بعتبر الخط الساحلي لإقليم غربي إفريقيا ، المطل على امتداد المحيط الأطلنطي بطول 5500 كيلو متر ، موطنا لأ أكثر مصائد الأسماك تنوعا في العالم، تعيش عليه مجتمعات صيد تقدر بسبعة ملايين شخص يمرون من موريتانيا إلى ليبيريا وجزيرة ساو تومي وبرانسيب الصغيرة، يعتمدون على الصيد لكسب رزقهم، من الصيد إلى البيع إلى التصنيع.
غير أن المنطقة تعد مجالا حيويا للصيد غير القانوني ، العشوائي و غير المصرح به ، حيث صيد 40 في المائة من الأسماك بشكل غير قانوني، وهو أعلى مستوى في أي منطقة في العالم. فرغم محدودية البيانات فان الصيادين المحليين وخبراء مصائد الأسماك الدوليين، يشيرون إلى أن مخزون الأسماك الصغيرة في قاع السلسلة الغذائية مثل السردينيلا، ينضب بسرعة في الوقت الذي “تغرفها” سفن الصيد الأجنبية بالأطنان لخدمة مصانع مسحوق السمك الصينية، ما يعني أن الأسماك – وهي المواد الغذائية الأساسية في الساحل الغربي لغرب إفريقيا – ينتهي بها المطاف بدلا من ذلك، إلى إطعام الماشية والأسماك المستزرعة على الجانب الآخر من العالم. و في ظل محدودية الامكانيات لمراقبة أنشطة الصيد، يقوم طاقم يتكون من مسؤولي تطبيق القانون و مصائد الأسماك من خمس دول في غرب إفريقيا على متن السفينة “بوب باركر” – وهي سفينة تمتلكها “سي شيبارد”، وهي منظمة غير حكومية دولية تدافع عن البحار، بملاحقة السفن المشتبه فيها بالقيام بالصيد غير القانوني، غير أن هناك نوعا واحدا من القوارب التي لا تهرب من سي شيبارد: سفن التونة الأوروبية الضخمة التي تتضاءل إلى جانبها السفينة بوب باركر.
يقول أحد أفراد الطاقم في صالة بوب باركر على بعد نحو 15 ميلا بحريا قبالة غامبيا: “تتميز سفنهم بأفضل تكنولوجيا، وأعمالهم الورقية مثالية دائما – ويسعدهم أن يعرضوها علينا. يبدو أنه ليس لديهم ما يخفونه – يمكنهم دفع تكاليف كل ما يحتاجون إلى دفعه للحصول على جميع التراخيص والمستندات المناسبة”.حيث يتم دفع بعض هذه الرسوم من قبل دافعي الضرائب في الاتحاد الأوروبي، من خلال نظام دعم مصائد الأسماك بمليارات الدولارات، الذي يهدف جزء منه إلى مساعدة الدول الفقيرة في غربي إفريقيا، على إحباط الصيد غير القانوني وغير المنظم.
يقول دانييل فوسيس دي أونايندي، العضو المنتدب لدى الهيئة التجارية الشاملة لصناعة الصيد الأوروبية التي تتخذ من بروكسل مقرا لها :”وجود الاتحاد الأوروبي في هذه المياه هو مساهمة أساسية في المعركة ضد الصيد غير القانوني وغير المنظم”. فيما يرى المنتقدون أن الصيد القانوني للاتحاد الأوروبي، الذي يتم بموجب اتفاقيات موقعة مع كثير من دول المنطقة، ضار مثل الصيد غير القانوني.
تدفع أوروبا في المتوسط 8 في المائة فقط من القيمة الإجمالية للأسماك التي يتم صيدها في غربي إفريقيا، بما في ذلك الأسماك التي يتم صيدها بطريقة غير مشروعة، وفقا لبحث أجرته ديهيا بلحبيب، الباحثة الرئيسة في منظمة كندية، و هي نسبة لا تزيد إلا قليلا على نسبة 4 في المائة التي تدفعها الصين، التي تصور على نطاق واسع على أنها بعبع إفريقيا.
تقول السيدة بلحبيب: “هناك دائما تركيز على الصين، ولكن أعتقد أن هناك أسطورة حضرية للشفافية حول أسطول الاتحاد الأوروبي، حيث يعامل هذا الأخيرغربي إفريقيا على أنه مكب نفايات لقدرته المفرطة في مياهه، إنهم يصدرون قدراتهم الزائدة وبالكاد يدفعون مقابلها”.
عند الوقوف على جسر بوب باركر، قبطان السفينة، بيتر هامارشتيدت، يردد هذا الشعور قائلا إن فكرة أن الاتحاد الأوروبي يفعل ما يكفي أمر سخيف. “وإلا لماذا سيحتاجون إلينا هنا؟”.
على مدى عقود، أبحرت السفن المدعومة بشدة – بشكل أساسي من إسبانيا وفرنسا والبرتغال وإيطاليا واليونان – بعيدا لتغذية شهية أوروبا التي لا تشبع من الأسماك، فنحو 200 سفينة تسرح حاليا المياه قبالة غرب إفريقيا، من خلال ما يطلق عليه الاتحاد الأوروبي اتفاقيات شراكة الصيد المستدام، عبر 13 صفقة – تسع منها مع دول غربي ووسط إفريقيا، يدفع الاتحاد الأوروبي بموجب الاتفاقيات مبلغا محددا سنويا للدولة المضيفة – تراوح بين 600 ألف يورو في غامبيا و61.6 مليون يورو في موريتانيا – مقابل حمولة محددة من الأسماك الصغيرة الأقرب إلى الشاطئ، التي يتم بيعها إلى حد كبير لمصانع مسحوق السمك أو التونة الموجودة على مسافات أبعد في عرض البحر. و تشمل تعويضات الاتحاد الأوروبي عن الصيد بعض التمويل لإدارة مصائد الأسماك والاستدامة البيئية ودعم الصناعة المحلية، غير أنها لا تمثل سوى جزء صغير من قيمة الأسماك.
في الثمانينيات دفع الاتحاد الأوروبي مبالغ تعادل بضعة ملايين يورو مقابل هذه الصفقات، وبلغت ذروتها عند 300 مليون يورو في عام 1997، ولكن منذ ذلك الحين استقرت على نحو 180 مليون يورو سنويا.
المفوضية الأوروبية تقول : “تقيم هذه الاتفاقات شراكات قائمة على الشفافية، التي تتجاوز مصائد الأسماك المستدامة من خلال المساهمة في الحوكمة والأمن الغذائي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للدول الشريكة”.
و ردا على الادعاءات بكون الاتفاقيات تساهم في تطوير المصائد المحلية و تزويد أوروبا بالأسماك على نحو مستدام، يقول النقاد إنها لا تفعل أيا من هذين الأمرين من الناحية العملية، حيث أن الدول الإفريقية لا تحصل على أموال تذكر مقابل التونة باهظة الثمن التي تصطادها القوارب الأوروبية، ويفقد الصيادون والمستهلكون الأفارقة مصادر رزقهم وبروتينهم لصالح سفن الصيد الصناعية.
يقول توني لونج، الرئيس التنفيذي لمنظمة جلوبال فيشينج غير الحكومية : “تبيع البلدان الإفريقية التراخيص بسعر أرخص بكثير مما ينبغي . غالبا ما تترك الدول الإفريقية معتقدة أنها حصلت على صفقة جيدة، في حين أنه على الأرجح قد يكون هو العكس”.
كيلفي نوبري دي كارفالهو، النائب العام في ساو تومي وبرانسيب، الذي يتمتع بخبرة مباشرة في هذا الأمر،و بصفته مدعيا عام 2016، فقد كان في الجزيرة عندما جاء أليمار بريميرو، وهو قارب إسباني مرخص لصيد أسماك التونة، بموجب اتفاقية وقعتها الحكومة مع الاتحاد الأوروبي إلى ميناء ساو تومي، مثقلا بـ87 طنا من سمك القرش، من المرجح أن يكون غنيمة مجزية متجهة إلى الصين.
تتلقى ساو تومي مبلغ 840 ألف يورو سنويا للسماح لـ34 قاربا من الكتلة بصيد أسماك التونة في مياهها، ولكن عندما صعدت السلطات إلى سفينة أليمار بريميرو، كان صيدها مليئا بأسماك القرش، حيث إن كثيرا من زعانفها كانت قد انتزعت من قبل. ولم تشاهد أي من أسماك التونة.
يقول نوبري دي كارفالهو إن السلطات نظرت في اتفاق الاتحاد الأوروبي للتأكد من أن القارب انتهك شروطه. ففي الصفحة الأولى، أدرجت “صيد التونة” كهدف من الاتفاقية، لكنهم رأوا في الأسفل إشارة إلى “الأنواع كثيرة الارتحال”، مستشهدة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. الثاني من الأسفل في تلك القائمة كان أسماك القرش المحيطية.
“لم يعتقد أحد هنا أن اتفاقية التونة تعني أسماك القرش، لكنهم تركوا هذا النوع من الأبواب مفتوحا لأنفسهم. هذا ليس عدلا بالنسبة إلينا. في الاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي والدول الإفريقية، وخاصة الدول الفقيرة. لديهم القوة”.
مع انخفاض المخزونات السمكية الأوروبية ، تتوجه مزيدا من السفن جنوبا بموجب اتفاقيات الوصول إلى الصيد، فالسفن الفرنسية والإسبانية انطلقت للصيد لأول مرة قبالة الساحل الغربي لإفريقيا، بعد انهيار مخزون سمك السردين الأوروبي في خليج بسكاي في أوائل القرن الـ20، لتتوسع في أواخر الخمسينيات، عندما بدأت تونة الألباكور في الانخفاض في أوروبا ، و على غرار باقي السلع الأخرى المستخرجة من إفريقيا على مر القرون، يتم في الغالب أخذ الأسماك نيئة، لتتم معالجتها وبيعها في أماكن أخرى، كما هو الحال مع النفط أو الكوبالت أو الذهب أو الماس. كما أن زيادة الصيد الصناعي – من قبل القوارب الأوروبية والصينية والروسية وغيرها – أدت إلى انعدام أكبر للأمن في مياه غربي إفريقيا وتراجع المجتمعات الساحلية، ما يدفع مئات الآلاف من المهاجرين الاقتصاديين من غرب إفريقيا الساحلي إلى السعي نحو حياة جديدة في أوروبا.
بهذه الطريقة، تتعارض الصفقات أيضا بشكل مباشر مع أهداف الاتحاد الأوروبي الخاصة بتعزيز التنمية في غرب إفريقيا للحد من الهجرة من المنطقة، كما يقول دانييل بولي، الأستاذ في جامعة كولومبيا البريطانية “يعمل جانب واحد على التنمية لمحاولة دعم سكان هذه الدول، ثم هناك فرع آخر يقوض اقتصاداتهم. هذا يضطر الناس إلى الهجرة”.
ويضيف إن المفاوضات مشوهة بطبيعتها بالنظر إلى المهارات غير المتوازنة، والتاريخ الاستعماري والحاجة الماسة في كثير من الدول إلى العملات الأجنبية والإيرادات الحكومية.”إذا كنت دولة صغيرة تصدر شيئا صغيرا مثل الفول السوداني أو زيت النخيل، لا مجال أمامك لمقاومة صفقة غير عادلة”.
ومع ذلك لدى الاتحاد الأوروبي بعض المدافعين غير المتوقعين، حيث يقول ستيف ترينت، رئيس مؤسسة العدالة البيئية ومقرها بريطانيا، إنه على الرغم من كون الأسطول الأوروبي بعيدا عن الكمال، فهو الأسطول الأكثر شفافية في العالم ومدار بصورة جيدة. ويضيف أن زملاءه في الحفاظ على البيئة يجعلون “المثالي عدوا للخير”، خاصة مقارنة بالسلوك الفاضح الذي تمارسه الصين – الذي يعد على نطاق واسع أكثر الأساطيل المدعومة والشرهة. ويقول: “إذا كنت ستختار من يصطاد في مياهك، فستكون أفضل حالا بكثير بوجود الأوروبيين من بعض الأساطيل الأخرى”.
معظم الصيد في المياه البعيدة اقتصادي فقط لأنه مدعوم.
توصلت دراسة في دورية ذات صلة بالصناعة، إلى أن 35.4 مليار دولار تم دفعها لدعم الصيد العالمي للأسماك في عام 2018، و قد أنفق الاتحاد الأوروبي من هذا المجموع 3.8 مليار دولار – منها مليارا دولار ذهب “لتعزيز القدرات” للسماح للقوارب بالصيد لفترة أطول وأكثر كفاءة، التي هي الإعانات المرتبطة بشكل مباشر بالصيد المفرط – مقارنة بنحو 7.26 مليار دولار من الصين، و 3.43 مليار دولار من الولايات المتحدة.
يوسف رشيد سوميلا، المؤلف الرئيس للدراسة والأستاذ في جامعة كولومبيا البريطانية، يقول أن مثل هذه الإعانات تعطي قوارب الاتحاد الأوروبي ميزة، وتجعل من المستحيل على الدول الإفريقية تطوير أساطيل الصيد الخاصة بها.
وتشير حساباته إلى أن الصيادين في العالم المتقدم يتلقون سبعة دولارات من الدعم مقابل كل دولار، يحصل عليه نظراؤهم في العالم النامي. وعلى الرغم من الضغط العالمي لخفض الدعم، فقد حثت فرنسا وإسبانيا وإيطاليا العام الماضي الاتحاد الأوروبي على تعزيز النظام، حيث تواصل الكتلة الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق في منظمة التجارة العالمية، لكبح الإعانات العالمية لصيد الأسماك، الذي هو قيد التفاوض منذ أكثر من 20 عاما.
إفيسيناتشي أوكافور ياروود، الزميلة الزائرة في كلية الدفاع الوطني في نيجيريا، تقول أن الحكومات الإفريقية تتحمل أيضا المسؤولية عن “عمى البحر”، و تضيف أن هذه الحكومات تركز منذ أجيال على السلع الثمينة على اليابسة، ولكن ينبغي عليها أن تتفاوض على صفقات صيد أفضل، وأن تشدد القبضة على الفساد، وتستثمر في العلوم، وتعمل داخل منظمات المصائد الإقليمية. “دول غرب و وسط إفريقيا تفهم تدريجيا الحاجة إلى فرض الأمن البحري وضمان الحوكمة البحرية، لكنها بطيئة في تحويل أقوالها إلى أفعال”.
مسؤولون من جامبيا وساو تومي والجابون يقولون إنه من دون السفينة سي شيبارد، التي تساعد على رصد عشرات سفن الصيد غير القانونية، لن يتمكنوا من مراقبة مياههم، حيث كان للسفينة دور فعال في قرار الغابون السماح بانتهاء مفعول اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي قبل أربعة أعوام، بعدما اكتشفت أن زوارق التونة الأوروبية تصطاد سنويا ما يصل إلى 60 ألف طن، ولكنها تصرح فقط عن خمسة آلاف إلى 15 ألف طن – ولا بد أن هذه كانت هي الحال منذ أعوام، كما يقول لي وايت، وهو بريطاني متخصص في الحفاظ على البيئة ووزير البيئة الحالي في الغابون، حيث يضيف “هذه بالتأكيد ليست شراكة مستدامة لمصائد الأسماك – إنها أشبه بنهب المحيط. إذا نظرت إلى استغلال الموارد في إفريقيا، سواء كان خشبا أو في الماضي، نفطا أو معادن، كان النموذج هو انتزاع الموارد الطبيعية من إفريقيا واستخدامها لتطوير بريطانيا وأوروبا وأمريكا والصين. اتفاقية التونة في الجابون كانت على هذا النحو تماما – اصطياد المواد الخام الرخيصة، ثم أخذها إلى مكان آخر وكسب المال منها، و إذا أردنا تطوير إفريقيا فنحن بحاجة إلى قتل هذا النموذج، والحفاظ على مزيد من القيمة المضافة في القارة”. ويضيف أن الغابون تتفاوض على صفقة جديدة مع الاتحاد الأوروبي، لضمان أن تعالج داخل الدولة، بعض الأسماك التي يتم صيدها. “إذا كان لنا أن نبقي 60 ألف طن من التونة في الغابون، يمكننا بناء مصنعين، وتوفير نحو ستة آلاف وظيفة. وستكون لدينا حصة أكثر إنصافا بين الدول التي تمتلك الموارد الطبيعية والدول التي لديها التكنولوجيا لاستغلالها”.





















































































