المغرب الأزرق
سوزان ويليامز
يسلِّط تسلسل جينوم أحد أنواع الحشائش البحرية Zostera marina الضوءَ على كيفية تطور الطحالب البحرية إلى نباتات برية، قبل عودتها مرة أخرى إلى البحر.
ينتمي نبات Zostera marina إلى إحدى عائلات النباتات الزهرية البحرية التي تتكاثر جنسيًّا، وتتمتع بدرجة عالية من التخصص، وتُعرف باسم الحشائش البحرية. وعلى الرغم من أن هذا النبات لا يمثل النموذج الأمثل لدراسة التطور في النباتات، لكنه لا يزال نموذجًا مفيدًا في تأمل التحولات البيئية الكبيرة التي مر بها؛ إذ تَطَوَّر من شكل طحالب بحرية إلى نباتات زهرية برية، ثم انتقل إلى البحر مرة أخرى. يستعرض أولسن وزملاؤه تسلسل الجينوم الكامل لهذا النبات، الذي يُعَدّ ثمرة تعاون 35 عالِمًا من جميع أنحاء العالم لمدة 8 سنوات، وينبغي أن يساعد هذا الاكتشاف علماء الأحياء النباتية على فهم عملية تطور هذا النبات بشكل خاص، وتطور النباتات الزهرية بشكل عام.
لم تحظَ الحشائش البحرية بقدر وافر من الاهتمام من قِبَل علماء البيولوجيا التطورية، ربما لأنها ـ في كثير من الأحيان ـ تقع بعيدة عن الأنظار، لكن نبات Zostera يمكنه تشكيل مروج ساحلية خضراء شاسعة، تؤمِّن الدعم للعديد من الأنواع الحيوانية (الشكل 1)، التي تحمل قيمة بيئية واقتصادية، مثل سمك الهلبوت، والمحار، وثعالب البحر المهدَّدة بالانقراض. لذا.. فهو يمثل نموذجًا جيدًا لدراسة كيف تؤثر العوامل الوراثية في أداء النظم البيئية، وهو ما يُعَدّ جوهر جهود الإنسان؛ للحفاظ على التنوع البيولوجي في وجه وتيرة التغيرات السريعة التي يشهدها كوكب الأرض. وإضافة إلى ذلك.. يحتوي Zostera على كتلة حيوية عالية، مثل الذُّرَة، وقصب السكر، كما أن له جذورًا تمتد عميقًا لتساعد على استقرار تربة الشواطئ. وقد شَيَّدت الشعوب الأصلية من شمال غرب المحيط الهادئ إلى المكسيك حضارات حول هذه الحشائش وغيرها، كما استخدمها الأوروبيين أيضًا لحشو الأثاث، وعزل المنازل، ورعي الماشية.
من الناحية التطورية، يمثل نبات Zostera حالة غير عادية، حيث إنه حقق قفزة استثنائية عندما انتقل من المياه العذبة إلى مياه البحار، وأصبح قادرا على منافسة أنواع الحشائش البحرية الأخرى. وقد بدأ مساره التطوري من الطحالب الخضراء البحرية، والتي تطورت للحياة فوق الأرض وإنتاج الزهور والبذور، ثم كاسيات البذور (الاسم الجماعي للنباتات الزهرية) والتي تأقملت مع المياه العذبة – وهي الخطوة التطورية التي تبدو أنها وقعت عدة مرات. ومن كاسيات البذور في المياه العذبة تطورت بعض الحشائش البحرية بشكل منفصل وعادت إلى البحر مرة أخرى. ولكن يبدو أن هذه الخطوة وقعت ثلاث مرات فقط، مما يدل على الطبيعة المتطرفة لهذا التحول البيئي.
على الرغم من أهمية نبات Zostera من الناحية التطورية والبيئية، إلا أن تحليله الجيني لم يبدأ حتى التسعينات من القرن الماضي ، متأخرا بذلك عن كاسيات البذور الأخرى مثل القمح والبازلاء والأعشاب التي تعيش في البرية. وقد تعثرت الدراسات الوراثية المبكرة أكثر من مرة، بسبب صعوبة تنقية الحمض النووي والبروتينات الموجودة في مختلف أنواع الحشائش البحرية. علاوة على ذلك، لم بنجح العلماء في الهندسة الوراثية لتلك الحشائش، وبالتالي فلا يمكن استخدام النهج التقليدي في تهجين النباتات كوسيلة للولوج إلى عالمها الوراثي. هكذا وبالنظر إلى هذا التاريخ الطويل المليء بالعقبات، يشكل تسلسل الجينوم الذي توصل إليه أولسن وزملاؤه تقدما كبيرا.
يكشف تسلسل الجينوم الكامل لنبات Zostera عن فقده لعدة مجموعات جينية أساسية، أثناء انتقاله من البحيرات الهادئة والبرك إلى المحيطات المالحة. ومن الجينات المفقودة كانت تلك المسؤولة عن تكوين الثغور (المسام الموجودة على أوراق النباتات، والتي تنظم تبادل الغازات والحد من فقدان المياه)، والتي فقدت أهميتها لأن الحشائش البحرية ليست عرضة لفقدان الرطوبة، كما أنها تمتص الغازات الذائبة مباشرة من خلال طبقات الخلايا الخارجية. هذا بالإضافة إلى خسارة الجينات المسؤولة عن الحماية من الأشعة فوق البنفسجية، وكذلك المسؤولة عن استشعار الأشعة الحمراء البعيدة، حيث لا تخترق هذه الموجات المياه الساحلية بشكل كبير.
وقد استعادت الحشائش البحرية خلال انتقالها إلى البحر، جينات ترميز مركبات الجدار الخلوي التي فقدت عندما انتقلت الطحالب البحرية إلى الحياة البرية. وكان لهذه الجينات أدوار حاسمة في تعديل الضغط الإسموزي وتعزيز امتصاص المغذيات وتبادل الغازات في المياه المالحة. كما تشمل التعديلات التطورية أيضاً التغيرات التي تساعد حبوب اللقاح على الالتصاق بالمياسم (وهي نهايات أجزاء الزهرة المؤنثة) في المياه المالحة، والقدرة على التقاط الضوء والقيام بالتركيب الضوئي في المياه الساحلية ذات الاضاءة الخافتة، وفقدان جينات ترميز البروتينات التي تصنع وتستشعر التربينات، وهي مركبات طيارة تتواجد في الأعشاب العطرية، لأن ذلك لن يكون فعالا في بيئة مائية تحاول فيها الحشائش ردع الحيوانات المفترسة في المحيط.
تكمن أهمية معرفة تسلسل جينوم نبات Zostera في عدة نقاط: فهو يشكل لعلماء الأحياء التطورية الحلقة المفقودة في لغز تطور كاسيات البذور، كما أنه يوفر ثروة من المعلومات التي من شأنها تحسين فهمنا للعديد من المسارات الكيميائية الحيوية. فعلى سبيل المثال، قد يساعدنا تحديد تسلسل الحمض النووي للجينات التي تمنح المقاومة للمياه المالحة في هذه النباتات على استخدامها كنموذج لدراسة كيفية تكيُّف المحاصيل الزراعية مع التربة المالحة على نحو متزايد.
كما أن نبات Zostera قادر على التكيف بشكل مُبْهِر، فهو ينمو تحت الجليد في المحيط المتجمد الشمالي، ويتحمل الحرارة الحارقة في ولاية باها كاليفورنيا المكسيكية، ويتمتع بانتشار كبير في نصف الكرة الشمالي المعتدل. وبالنسبة إلى علماء البيئة البحرية، يُعتبر جينوم نبات Zostera أداة قوية لكشف التعديلات التي تسمح للنبات بالازدهار في ظل مجموعة واسعة من الظروف البيئية. وقد يؤهلنا فهْم هذه القدرة على التكيف على مواجهة التغيرات البيئية، مثل تَحَمُّض المحيطات، وارتفاع درجات الحرارة في ظل تغير المناخ العالمي، حيث إنه من المعروف بالفعل عن تجمُّعات الحشائش البحرية الأكثر تنوعًا وراثيًّا تحملها للاضطرابات بشكل أفضل، وإمكانية استعادتها بسرعة أكبر، وإنتاجها للمزيد من الكتلة الحيوية بشكل أكبر من نظيراتها الأقل تنوعًا. ومن خلال ما توصَّل إليه أولسن وزملاؤه، سيساعد التسلسلُ الجينومي المعلَن عنه الباحثينَ على الكشف عن العناصر الوراثية المسؤولة عن زيادة إنتاج الكتلة الحيوية، وعن القدرة على تحمل الظروف البيئية السيئة.
ربما يكون هذا هو الوقت المثالي لاستقبال ما توصَّل إليه أولسن وزملاؤه، حيث نشهد فقدانًا متزايدًا للنظم البيئية للحشائش البحرية، كما أنها تختفي على المستوى العالمي بمعدَّل ملعب كرة قدم أمريكية كل 30 دقيقة، حتى أصبحت هناك أنواع وحيوانات مرتبطة بها مهدَّدة بالانقراض. ويُعزى هذا الاختفاء إلى الأنشطة البشرية، مثل بناء المراسي، والإفراط في تسميد المياه الساحلية، وتربية الأحياء المائية. وهناك حاليًّا مجهودات حثيثة تُبذَل حول العالم؛ لاستعادة الحشائش البحرية، والحفاظ عليها. ولذلك.. فإنّ فهْم الجينات التي تساعد هذه الأنواع الرائعة على التكيف مع الحياة البحرية قد يكون عاملًا مساعدًا.






















































































