و نحن نتابع تطورات الوضع الوبائي بالعالم و المغرب، و نتابع الإجراءات التي تتخذها عدد من الدول التي اجتاحها الوباء، و ساوى بينها دون اعتبار للحدود ولا للأنظمة السياسية الحاكمة، او لمستوى التقدم العلمي أو الاقتصادي أو القوة العسكرية، لا بد من الإشادة بحكمة القرارات التي اتخذتها الحكومة و على راسها جلالة الملك.
في قطاع الصيد البحري لابد من الإشارة الى ظاهرة غريبة، لا توجد الا فيه ، و تتخذ أشكالا متعددة لعملة واحدة ،مبنية على عقدة نفسية “عقدة النقص”، المطبوعة بتغليب المصالح الخاصة على المصالح العامة، وعندما نقول المصالح الخاصة، ليس بالضرورة أن تكون مادية بل هي إشباع لحالة نفسية و نشوة عابرة، في لحظات تاريخية تستوجب استحضار القيم الإنسانية.
فمع إعلان الحكومة حزمة التدابير الوقائية لموجهة جائحة كرورنا، أعلنت وزارة الفلاحة و الصيد البحري عن استمرار تموين الأسواق الداخلية بالمواد الغذائية و منها الأسماك، و هذا يعني طبعا استمرار نشاط الصيد البحري.
في ذات الاطار أعلنت الحكومة ، و بتعليمات ملكية عن إحداث صندوق تدبير جائحة كورونا، الى جانب تعويض المتضررين من توقّف أنشطتهم بمن فيهم شغيلة القطاع الخاص و منهم رجال البحر . و هذا التعويض مقرون بشروط مضبوطة، تتمثل في تصريح المشغل لدى المصالح المختصة بالتوقّف، مع احترام شرط التصريح بشغيلته لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الى غاية فبراير2020، للاستفادة من منحة تقدر ب 2000درهما.
بين القرارين خرجت بعض الجهات بين داعية لوقف نشاط الصيد البحري لما تشكله الموانئ -كتجمعات بشرية – من تهديد للصحة العامة خصوصا فئة البحارة ،انسجاما مع التعليمات الخاصة بالحجر الصحي، و حالة الطوارئ الصحية، مع استحضار أن غالبية البحارة مقيمون في أكواخ او سكن جماعي، او في المراكب، و ينحذرون من مدن و مداشر بعيدة عن الموانئ و نقط الصيد، حيث العمل و الاقامة، و لهم أسر و أبناء و أهل ، و يعيشون حالة نفسية قاسية و قلق دائم يتعاظم مع كل لحظة ، و خبر إصابة بفيروس كورونا، أو وفاة .
فيما خرج فرسان الهيكل ،و تجار الوهم كالعادة للدفع بالرأي العام المهني نحو استمرار نشاط الصيد، لضمان تموين السوق الوطني من المنتجات البحرية باعتباره تضحية تنم عن الروح الوطنية، في الوقت الذي يقيم فيه هؤلاء الدعاة ببيوتهم مع ذويهم ممتثلين للحجر الصحي و حالة الطوارئ الصحية حماية لأنفسهم و ذويهم، و خرجاتهم طبعا يعلمها الجميع أنها ليست بريئة بتاتا و إنما تشدقا و تملقا، يسوقون أنفسهم كمؤثرين في الٍرأي العام المهني، و قادرون على ضمان استمرار نشاط الصيد البحري، و إنجاح التزامات وزارة الفلاحة و الصيد البحري كما كان في عديد من المحطات التي سبقت .
فئة أخرى آثرت الصمت و الالتزام بالتعليمات و التوجيهات الحكومية، من منطق شخصي و ذاتي ، و دون تأثير او تأثر من أية جهة، و ربطت حبال مراكبها و سرحت بحارتها في احترام تام لقيم التضامن والعلاقة التي تربط بين المجهز و طاقمه، إيمانا منها أن ضمان حقوق البحار و حماية صحته البدنية و النفسية وقت الشدة ، هو اكبر من أي تعويض عن التوقف، و موقف يستحضر البعد الإنساني قبل كل شيء.
و في اعتقادنا المتواضع أن تدبير هذه الأزمة كان ليستثمر في الاتجاه الصحيح عبر خطة بسيطة، تضمن تموين الأسواق المحلية من المنتوجات البحرية بأقل التكاليف، و دون أضرار جانبية، و يكون فيها قطاع الصيد البحري الرابح الأكبر من حيث التنظيم، كما كان دوما في واجهة الأحداث.
الإجراء كان بقتضي تحريك وحدات التجميد لتصريف المنتوج المخزّن و الموجه للتصدير ، على اعتبار أن المنتوجات البحرية المجمدة منها اسماك القاع و القشريات و رأسيات الأرجل، و الأسماك السطحية، الى جانب المصبّرات ، مادام السوق الدولي معطوبا ، و مادامت قيمة الاسماك الموجهة للتصدير اقل من ثمن السوق الداخلي، و بالتالي لن تكون الحاجة الى الإبقاء على نشاط الصيد البحري التقليدي و الساحلي، و هو الذي عرف تراجعا كبيرا في الإيرادات بسبب سوء الأحوال الجوية و تدهور الأثمان نتيجة تراجع الطلب، في ظل استقرار في تكاليف الإنتاج.
فالأسماك في ثقافتنا الغذائية تبقى من الترف و ليست من الضروريات، و أن الاستهلاك الوطني من السمك يبقى جد محتشم، كما أنه عند الأزمات يجب أن “تزيّر الصّمطة” هذا اذا علمنا أن شريحة واسعة من الشعب يعيشون على المديونية و التقشف ، و أن كورونا أفقد الكثيرين الشغل، و أوقف نشاط المطاعم، و الفنادق و حركة السير و الجولان بين المدن …الخ.
في ظل الوضع سيكون من الضروري تعبأة الموارد المالية لصناديق إعانة البحارة بشكل تضامني، و تخصيص منحة رمزية مادامت تمويل هذه الصناديق يتم عبر اقتطاعات من حصة البحار اي حوالي 60 في المئة ، دون انتظار ما سيجود به الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي وضع شروطا في الحد الأدنى تعتبر تعجيزية، لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية قطاع الصيد البحري، علما أن ملايين الدراهم تصرف كل سنة كتعويضات و منح تحفيزية للموظفين والاطباء و الممرضين و المستخدمين،…من ذات الصندوق.
إن ما يشوش على نجاعة الكثير من المشاريع و الخطط و البرامج في قطاع الصيد البحري ،هو افتقاده الى رؤية شمولية بسبب محدودية الإمكانيات و تدخل عدد كبير من الأطراف الفاعلة ، و اختراقه من طرف فيروسات أخطر من كورونا، للأسف تكون لها اليد الطولى في الفتن و القلاقل التي تطفو و تعطل المصالح كل حين، و تضر بالمستقبل السياسي لكل وزير حمل حقيبة الصيد البحري.
كتبها للمغرب الأزرق: حاميد حليم مستشار في الاعلام البحري و التواصل .





















































































