كتبها للمغرب الازرق
القبطان محمد الخليفي
إن المتتبع للأحداث الأخيرة التي هزت الرأي العام الوطني و أسهبت في تناولها بعض المواقع الإلكترونية و صفحات الجرائد ابتداء بموت أحد البحارة العاملين على متن باخرة للصيد بأعالي البحار نتيجة لإهمال القبطان مرورا بظهور حالات لأنفلونزا الخنازير إضافة إلى بعض مظاهر الفساد المستشري داخل بعض الموانئ كأكادير و الداخلة و غيرهما، المتتبع لكل هذه الأحداث و غيرها يوقن مما لا يدع مجالا للشك بأن على وزارة الفلاحة و الصيد البحري أن تغير من استراتيجيتها و طريقة تعاطيها مع مجموعة من الملفات، فأسلوب النعامة التي تدفن رأسها في الرمال هربا من العدو لم تعد تجدي شيئا، و التظاهر بحل المشاكل العميقة و البنيوية بطريقة سطحية دون تجشم عناء سبر أغوارها يزيد من تعقيدها و تراكمها، و قد آن الأوان لكشف القناع و إظهار مكامن الخلل في مخطط تعتبره الجهات الوصية على قطاع الصيد البحري عصا موسى لإنقاذ هذا القطاع الحيوي و الرقي به مردودية و تنافسية، وإن كنا إلى وقت قريب بحكم ظروف العمل المستمر على ظهر بواخر الصيد بأعالي البحار متتبعين عن بعد لما يجري في القطاع نظرا لشح المعلومات و قلة الإتصالات، أما و قد أحيل بعضنا على البطالة بعد إضراب للبحارة كان ميناء أكادير العريق مسرحه، فإنه قد تبين لنا العجب العجاب في قطاع استراتيجي تعتمد عليه الدولة في تحقيق مداخيل مهمة من العملة الصعبة و يعتمد عليه في الرفع من الناتج الداخلي الخام. و لئن كان من بين أهداف الحكومة الحالية حكومة التغيير إصلاح مختلف القطاعات الحيوية و محاربة بؤر الفساد و المفسدين مهما كانت مستوياتهم و مهما اختلفت مواقعهم و مشاربهم، فإننا نرى لزاما علينا أن نساهم من مواقعنا كربابنة للصيد بأعالي البحار راكموا خلال سنوات من العمل تجارب لا يستهان بها برا و بحرا في عملية الإصلاح هذه و الوقوف في وجه المفسدين و ناهبي ثروات الشعب. و إن كان مما يؤاخذ على الوزارة الوصية إغفالها بشكل كبير للعنصر البشري و تهميشها لدور الربابنة و رجال البحر عموما في وضع سياسات تسيير القطاع و التركيز على دور المهنيين من أرباب المراكب و المجهزين و معاهد البحث، و لئن كان لرجال البحر كذلك دور ذاتي في تهميش أنفسهم و تهميش الوزارة الوصية و الفاعلين في القطاع لهم، و ذلك بابتعادهم عن مراكز القرار و إخلاء الجو لبعض المسترزقين من العمل النقابي الذين لا تهمهم مصلحة القطاع لا من قريب و لا من بعيد و لا يهمهم سوى ما يدخلونه في جيوبهم، و ما تتصدق به عليهم بعض القنوات الرسمية من إظهارهم بمظهر المدافع عن الحقوق كحال الرمانة الجوفاء، بل إن تفشي ظاهرة الرشوة بين بعض سماسرة الشركات و البحارة سببها بعض المحسوبين على العمل النقابي و المعروفين داخل ميناء أكادير، لذلك فإن الوزارة المكلفة بالصيد البحري تتحمل كامل مسؤولياتها من خلال تخريج كفاءات و أطر بمعاهد الصيد البحري تصرف عليهم ميزانيات مهمة دون أن تستفيد من طاقاتهم و خبراتهم من خلال ممارستهم لمهن البحر في حماية الثروة السمكية و الرفع من المردودية و التنافسية قطبي الراحة لمخطط الوزارة و المسمى أليوتيس.
و مما حز في نفسي و أنا أتحدث لأحد البرلمانيين عضو في لجنة القطاعات الإنتاجية أنه يردد أن العام زين و أن مخطط أليوتيس ليس له بديل و أن القطاع يعيش حالة صحية فريدة قد تتخللها بحكم الطبع بعض المشاكل، و أصبح يعدد بعضا من مزايا المخطط و منجزاته كمراقبة البواخر عبر الأقمار الصناعية و برامج إبحار و وسائل الحفاظ على البيئة البحرية، هذه المسائل التي لنا عليها الكثير من الملاحظات لا يسع المجال لذكرها، و قد تأكد لي بأن مخطط أليوتيس شأنه شأن البرامج الأخرى في قطاعات أخرى تسوق إعلاميا و تظفى عليها هالات من الجدية و المصداقية في غياب من يستطيع إثبات زيفها من الناحية العملية من رجال البحر الممارسين و الذين يتم إبعادهم قسريا عن سبق إصرار و ترصد حتى لا يتم التشويش على مخطط أريد له أن يكون بديلا عن بعض المخططات السابقة التي وضعها وزراء سابقون و التي أثبتت نجاعتها إلى وقت قريب كمخطط تهيئة مصايد الرخويات و غيرها.
و إننا و إن كنا ننتقد بعضا مما جاء به مخطط أليوتيس فإننا نبتغي بذلك تطويره و سد ثغراته التي يجدها بعض المفسدين مناسبة لشرعنة فسادهم و التستر على خروقاتهم، آملين أن نساهم في الرقي بقطاع الصيد عموما و قطاع الصيد في أعالي البحار على وجه الخصوص، و الوقوف في وجه بعض اللوبيات و الشركات الغير المواطنة التي لا يهمها إلا الربح و لو على حساب استنزاف الثروة السمكية و تلويث البيئة البحرية ، هذا من جهة ، و من جهة أخرى إعادة الإعتبار لرجل البحر حتى يستعيد مكانته كفاعل أساسي إلى جانب باقي المتدخلين في القطاع.
و لا يخفى على أهل الشأن في ميناء أكادير ما يعيشه هذا الميناء من تسيب و إهمال إن على صعيد مندوبية الصيد البحري أو المكتب الوطني للصيد، هذا الميناء الذي لا يرقى إلى مستوي مدينة أكادير و ما تمثله جهويا و وطنيا و كذا حجم الموارد التي تتداول فيه و المبادلات التجارية التي تتم من خلاله، و لئن كان طابع الصيد بأعالي البحار هو السمة البارزة لميناء الصيد بأكادير، فإنه أريد لهذا القطاع أن يكون قطاعا لا يعرف عنه أي شيء ابتداء بحاملي رخص الصيد بأعالي البحار و طرق الإستفادة منها، إضافة إلى طرق تسويق المنتوج التي تغيب عنها الشفافية من حيث الكميات المصطادة المصرح بها، أضف إلى ذلك الخروفات الملاحظة من صيد للأسماك الصغيرة المحظورة و تسويقها بطرق إلتوائية معروفة ، و استعمال لشباك ذات أعين صغيرة ممنوعة. و الممارسات الغير السليمة التي تنتهجها المندوبة المحلية في تعاطيها مع مجموعة من الملفات المتعلقة برجال البحر و التي تنحاز فيها بطريقة مطلقة لذوي النفوذ من الشركات ضاربة عرض الحائط حقوق البحارة المستضعفين التي يكفلها القانون و يثبتها العرف، ناهيك عن التسيب الحاصل في المندوبية التي تتوزع أقسامها شرقا و غربا قسم في ميناء الصيد و قسم آخر جوار الميناء التجاري، و بينهما تضيع مصالح العباد و البلاد من البحارة و غيرهم.
و أخطر ما في الأمر هو تهاون المندوبية الحاصل في التعاطي مع وسائل الأمن و السلامة على متن البواخر، و التي لها الأثر البالغ في حماية الأرواح و الممتلكات، من خلال عدم الضغط على الشركات لتنفيذ القانون و الإحترام الصارم لشروط الأمن و السلامة على متن بواخر تزيد أقدمية غالبيتها على أكثر من 20 سنة، مما يتطلب الحزم في مثل هذه الأمور الخطيرة، و ما حادث غرق الباخرة مسيد المملوكة لشركة UMEP قبل ثلاثة أشهر عنا ببعيد، و أريد لهذا الحادث الذي كاد أن يؤدي بحياة بحارة أبرياء أن لا يعرف على الإطلاق، و حتى السيد الوزير لم يكن على علم بالخبر إلا بعد أن إلتقينا به مرة في بهو قاعة البرلمان ، و نسجل هنا التواطأ الكبير للإعلام الرسمي (إعلام الشعب )الذي ينقل خبر غرق أي باخرة للصيد الساحلي في حين يتستر على كل ما له علاقة بالصيد بأعالي البحار، كحادث وفاة الشهيد ابراهيم دحدوح رحمه الله و قضية أنفلونزا الخنازير حيث أتقن إخراجها و قدمت للعموم على أن ذلك متعلق بإحدى قوارب الصيد الساحلي و أظهرت جميع الربوتاجات قوارب صغيرة للصيد الساحلي و كأن بواخر الصيد بأعالي البحار مناطق حمراء محرمة لا ينبغي تجاوزها ، و لذلك فإنه و لا بد لمندوبية الصيد البحري بأكادير أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في التعامل مع البواخر و أطقمها، إضافة إلى عدم التهاون في أدنى المسائل التي تتعلق بالسلامة أثناء الزيارات الدورية التي تقوم بها المندوبية الجهوية قبل إبحار البواخر، و هذا غيض من فيض، فهناك أمور كثيرة و تجاوزات خطيرة لا يسع المجال لذكرها و سنعرج عليها إن شاء الله تباعا إن تيسرت الظروف لذلك، خروقات بالجملة لبعض المجهزين و أرباب المراكب في غياب تام لمندوبية الصيد البحري و تجاهل فظيع لروح المسؤولية المهنية التي تحتم التعامل مع البواخر و مع أطقم البواخر بطرق تعين الجميع على القيام بدوره كاملا خلال جميع مراحل الإنتاج، خصوصا و أن المنتوج معد في غالبيته للتسويق الخارجي، و هناك وقائع كثيرة إرتأينا أن لا نعلن عنها حفاظا على المصلحة العامة حتى لا يتأثر تسويق المنتوج، فالنادر من الشركات هي التي تحترم معايير الجودة ، و ما اختيار الوزارة و من خلالها الشركات لمواقيت الزيارات التي تقوم بها اللجن الأوروبية حتى تتزامن مع وقت إبحار البواخر حيث تكون في عرض البحر بمنأى عن أعين المراقبين الأوروبيين إلا دليل قاطع على أن أغلب الشركات لا تحترم معايير الجودة على الإطلاق و تتهرب من زيارات اللجن الأوروبية حتى لا تتجشم عناء التكاليف الباهضة التي تحتمها الضرورة و يفرضها الإتحاد الأوربي من حيث إصلاح البواخر حتى تكون في مستوى إنتاج و تصدير السمك نحو أوربا و إلا حجبت عنها تراخيص التسويق و أصبحت عرضة للإتلاف كما طرأ لبواخر شركة SONARP ، هذه البواخرالتي أصبح مصيرها مجهولا، و سيأتي الوقت الذي سيحاسب فيه المسؤولون عن كل ذلك شأنها شأن ملفات أراد أصحابها أن تطمس لكن حجب الغيب أظهرتها رغما عن أنوفهم و أدوا الثمن في النهاية غاليا لمجانبتهم المصلحة العامة و لإنسياقهم أمام أطماع شخصية لا تلبث أن تزول.





















































































