عادة ما توجه أصابع الاتهام الى السلوك غير الرشيد في الصيد كعامل من عوامل تدمير النظم الايكولوجية، و ناذرا ما يلتفت الى عامل التغيرات المناخية باعتباره قوة قاهرة في اختلال و اعتلال هذه النظم.
فارتفاع درجة حرارة المياه نتيجة تغير المناخ ، يشكل سببا رئيسيا في اختفاء الأسماك او نفوقها. و هو ما يفرض على جميع الفاعلين و صناع القرار بقطاع الصيد البحري التوقف عنده جليا و التأمل فيه مليا، عوض الاقتصار على اعتماد الحلول الجاهزة كإعلان الراحة البيولوجية و تعطيل أنشطة الصيد و سلاسل القيمة و قطع الارزاق، و اقرار الاغلاق بذريعة الصيد الجائر، و الهروب من مواجهة الازمة تحت مبدء “خير وسيلة للدفاع هي الهجوم”.
فإعلان التوقف يبقى مقامرة في مواجهة المجهول، خصوصا بعد تواثر المؤشرات التي تفيد باستمرار ارتفاع درجات الحرارة بما فيها حرارة مياه البحر، كما هو الحال بالنسبة للبحر الأبيض المتوسط.
أما استئناف نشاط الصيد مع جود عدد كبير من وحدات الصيد المختلفة(سويلكة، مراكب الصيد السحلي السطحي، سفن الصيد بالمياه المبردة،سفن..) + الاسطول الروسي للصيد المستدام على مدار الساعة، بالنسبة لصيد السمك السطحي،او أسطول الصيد بالجر بنوعيه(الساحلي و بالمجمد) و قوارب الصيد التقليدي فيحدث جهدا كبيرا على المصايد مخلفا دمارا كبيرا إن على مستوى الصيد او تصريف النفايات.
و النفايات هنا تتنوع بين معدات الصيد من شباك الجر المدمرة التي تحصد لاخضر و اليابس ، و دعاماتها الحديدية التي تحرث قاع البحر و تدمر الشعاب ، أو المخلفات كالشباك الشبحية و النفايات البلاستيكية ذات الاستعمال الشخصي لأطقم الصيد، ثم القوارير البلاستيكية التي تستعمل في صيد الرخويات و كذلك الاكياس البلاستيكية التي تعبأ فيها. و بين نفايات سائلة كالزيوت و الشحوم و كذلك الأسماك المتخلص منها.
و بالتالي يكون التلوث هو الآخر فاعلا في تدهور البيئة البحرية ، من حيث خفض مستويات الأوكسجين المذاب في البحار والمحيطات، ما يصعب على الأحياء البحرية التكيف مع هذه التغيرات، و من حيث نقل الأحياء الغازية التي تكون هي الأخرى سببا في الإخلال بالنظم الايكولوجية الاصلية، كالسلطعون و الطحالب و بعض الطفيليات…
أمام هذا الوضع و في ظل اعتماد الجهات الوصية على قطاع الصيد البحري أقصر الطرق كآلية في مواجهة الإشكالات العميقة،دون اعتبار للتداعيات السوسيو اقتصادية.
يبقى على المؤسسات الشريكة و على رأسها الغرف الدستورية و الهيئات المهنية البحث عن بدائل لاستدامة نشاط الصيد بعيدا عن قاعدة “حل/ سد”.
فالثابت منذ سنين أن ظاهرة التغير المناخي اصبحت واقعا ملموسا يزحف على المصايد كما يزحف التصحر على البر. فتراجع الأسماك السطحية راجع بالأساس كما سبقت الاشارة الى ارتفاع درجات حرارة المياه فضلا عن التلوث الذي يتعاظم على الواجهة المتوسطية و الأطلسية ، بسبب الصرف الصحي او النفايات الصادرة عن سفن الملاحة التجارية و حتى التعدين و التنقيب و المناورات العسكرية.
كما أن اعتماد راحة بيولوجية لأنواع مهاجرة من الأسماك يبقى هو الآخر حلا ترقيعيا جاهزا ، و سيكون من حظ الجهة التي تتوفر فيها شروط الاستيطان او العبور ، إما جنوبا بموريتانيا او غربا بجزر كناريا او شمالا باسبانيا و البرتغال.
و بما أن الظاهرة أصبحت عالمية و كونية ، سيكون من الجدير سن ما تسير عليه مثلا منظمة الايكات في تدبير مخزون التونيات ، من حيث أنها أحياء سمكية مهاجرة و كذلك أسماك سطحية ، هذا على المستوى الإقليمي بين المغرب و اسبانيا و موريتانيا ، و احداث محميات مشتركة و تصميم مسارات جديدة للسفن التجارية العابرة خارج نطاق مناطق الصيد…الخ
فلا يستقيم تدبير مصايد مشتركة بين عدد من الدول ، على حساب منطقة واحدة دون اعتماد مقاربة تشاركية مع باقي الجهات كما هو الشأن بالنسبة لمنطقة جبل طارق، حيث يصدق الثل الشعبي “خدمة التاعس من سعد الناعس”
فكما هو الشأن بالنسبة للمباحثات حول الحدود البحرية و المنطقة الإقتصادية الخالصة و التعدين و السلامة البحرية، يجب مقاربة تدبير المصايد المشتركة وفق منظور أوسع تتحمل كل دولة شطرا من المسؤولية و تساهم بقسط من التموين في تغطية التكاليف و كذلك الخسائر بشكل تضامني. خصوصا و نحن على موعد مع تغيير جذري في ملامح الجهات الجنوبية للمملكة المغربية كمنصة للإقتصاد الأزرق بما يعنيه من استغلال للموارد الطبيعية و مسطحات مائية حثما ستكون لها تداعيات على النظم الايكولوجية البحرية تزيد من وطأة ما هو قائم الآن، على اعتبار أن الجهات الجنوبية تعد سلة للصيد البحري بالمملكة بنسبة انتاج تصل الى 80 % ،تتركز فيها أكبر الاستثمارات في الصيد و الصناعات السمكية و ما يستتبعها من أنشطة موازية في التموين و التمويل و الخدمات ،و ما تولده من فرص شغل و تحدثه من دينامية سوسيو اقتصادية .
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الاعلام البحري و التواصل.





















































































