كتبها للمغرب الأزرق سيدي ابراهيم فعرس
إن ممارسة العمل السياسي أو النقابي في أي مجتمع كان لا يمكن أن تخرج عن دائرة الأخلاق التي تحكم ذلك المجتمع باعتبارها ” محددات ذلك المجتمع وقوانينه” و التي تدخل في إطار تركيبته المجتمعية والثقافية والحضارية، كما أن منطلق العمل السياسي والنقابي هو المجتمع الذي يمارس فيه.
إن النقابي و السياسي الذي لا يحترم ضوابط المجتمع و ثوابته لا يمكنه أن يجد له مكانا داخل المجتمع الذي يريد تأطيره ، و باعتبار الأخلاق جزءا من المنظومة فهي ضوابط واجبة الاحترام مع تعدد القراءات في علاقة السياسة بالأخلاق باعتبارها تتعدد باختلاف المجتمعات والحضارات.
فمن واجب النقابي السياسي أن يتقيد بضوابط مجتمعه وأن لا يكون مارقا عنها ومناهضا لها سواء تلك الأخلاق المحكومة أو الضمنية بمبادئ الدستور والقوانين أو تلك التي تحكم الضمير الكلي للمجتمع ، من ذلك مثلا ما نص عليه الدستور بأن المغرب دولة إسلامية لأننا مجتمع عربي مسلم بمعنى أنه على النقابي أو السياسي ، و النقابي السياسي أن يستلهم ضوابط حركته من الحضارة العربية الإسلامية، كما أن قيم الدولة وما تقتضيه من محددات صارت ضابطا من ضوابط الضمير الجمعي التي يقتضي الأمر أيضا احترامها وعدم تجاوزها وهي صارت أيضا مبدأ أخلاقي بحكم التواتر الزمني ، بمعنى أن احترام قيم الدولة والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان العامة والخاصة والمواطنة بما تحتمله من حقوق اجتماعية وسياسية صارت مبادئ أخلاقية وما يقتضيه كل ذالك من شفافية ونزاهة في التعامل مع هذه القيم والانتصار لها والدفاع عنها والسعي إلى نشرها وترسيخها مع جملة المبادئ التي ذكرت.
من وجهة نظرنا كل هذه القيم هي قيم أخلاقية مجتمعية وبالقدر الذي يسعى فيه رجل السياسة في بلادنا كيف ما كان موقعه إلى تثبيت هذه القيم بمقاصد تخدم المجتمع لغرض التطويع وتصليب بنائه الوطني بقدر ما يتوقف ذلك على مدى احترامه للقيم الأخلاقية للمجتمع، وإذا أردنا أن نقترب أكثر من الواقع السياسي والنقابي المعاش ببلادنا سنقف لا محالة على مدى التزام هذا السياسي أو ذاك، هذا الحزب أو ذاك ، هذا النقابي أو ذاك ،تلك النقابة أو تلك على مدى التزامهم الأخلاقي.
في المغرب ووفقا لهذه المعايير السالفة الذكر فليس كل السياسيين والنقابيين لهم التزام مطلق بالمبادئ والأخلاق والتي هي متفاوتة إذ هناك أحزاب ونقابات لا علاقة لها بالديمقراطية سواء في داخلها أو باتجاه المجتمع إذ يتخذ ذلك كشعار براق لجذب المواطن إلى مصيدته دون أن يكون متبنى من طرفه التبني الكامل ، إذ أن أكبر جريمة أخلاقية أن يكون رجل السياسة و النقابي مرتكبا لخيانة المجتمع و لأن التفريط في المبادئ باسم أي قيمة وتحت أي عنوان هو هدر لكل القيم وتبقى بالنهاية بعض المبادئ النقابية و السياسية من وجهة النظر الأخلاقية نسبية.
حقيقة هذه مسألة غاية في التعقيد ، فهل يمكن يا ترى أن يقترن عمل السياسي النقابي بالأخلاق ؟
هل يمكن أن نتصور قائدا نقابيا سياسيا أو زعيما يربط نفسه بما تقتضيه الأخلاق من قيم وما تفرضه من ممنوعات؟ فإذا كانت السياسة بطبيعتها تهدف إلى إقناع الناس بمواقف معينة وبسياسة معينة ، وإذا كان السياسي يسعى ،عبر إقناع الناس ، إلى الصعود إلى السلطة ، فهل يمكن أن نتصور أن احترام القواعد الأخلاقية ، و الالتزام بالقيم النقابية النبيلة ، ستكون دوما حاضرة خلال هذا المسعى الدؤوب للارتقاء إلى كرسي النفوذ ؟
لكن قبل هذا وذاك ، أليس من الضروري أن نضع خطا فاصلا بين السياسي و النقابي المناضل، بالرغم من صعوبة عملية الفصل؟ ولكن في اعتقادنا أن الفصل ضروري.
فالسياسي ، ونعني به(السياسي الذي يمتهن السياسة ) ينظر دائما للسلطة كهدف أسمى لا مفر منه لتطبيق ما يعرضه من سياسات وإصلاحات وفي هذه الحالة ،لا مفر له من اللجوء للعديد من الأساليب التي لا ترضاها الأخلاق ، ومن بينها التهجم المفرط والمهين على خصومه ، وتقديم الوعود غير الواقعية للمواطنين والناخبين في حالة الإنتخابات ، وعدم إفصاحه عن قناعاته وآرائه إذا خشي أن تبعد عنه جزءا مهما من الناس، ولجوئه إلى قاموس ‘الشعبوية’، الذي يتقنه السياسيون عادة. في حين يكون هدف ‘المناضل النقابي’ مختلفا حيث عادة يكون غير مكترث بالصعود إلى السلطة ، بل يسعى إلى رفع وعي الجماهير ونشر مفاهيم جديدة تتقاطع مع السياسات السائدة ، والعمل على خلق قوى فاعلة للتأثير على مجرى الأحداث.
من هنا يمكننا القول أنه ليس من الغريب ما نسجله لدى عديد من المناضلين النقابيين و من “الزعماء السياسيين” من تغيير في المواقف و التموقعات، يباشرون حياتهم النقابية أو السياسية ك’ماركسيين’، ويصبحون بعد ستة أو ثماني سنوات ‘قوميين’ ، فيتطورون ثم فجأة ليصبحوا ‘أصوليين’ إسلاميين ، و ينتهون في عديد الأحيان في أحضان السلطة القائمة مهما كانت طبيعتها، ما نريد ملاحظته ، هو أن الانتهازية غالبا ما تفتك بمثل هؤلاء المناضلين النقابيين أو السياسيين.
وفي بلدنا العزيز ؟ هناك إشكالية العلاقة بين الفعل النقابي و السياسي و الأخلاق هي نفسها بطبيعة الحال، مع أنها تتطبع بما يمكن أن نسميه ب”الخصوصيات المغربية “،في ظل مناخ أخلاقي متدهور، وفي ظل أحادية النفوذ ، و أحادية الرأي ، وأحادية القرار .
فهذه منظمات نقابية تعبر بصفة دورية عن مساندتها للطبقات العاملة بما في ذلك في المناسبات الانتخابية التي ليست هي طرف فيها ، وتؤكد باستمرار على أنها منظمات مستقلة وأنها لن تفرط في استقلاليتها، وهذه أحزاب معارضة “راديكالية” لا تستطيع الخروج من خطاباتها الخشبية والحديث بكل وضوح في عديد من القضايا ،لأنها مهمومة بمسألة وجودها من عدمه، وهذه بعص الصحف والقنوات في ملك الخواص تقدم نفسها على أنها مستقلة ، وو ……، فإذا لم تكن القيم هي الدافع فلا أهمية للعمل النقابي و السياسي لأن الفعلين في جوهرهما هما وسيلة لتحقيق الأهداف ولكن في غياب وجود الحد الأدنى من القيم والمبادئ فإنا ذلك يعتبر انتهازية.
فلسفيا و نظريا بني الفعل السياسي و الفعل النقابي على الأخلاق باعتبارها أداة تحقيق الصالح العام والقيم الإنسانية مثل العدالة و الحرية والمساواة والتضامن والسلم، أما واقعيا بالنسبة لبعض الأحزاب السياسية و بعض النقابات فقد ارتبطا بالنجاعة و المردودية والتكتيكات الظرفية والصراعات والتعصب وانتهاز الفرص وخدمة المصالح الضيقة وصارت مسلكا للصعود الطبقي ولكسب الثروات عبر الوصول إلى السلطة واستغلالها واحتكارها أو التمسح بأعتابها.
إذن، هناك عموما ثنائية تنافر وتباين بين العمل النقابي والسياسي و الأخلاق تبرز موضوعيا في الشساعة القائمة بين الخطاب السياسي ومقتضيات تدبيجه بأرفع الكلمات وتزيينه بأرقى المثل والغايات والفضائل وبين الممارسة النقابية التي تكذب ذلك الخطاب وأصحابه الخطباء المتحمسين أو المبتسمين على الدوام.
ففي ظل غياب المحاسبة و التداول والإستقلالية التي أصبحت توفر في الأنظمة الديمقراطية الحديثة حدا أدنى من التوازن و الضمانات للحد من التجاوزات وتصحيحها وفضح أخطاء السياسيين و النقابيين وذواتهم وحساباتهم المتضخمة أحيانا (الفساد النقابي و السياسي) ومتابعتهم باعتبارهم شخصيات عامة وكذا غياب آليات الرقابة الشعبية و قوى المجتمع المدني. وفي غياب تجذر العقلية المؤسساتية في المغرب بسبب تقديس الأفراد وتغليب منطق الولاءات الشخصية والعلاقات الزبونية، فليس من النادر أن نشاهد في بلادنا الشعار المعد يوميا للاستهلاك ” الرجل المناسب في المكان المناسب” قد داسته الوقائع وكرست عكسه الممارسات، فتتم مكافأة المقصر و المنافق والعابث و ترقيته مقابل معاقبة الكفء والنزيه و إقصائه وعزله. فأمام هذه الظاهرة المتنامية في بلادنا والتي ينبغي مواجهتها بجرأة لما تمثله من أخطار لا أحد يعرف مداها في كل المستويات المحلية والجهوية والوطنية ، وفي مختلف الإطارات النقابية و الحزبية ، و التي مست مصداقيتها وسمعتها وصورتها لدى الرأي العام، يصبح من العبث تكرار الدعوة إلى ضرورة “تخليق الحياة العامة” ، بعيدا عن اللغة الأنانية “أنا وبعدي الطوفان” لبعض اللاهثين وراء الكراسي والراكبين لكل موجة ، والذين سرعان ما يتحولون بقدرة قادر إلى أرباب الفضيلة واحترام المبادئ ودعاة الشفافية والمحاسبة والإصلاح والتغيير،إذا لم يصلوا إلى مبتغاهم. وكأن كل من ‘العمل النقابي’ و ‘العمل السياسي’، يدخلان في إطار نظام رأسمالي تهيمن عليه النزعة ‘البراغماتية’ وصناعة النجوم المزيفين ، و قانون العرض والطلب حتى على الضمائر ، حبث أصبح حرفة ومصدرا للإرتزاق بالنسبة للكثير ممن استغلوا الفراغ الذي تركه تهميش عديد من الكفاءات والمثقفين، مما ساهم في عزوف المواطنين عن الشأن العام. وفي هذا السياق لن تكون المطالبة بوضع ميثاق لأخلاقيات العمل النقابي و السياسي وحمايته من المتسلقين والانتهازيين، إلا من قبيل اللغو، لأنه من المفروض على الورق، أن يكون كل ‘حزب سياسي’ وكل ‘منظمة نقابية’ مدرسة لمنتسبيه و منتسبيها في التضحية والالتزام و التطوع . وهذا ما يكذبه واقع أغلب النقابات و الأحزاب السياسية في بلادنا، و يفسر بعض الأسباب التي تعاني منها دوريا من حملات التشهير المتبادل و الإنشقاقات.
يبدو مما سبق أن للعمل ‘النقابي’ و ‘السياسي’ ارتباطا وثيقا بالأخلاق، كما لا يمكن الفصل بينهما مهما كانت طبيعة هذه العلاقة وتشعباتها، لذا وجب التحلي بالإيفاء بالوعود المعلنة للجماهير ، والتي هي أساس الفعلين ‘النقابي’،و ‘السياسي’ ذوي البعد الأخلاقي والذي من شأنه أن يرتقي بالحياة الوطنية والعمل المجتمعي بشكل عام.





















































































