مع انتهاء موعد العمل ببروتوكول الصيد، و في ظل وضع ضبابي لمؤشرات المخزون السمكي ، موسوم بالتراجع المقلق لبعض الأصناف، و عدم الاستقرار لأصناف أخرى ، أثرت بشكل كبير على أنشطة الصيد البحري عبر طول سلسلة القيمة ، يطفو سؤال عميق حول السيادة على الثروة السمكية، و ضمانات الانتفاع من اتفاقيات الصيد الدولية.
محمد الزبدي، الفاعل الاقتصادي في الصيد البحري و بخبرة رجل الاعلام المتبصر، و في مقال نشر بجريدة الراي LOPINION، توفق بشكل كبير في تحليل واقع قطاع صيد السمك السطحي و الاشكالات التي يتخبط فيها بسبب سوء التدبير، و ضبابية الرؤية و الارتجال ، و يسلط الضوء على زاوية معتمة تشكل منعطفا حاسما في مستقبل اي اتفاقية حول الصيد البحري مع المغرب.
و يوضح الزبدي أنه ووفقًا لمبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فإن أي دولة ساحلية تحدد قدرتها على استغلال مواردها السمكية داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة ، يمكنها إبرام اتفاقات صيد مع دول أخرى لاستغلال الفائض القابل للاستغلال، أو ما تبقى من الحجم المسموح به. وبالتالي ، فإن هذه الاتفاقية هي التي تعطي التبرير القانوني لاتفاقيات المصايد.
رغم الضمانات القانونية في حق استغلال المصايد الاجنبية ، تبقى اتفاقية الصيد و الفلاحة بين المغرب و الاتحاد الأوربي حالة شاذة ، بسبب المسار المتعثر منذ 2007، و الذي انتهى باستصدار حكم قضائي من محكمة العدل الأوربية في 27 فبراير 2018 ، والذي قضى بعدم سريان الاتفاقية على المياه المجاورة للأقاليم الجنوبية، رغم تأكيد التقارير استفادة ساكنة الاقاليم الجنوبية من عائدات الاتفاقية ، حيث ” تتجلى حقيقة أخرى أن المضايقات القضائية تعد هي الأخرى شكلًا من أشكال الاستعمار الجديد، يعطي الدروس ، و التنازل يظل مهمًا مع بعض اليسار الأوروبي ، وكذلك الخضر” كما يصور الوضع محمد الزبدي.
هل يجب تجديد البروتوكول بنفس الشروط السابقة؟ سؤال يطرحه محمد الزبدي في ظل ما يعيشه مخزون السمك السطحي للمنطقة الجنوبية C من تراجع ان لم نقل انهيار.
“إذا تمسكنا بمبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ، فلن يكون هناك أي فائض قابل للاستغلال في مخزون C، والذي يتعلق باستغلال الأسماك السطحية الصغيرة.” يربط محمد الزبدي العلاقة السببية بين حالة المخزون و جهد الصيد ، يستحيل معه وجود فائض و بالتالي ينتفي معه أحد أركان حق الانتفاع في إطار اتفاقية الصيد حسب قانون البحار ل1982، حيث أن قدرات الأسطول الوطني لصيد السمك السطحي تتجاوز بشكل عام إمكانات الصيد الحالية ، إذ يتم استغلال معظم الموارد البحرية الصغيرة المتاحة بالكامل ، إن لم يكن الاستغلال المفرط ، من قبل أسطول الصيد الوطني ، وجميع القطاعات مجتمعة ، ناهيك عن الأسطول الروسي الذي يرتكب مذابح بيئية من خلال إعادة جميع المصطادات الأقل قيمة الى البحر ، وهذا تحت أنظار أو تحت رعاية أجهزة مراقبة الصيد.
السلوك غير الرشيد في استغلال المصايد و الصيد الجائر ، في ظل عجز أجهزة المراقبة عن القيام بمهامها و سوء الإدارة ، مسار لن يحيد عنه المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري و هو يرسم التقارير ، دون التمحيص في البيانات المتضاربة بين كميات التفريغ السمكي و كمية الصادرات او الرائجة في سوق الاستهلاك المحلي ، و التي كانت تجاوزت معدل الصيد المسموح به بنسبة 30٪ (و هو اقرار صريح بوجود نسبة 30٪ من الصيد غير القانوني) حسب محمد الزبدي.
لم تكن العواقب لتنتظر وقتا طويلا ، فتطور الكتلة الحيوية لمخزون السمك السطحي بالمنطقة الجنوبية C لم تسمح بالوصول إلى الحصص المخصصة للأساطيل المختلفة ، ونتيجة لذلك ، تعاظم تراجع أنشطة صناعات السمك السطحي ، كتلك الموجودة في الأقاليم الجنوبية ، ولا سيما في الداخلة التي يمثل الصيد فيها أكثر من 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، و التي تعيش على وقع انخفاض المخزون بالمنطقة.
” لقد أصبح هذا السيناريو برمته ، الذي قد يبدو مثيرًا للقلق ، موضوعيًا على الرغم من التدابير الإدارية المختلفة المتخذة ، مثل تقليل حصص الصيد لكل مد مع وضع حد أقصى عليها (من أجل تسهيل مجهود الصيد بمرور الوقت) ، أو حتى إدخال الراحة البيولوجية وقريبًا إنشاء نظام وزن رقمي منتظم لعمليات الإنزال والتي ستبدأ مع سفن الصيد بالمياه المبردة RSW ، والتي يجب أن الإهتمام بها جميعًا.” يقول محمد الزبدي
تداعيات الأزمة ، امتدت لتزعزع استقرار مناخ الاستثمار في المشاريع الحالية أو المستقبلية ، التي دب في أوصالها الشك من جدوى استثماراتها بسبب الصعوبات الكبيرة في توريد المواد الخام.
هي صورة قاتمة ينقلها محمد الزبدي بأمانة الخبير في ميدانه ، في مقالته الرائعة التي تطرقت فيها بدقة عالية الى تفاصيل فككت شيفرة الأزمة التي يتخبط فيها قطاع صيد السمك السطحي و وحدات الصناعات السمكية لهذا الصنف بالاقاليم الجنوبية و خاصة الداخلة ، بلغت حد تعليق بناء أو تطوير مصانعهم ، مما أثر على التنمية الاقتصادية الإيجابية المعترف بها للمدينة، ” في هذا المكان الواعد سابقًا والذي كان بمثابة قاعدة لتصنيع المدينة”. حتى أن هذا القطاع فقد جاذبيته ، إذ لم يعد هناك أي فائض قابل للاستغلال من أسماك السطح الصغيرة مهما كان الشكل المتصور ، ليس فقط للمستثمرين الوطنيين أو الأجانب الجدد، حسب المهنيين.
بعد تشريح العوامل البشرية المفضية الى تراجع الارصدة السمكية السطحية الصغيرة في المنطقة الاقتصادية الخالصة المغربية (EEZ) التي لم تعد تسمح بزيادة جهود الصيد، يرحل بنا الكاتب في الى دهاليز تحيط باتفاقية الصيد البحري ليكشف لنا كيف يؤثر مهنيو الصيد البحري و الفاعلون الاقتصادون في القطاع على أنفسهم و لو كانت بهم خصاصة في إطار الواجب الوطني،و لو على حساب مصالحهم.
يقول الكاتب: ” المصالح الاقتصادية لاتفاقية الصيد بين المغرب و الاتحاد الأوروبي بالنسبة للمغرب لا تذكر ، حتى نقول لا أنها مضرة للمهنيين، ولولا إحساس قوي بالتضحية والمصلحة الوطنية ، لكانت موانئ المملكة المختلفة قد شهدت مظاهرات احتجاج مختلفة من قبل مهنيين القطاع”.
حقيقة يكشفها الزبدي بعد سنين، تعكس الحس الوطني العالي للمهنيين في الصيد البحري في التضحية و الإيثار بمصالحهم و حقوقهم ، لمواجهة ضغوط الابتزازات و مواجهة الحرب الاقتصادية و السياسية على مصالح المغرب ووحدته الترابية.
” المغرب والمغاربة ابتلعوا الثعابين دفاعا عن القضية الوطنية ، وهذا ما يفسر سبب قيام جلالة الملك خلال خطاب العرش بالتأكيد على أن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات، و بالتالي إذا كانت هناك تضحيات من جانب المهنيين ، فلا بد أن الأمر يستحق العناء للبلد”.يقول الزبدي
ثم ينتقل الكاتب الى العلاقات المغربية الاسبانية ، ليؤكد على خصوصيتها و المتميزة بمثانة الاواصر المتعددة و المتشابكة، و المشترك الذي يجمعهما أكبر مما يمكن أن يفرقهما، و كيف أن مصالح اسبانيا قد تكون أسمى من مصالح بعض الاطراف بالاتحاد الاوربي، و كيف يمكن أن تؤثر مواقف هذه الاخيرة داخل الاتحاد الاوربي على مصالح اسبانيا الحيوية.
فالجغرافيا -يقول الزبدي – تفرض نفسها على البلدان وفي كثير من الأحيان تفرض تاريخها المشترك عليها ، بينما تشرح حاضرها وتؤثر على مستقبلها. و هذا هو الحال بالنسبة لإسبانيا والمغرب ، فقد خلقت الجغرافيا العديد من المصالح مثل التوترات، والزمن و الحكمة التي خففت التوترات ومهدت الطريق للتسوية.
وإذا اصطفت إسبانيا لموقف المغرب بشأن قضية الصحراء ، فهذا ليس بدافع حبها -نود أن نشارك هذا الحماس الساذج يقول الزبدي- ولكن من خلال إسقاط جيوستراتيجي طويل الأمد مع المغرب. و من خلال المعاملة بالمثل ، فإن أي اتفاقية جديدة مع الاتحاد الأوروبي ، إذا لم تستطع فصل مصالح إسبانيا عن المصالح الأوروبية الأخرى، فيجب عليها أن تسترشد بشكل أساسي بالعلاقة المغربية الإسبانية.
محمد الزبدي و هو عضو اللجنة المغربية الاسبانية المشتركة في الصيد البحري و هي منصة مهنية للتعاون و تقريب الرؤى بين الفاعلين الاقتصاديين للبلدين ، يرى أنه ” لا يوجد سبب يدعو إلى دمج مصالح هولندا أو ليتوانيا ، اللتين لا تعرفان بمغربية الصحراء ،مع إسبانيا ، في حين أن مواقفهما لا يمكن أن تكون أكثر غموضًا. فالمغرب يمكنه أن يدفع بمهنييه للقبول بمنافسة ما كان بإمكانهم القيام بها ، و لا يمكن قبولها إلا عندما يتعلق الأمر بالمصالح العليا المشتركة التي تتجاوز إطار الصيد، وكل هذا ، نجده فقط في العلاقة الحالية مع إسبانيا”.






















































































