عز العرب مومني- طانطان
أضحت مدينة طانطان، في السنين الأخيرة٬ مقصدا للعديد من الباحثين عن فرص عمل في قطاع الصيد البحري٬ وذلك بالنظر إلى السمعة الطيبة التي أصبح يحظى بها ميناء المدينة من خلال احتلاله المرتبة الثانية على الصعيد الوطني من حيث كميات الأسماك المفرغة وحجم الرواج التجاري.
ويرى العديد من المهنيين أن قطاع الصيد البحري بالإقليم أصبح أداة جذب للعديد من الشباب والشابات وحتى الطاعنين في السن الذين يفدون من مدن آسفي وسطات والدار البيضاء والصويرة وأكادير ووجدة ومكناس ومدن أخرى٬ بحثا عن غد أفضل وحياة أرحب لهم ولأسرهم.
وأوضح مصدر من المندوبية الإقليمية للصيد البحري بطانطان أن جل العاملين بميناء الإقليم ينحدرون من مدن أخرى لاسيما آسفي والصويرة والدار البيضاء٬ مضيفا أن أغلب هؤلاء يفضلون الاشتغال بمراكب الصيد الساحلي الخاصة بصيد السردين٬ فيما يختار آخرون العمل في مراكب الصيد في أعالي البحار.
وتفيد إحصائيات للمندوبية الإقليمية للصيد البحري بالإقليم أن عدد رجال البحر المسجلين بالمندوبية بلغ إلى متم سنة 2012 حوالي 6709 بحارا مقابل ما يناهز 6576 بحارا خلال سنة 2011.
ومن هؤلاء البحارة٬ الشاب المسفيوي “عبد المجيد .م” ذو الـ 35 ربيعا الذي قادته الصدف ذات يوم من صيف سنة 2006 إلى مدينة طانطان بنية زيارة أحد أقاربه لكن القدر كان يخبئ له شيئا آخر حيث لفت انتباهه أثناء قيامه بجولة بميناء المدينة الكميات الهائلة من الأسماك التي يزخر بها والعدد الهائل من القوارب والبواخر المرابطة على رصيف الميناء٬ فاستفسر عن مالكي تلك البواخر والمؤهلات الواجب توفرها في الراغبين في العمل بها والرواتب التي يحصلون عليها وطبيعة المهام المنوطة بهم.
لحسن حظي، يضيف عبد المجيد، تلقيت أجوبة شافية لأسئلتي و”استحسنت فكرة الاشتغال بإحدى المراكب وتجريب حظي عساي أنتشل نفسي وعائلي من براثن الفقر وشظف العيش٬ فتم قبولي لبدء العمل عمل بإحدى مراكب الصيد الساحلي وصرت٬ منذ ذلك الحين٬ عاملا رسميا بإحدى الشركات وتحسنت ولله الحمد وضعيتي الاجتماعية كثيرا”.
ويرى عبد المجيد أن البحر مصدر حقيقي للثروة ومعيل رئيس للآلاف من الأسر المغربية ٬ مضيفا أن ما يتعين القيام به للحفاظ على هذا “الكنز الثمين” هو “ترشيد استغلاله وسن آليات جديدة للمراقبة للحيلولة دون استنزاف الثروة السمكية وتلويث مياه البحر٬ إضافة إلى إنزال أقسى العقوبات على المخالفين”.
وبرأي الشاب المسفيوي٬ فإن أغلب البحارة ٬ كانوا رسميين أم عرضيين٬ يعانون الأمرين ويتعرضون لأبشع أنواع الاستغلال٬ وتبقى الرواتب التي يحصلون عليها دون المستوى المأمول ولا تلبي بأي حال من الأحوال متطلباتهم واحتياجاتهم٬ “داعيا في هذا الصدد الجهات المسؤولة إلى إعادة النظر في سلم الأجور ومضاعفة المنح والمكافآت وتعويض العمال عن الساعات الإضافية”.
قصة عبد المجيد لا تختلف كثيرا عن قصة “أمين .ك” ذو الـ30 ربيعا٬ المنحدر من مدينة الدار البيضاء٬ والذي حط الرحال بمدينة طانطان منذ ثلاث سنوات بحثا عن عمل قار بعد ما استحال عليه ذلك في مسقط رأسه٬ حيث لم يسعفه ديبلوم تقني متخصص في الخياطة في إيجاد فرصة عمل.
يحكي أمين٬ في تصريح مماثل٬ أن “مجيئي إلى مدينة طانطان تزامن مع تقدم إحدى شركات الصيد في أعالي البحار بعرض لتوظيف عدد من البحارة نظرا للخصاص المهول الذي كانت تعاني منه حينئذ فتم قبول طلبي وبدأت رحلة جديدة أشبه ما تكون بالمغامرة”.
لم يكن يخطر ببالي٬ يضيف الشاب البيضاوي٬ أن من يخوض البحر كمن يقامر بحياته٬ لا يدري هل يخرج منه سالما معافى أم لا٬ معتبرا أن “السنين الثلاثة التي أمضيتها في الشركة علمتني الكثير على جميع الأصعدة٬ وما من شك أنها ستفيدني في ما تبقى من حياتي”.
وعن المشاكل التي لاقاها طيلة مدة اشتغاله٬ أوضح أمين أن مجرد العمل في ميدان يرتبط بالبحر من قريب أو بعيد هو مغامرة في حد ذاتها غير محمومة العواقب٬ “فالأمواج تتهددك من كل جانب وظروف الطقس السيئة تزرع في نفوس البحارة الريبة والشك مما هو آت”٬ فالبحر٬ في نظر أمين “عالم غامض لا يعلم كنهه إلا الله”.
وبخصوص تطلعاته للمستقبل٬ أكد أمين على ضرورة تعبئة وتجند جميع الفاعلين المحليين والجهويين والإقليميين من أجل رد الاعتبار للبحارة وتحسين وضعيتهم الاجتماعية والمعنوية لتشجيعهم على العطاء أكثر.. كما شدد على “ضرورة تضافر جهود جميع الفاعلين في قطاع الصيد البحري من أجل النهوض بالقطاع وتبويئه المكانة اللائقة به محليا ووطنيا٬ وصونه من العابثين وعديمي الضمائر”.
قصتا عبد المجيد وأمين نموذج حي لمئات بل آلاف القصص التي عاشت مخاضا مماثلا٬ طال أمده أم قصر٬ وتنتظر بفارغ الصبر انفراج همها وتحسن أوضاعها وأوضاع أسرها الكبيرة والصغيرة.





















































































