عبد الرحيم النبوي: المغرب الأزرق
في سياق يتسم بتحديات اقتصادية وبيئية متزايدة، صادق الجمع العام لـ غرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية على جدول أعمال دورته العادية المنعقدة بالدار البيضاء، في خطوة تعكس وعياً متنامياً بضرورة إعادة هيكلة القطاع وتعزيز شروط استدامته. اجتماع لم يكن روتينياً بقدر ما شكل منصة لطرح قضايا مهنية ملحة تؤرق البحارة والفاعلين في سلسلة الإنتاج.

الدورة، التي انعقدت وفق مقتضيات القانون رقم 4/97 المتعلق بالنظام الأساسي لغرف الصيد البحري، وترأس أشغالها كمال صبري، عرفت حضوراً لافتاً لمهنيين وخبراء، ما أضفى على النقاش طابعاً عملياً يعكس واقع الميدان.
في صدارة الأولويات، برز ملف التغطية الصحية للبحارة، حيث شدد المتدخلون على ضرورة تجاوز الإكراهات التي تعيق الولوج إلى الخدمات الصحية، خاصة في ظل طبيعة العمل الشاقة والمحفوفة بالمخاطر في عرض البحر. ولم يقتصر النقاش على التشخيص، بل امتد إلى طرح تصورات عملية تضمن استمرارية الاستفادة وتحسين جودة الخدمات.
أما التأمين البحري، فقد شكل بدوره محوراً أساسياً، في ظل ما يصفه المهنيون بـ”الاختلالات البنيوية” التي تجعل العديد من البحارة عرضة لخسائر فادحة دون حماية كافية. الدعوة كانت واضحة: منظومة تأمينية منصفة، مرنة، ومواكبة لتحولات القطاع.
وفي ما يتعلق بـ السلامة البحرية، فقد احتل هذا الملف حيزاً مهماً من النقاش، مع التأكيد على أن الوقاية تظل المدخل الأساسي لتقليص الحوادث. وتقاطعت آراء الحاضرين حول ضرورة الاستثمار في التكوين المستمر، وتحديث معدات السلامة، وتعزيز ثقافة الحيطة والحذر داخل الأوساط المهنية.

ولم تغب البنية التحتية للموانئ ونقط التفريغ عن طاولة النقاش، حيث تم رصد عدد من النقائص المرتبطة بالتجهيزات والخدمات، والتي تؤثر بشكل مباشر على جودة المنتوج البحري ومردودية النشاط. وفي هذا السياق، ارتفعت الدعوات إلى تسريع مشاريع التأهيل والتحديث لمواكبة دينامية القطاع.
ما ميز هذه الدورة هو الانتقال الواضح من منطق عرض الإكراهات إلى البحث عن حلول عملية. عرض أشرطة توثيقية حول وضعية بعض نقط التفريغ، وكذا مشاركة الغرفة في فعاليات معرض الموانئ بالجديدة، يعكس توجهاً نحو ربط النقاش بالميدان، وإدماج التجارب الواقعية في بلورة السياسات.

وأكدت بعض التدخلات أن مستقبل الصيد البحري في المغرب لم يعد رهيناً فقط بحجم المصطادات أو تقلبات السوق، بل بمدى القدرة على إرساء نموذج تنموي متوازن، يضع الإنسان في صلب المعادلة، ويحمي الموارد البحرية من الاستنزاف. إصلاح يتطلب إرادة جماعية، وتنسيقاً محكماً بين مختلف المتدخلين، حتى يظل هذا القطاع ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني، ومصدراً للعيش الكريم لآلاف الأسر.
ما بين تحديات الواقع وطموحات الإصلاح، أكدت أشغال الدورة أن مستقبل الصيد البحري رهين بمدى قدرة مختلف الفاعلين على توحيد الجهود وتبني مقاربة تشاركية لقطاع يظل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني، لكنه في حاجة إلى نفس جديد يوازن بين متطلبات الإنتاج وحماية العنصر البشري والموارد البحرية.

وللإشارة، فقد اختُتمت أشغال الدورة العادية لغرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية في أجواء طبعها التقدير والاعتراف بالكفاءات المهنية، حيث جرى تكريم عدد من الأطر المنتمية لقطاع الصيد البحري، وذلك عقب تعيينهم في مناصب المسؤولية، في خطوة تروم تشجيعهم على مواصلة العطاء وتعزيز أدائهم المهني.

وشمل هذا التكريم كلًا من عبد العالي لمودني، الذي عُيّن مديرًا للتسويق والمندوب الجهوي للمكتب الوطني للصيد بآسفي، إلى جانب حياة بويضوضان التي تولت مهام مندوبة الصيد البحري بالمحمدية.

ويأتي هذا الالتفات في سياق ترسيخ ثقافة الاعتراف بالكفاءات وتحفيز الموارد البشرية، باعتبارها ركيزة أساسية في تطوير قطاع الصيد البحري، ومواكبة التحولات التي يشهدها، بما يسهم في تعزيز تنافسيته وتحقيق تنمية مستدامة.





















































































