وهم يرتبطون بصداقة حميمية مع الدلافين التي توجد بأعداد كبيرة، وبموجب هذه الصداقة يسوق الدلافين أعدادا هائلة من الأسماك من أعماق البحر إلى الشاطئ حيث ينتظرها صيادو «إيمراغن» بفارغ الصبر.
عملية الاصطياد هذه لها طقوس خاصة لا يريد الإيمراغيون الإفصاح عنها من أغربها أنهم يرمون شباكهم على الشاطئ و يبدأون بضرب الموجات الشاطئية بالعصي مشكلين طابورا هلاليا.
وتصحب هذا الضرب المنتظم حركات خاصة وأهازيج مبهمة فسرها البعض أنها تطرب الدلافين فتسوق معها الأسماك نحو شباك «إيمراغن». وإذا كان يصدق على هؤلاء القول الشائع أنه لا رجال إلا رجال البحر فإن الإيمراغيين يعتقدون أنه لا نساء إلا نساء الإيمراغن فهن اللواتي يباشرن جميع الأعمال اليدوية خصوصا المتعلقة بتجفيف وتشريح الأسماك.
يقول الباحث سيدي الطيب «من أغرب العادات لدى الإيمراغن حظر قدوم المرأة إلى الشاطئ لأن ذلك في اعتقاداتهم، يغضب البحر غضبا شديدا فيضن بخيراته ويحطم الزوارق الموجودة قيد الإبحار».
يترصد صيادو «إيمراغن» الأسماك بمهارة عالية وعند ملاحظة أي سرب يقترب من الشاطئ، يحاصره الصيادون المتحفزون بشبابيكهم التقليدية فيملئونها ليعودوا بها فيبدأ دور النسوة اللواتي عرفن بكفاءتهن العالية في معالجة الأسماك وتجفيفها، ولديهن خبرة كبيرة في معرفة القيمة الغذائية لكل سمكة وإمكانية بقاء لحمها صالحا للاستعمال بعد التجفيف، كما يقمن باستخلاص الدهن من تلك الأسماك، واستخراج البيض منها.
ينعزل صيادو «إيمراغن» في منطقة حوض آرغين وهم يواجهون بيئة قاسية ..فهؤلاء الصيادون متشبثون بنمط من الحياة قديم في ممارساته وأهدافه حيث أنهم يشركون الدلافين في عمليات صيدهم الجماعية، ومع ذلك فقد أصبحوا يسعون لتطوير أساليب صيدهم باستخدام القوارب ذات المحركات التي اكتشفوا أنها تمنحهم فرصة استغلال للوقت وفرصة الوصول لمواقع بعيدة للغاية. وما زال الكثيرون يستغربون أنماط صيدهم وطرق عيشهم وحياتهم، فمن هم «إيمراغن» هؤلاء الذين يعيشون معزولين ومهمشين على شواطئ الأطلسي حيث تذوب الكثبان الرملية؟





















































































