ككل سنة، يخلد العالم اليوم 21 نونبر 2023، “اليوم العالمي للصيادين البحريين التقليديين وعمال البحر”.
يتصادف ذلك بعد يوم و نيف من اندلاع حريق بقرية الصيد “انتيرفت” التي تضم آلاف الصيادين التقليديين و عمال البحر شمال الداخلة عاصمة الصيد البحري بالمملكة المغربية ، كما يصادف مرور أسبوع عن جولة الحوار الاجتماعي التي تراسها محمد صديقي وزير الصيد البحري مع التمثيليات النقابية الأكثر تمثيلية (مجازا) و المختزل في مناقشة شؤون الموظفين، فيما غيبت شريحة رجال البحر عن أي نقاش رسمي مُمَأسَس.
فماذا أعد قطاع الصيد البحري لهذا اليوم، و ماذا أعدت الغرف الدستورية و التنظيمات المهنية الآخرى لتخليد هذا اليوم، اكيد سيمر هذا اليوم كما مرت السنة الدولية للصيد التقليدي و تربية الاحياء المئاية صغيرة النطاق 2022، على عكس الجيران بموريتانيا و الجزائر و اسبانيا و هناك بتونس و ليبيا و مصر و كثير من الدول الإفريقية المطلة على البحر،و بآسيا و أمريكا.
اليوم العالمي الصيادين البحريين التقليديين وعمال البحر، حيث يشكل اسطول الصيد التقليدي بالمغرب أكبر نسبة بحوالي 17 الف وحدة للصيد التقليدي ويقدر رجال البحر بأكثر من 100 الف رجل بحر، هي مناسبة لتسليط الضوء على قضايا مجتمعات البحر و على راسها الكرامة،
و إذا كان ورش الحماية الاجتماعية كمشروع ملكي برؤية الراعي و المسؤول عن الرعية ،جاء ليخفف عن الطبقة المسحوقة شيئا من تداعيات السياسات الفاشلة للحكومات السابقة و الحالية ، فإن الأطراف الموكول اليها تنزيل هذه الرؤية لا تزال شاردة عن الهدف ، في الوقت الذي تتسع فيه الهوة الطبقية كل حين و تتعمق الى مستويات تجعل من البرنامج غير ذي وقع ، اللهم تمويل الصناديق الاجتماعية المهددة بالإفلاس من جيوب المستضعفين.
في قطاع الصيد البحري لا يمكن اختزال “الحماية الاجتماعية” في الاستفادة من التعويضات الهزيلة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي لا يزال يتخبط في البحث عن أقصر الطرق لتمكين “المستحلبين” من مستحقاتهم ، فيما نجح الى حد كبير في الوصل بأقصر الطرق الى جيوب المستهدفين دون اعتبار لخصوصية القطاع و لا الى طبيعة العمل.
في قطاع الصيد البحري يظهر بعبع بعثر الأوراق و أفسد الحسابات على طول سلسلة القيمة و هو التغير المناخي الذي أصبح واقعا ملموسا بدت آثاره على البيئة البحرية من اختفاء اصناف سمكية و ظهور أخرى غازية و تدبدب في المؤشرات و عدم استقرار في حالة المخزون لأهم الاصناف المستهدفة..الخ.
أمام هذا الوضع الذي تتحكم فيه الطبيعة بشكل مفصلي أكثر من “شكارة” رب العمل و جور المشرع ، أصبح من اللازم مراجعة “مفهوم الحماية الاجتماعية” خصوصا في قطاع الصيد البحري حسب ما هو مسوق له بمقاربة أكبر تضع الهجرة المناخية في صلب المشروع.
ما نشهد عليه من تخلف مواسم الصيد بل و توسع فترات سوء الأحوال الجوية و جفاف المصايد يمس جميع حلقات سلسلة القيمة من البحار الى تاجر السمك الى وحدات التصنيع ، و بالتالي يستوي الصيادون و العاملون في المآل و المصير بسبب التوقفات المترددة في ظل الأزمات الاقتصادية و المناخية التي قد تطول.
إن ورش الحماية الاجتماعية في قطاع الصيد البحري و الصيد التقليدي على الخصوص،و الذي يشكل موردا مهما من العملة الصعبة بسبب جودة مفرغاته ، و موردا مهما للصناديق الاجتماعية و صناديق التأمين ، لا يجب تقزيمه و حشره في “تدوير المستحقات” بل يجب توسيعه ليشمل الاستفادة من برامج اجتماعية تحقق الاستقرار النفسي و الاجتماعي و تحفظ الكرامة.
فلا يستقيم الحديث عن الحماية الاجتماعية بالمغرب و آلاف البحارة الصيادون يستوطنون مخيمات الذل و المهانة بالجهات الجنوبية في ضرب صارخ لمضامين الخطب الملكية حول مستقبل الصحراء كمنصة للاقتصاد الأزرق أو بوابة لأفريقيا أو واجهة أطلسية لدول الساحل.
مخيمات بقيت لعقود خارج أي منظور جهوي للتنمية البشرية في الوقت التي تعد ساكتنها هي مُوَلّد التنمية و محرك الدينامية السوسيو اقتصادية بالجنوب المغربي ، معرضة للحرائق كل حين.
اليوم 23 نونبر2023 و العالم يخلد اليوم العالمي الصيادين البحريين التقليديين وعمال البحر، تتطلع شريحة من أبناء هذا الوطن ليس الى نموذج تنموي او الى استراتيجية قطاعية بعيدة المدى قد تعصف بها الطبيعة و التغيرات المناخية كما يحدث مع استراتيجية اليوتيس ، بل تتطلع الى الكرامة التي لا تحتاج الى تخطيط او برامج او اعتمادات مالية بالملايير.
و في اليوم العالمي الصيادين البحريين التقليديين وعمال البحر، نتمنى لمجتمعات الصيد البحري بكل أطيافه اللطف بما جرت و تجري به الأقدار.
و نقول بذات المناسبة للسيد وزير الفلاحة أن الحوار الاجتماعي القطاعي في الصيد البحري لا يعني فقط الموظفين ، بل يشمل رجال البحر و العمال و مستخدمي القطاع ، ونلفت عنايتكم أن هناك نقابات منضوية تحت لواء مركزيات هي الأخرى مصنفة أكثر تمثيلية حسب القانون يتم إغفالها ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدافع نقابات الموظفين عن مصالح رجال البحر، استنادا للمثل العربي “ما حك جلدك مثل ظفرك”.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل.





















































































