المغرب الأزرق
نيكولا بافيريز-صحافي، خبير في الشؤون الاقتصادية
”لوفيغارو» الفرنسية
«من يمسك بمقاليد البحر يمسك بمقاليد التجارة، ومن يمسك بمقاليد التجارة يُمسك بالأثرياء فيسعه توجيه دفة العالم»، قال السير والتر رالي (مجهول تاريخ الولادة – 1618). وقوله هذا لا يزال في محله إلى اليوم. وعلى خلاف ما كان عليه في عهد الإمبراطورية الرومانية، لم يعد البحر المتوسط يحتكر مكانة «ماري نوستروم» أي مياهنا (بحرنا – منطقة النفوذ). فالبحار هي اليوم ماري نوستروم الإنسانية كلها التي ولجت عصر العولمة. ففي 2020، يتوقع أن يعيش 70 في المئة من البشر على بعد أقل من 60 كلم عن السواحل. ولا تهيمن على العولمة مدينة ينضوي فيها العالم، على ما كانت في القرون الماضية حال جنوى أو البندقية أو أشبيلية أو أمستردام أو لندن. فالهيمنة في زمن العولمة تمتد عبر شبكة من المدن الكبرى: لوس أنجليس وسان فرانسيسكو ونيويورك ولندن ودبي ومومباي وسنغافورة وهونغ كونغ وشنغهاي أو كوبي.
وانضمت إلى هذه المدن الكبرى ريو دي جانيرو ولاغوس وإسطنبول وجاكارتا. وهذه المدن الكبرى ساحلية ولها مرافئ كبيرة. وهي تشتمل على قوى إنسانية وثروات وتكنولوجيا، وتحتضن مراكز القرار. وهي تواكب انعطاف الرأسمالية من الغرب إلى الجنوب، فتغلب كفة المحيط الهادئ والمحيط الهندي على كفة المحيط الأطلسي الشمالي. والبحار هي بنى تحتية حيوية في القرن الحادي والعشرين. وهي ممر 80 في المئة من السلع، أي أكثر من 10 بلايين طن من السلع سنوياً، وحجم حركة النقل هذه هو 70 في المئة من حجم حركة النقل الأوسع. لذا، تُستثمر في القطاع هذا استثمارات ضخمة، منها شق قناة بنما الثانية. والمياه هي احتياط هائل من الطاقة المجددة والمواد الأولية، في وقت تُستنفد الموارد البرية.
وتشتمل الأعماق المائية على 22 في المئة من احتياطي النفط العالمي و37 في المئة من احتياطات الغاز وآبار عملاقة من المعادن والعناصر المستخرجة من العقيدات المعدنية. ويعتمد حوالى 3 بلايين نسمة على الصيد وموارده في تأمين غذائهم. والبحر وثيق الصلة بالسياحة التي تبلغ عائداتها 1245 بليون دولار، أي 9 في المئة من الناتج العالمي. وتؤدي المحيطات دوراً حيوياً في ضبط مناخ الأرض وأحوال غلافها الجوي. فهي تمتص 90 في المئة من الحرارة المنتجة وثلث انبعاثات الكاربون. لكنها، على رغم أنها حيوية في حياة البشر، لم تواجه من قبل مثل الخطر الذي يتهددها اليوم. فالبحار هي مستودع أخطار المعمورة: يعبرها حوالى 60 مليون لاجئ ونازح في العالم، في وقت ينتظر أن يبلغ عدد عابري المتوسط إلى أوروبا في 2015، نصف مليون مهاجر. ومن هذه الأخطار ثمة أخطار صناعية مع توسع الأنشطة «الأوفشور» (ما وراء الحدود). فعلى سبيل المثل، انفجرت المنصة النفطية «ديبووتر» – وملكيتها تعود إلى شركة «بي بي» (بريتش بيتروليوم) – وغرقت في خليج المكسيك (فتسرب النفط من أعمق بئر في التاريخ وتسبب بأكبر تلوث في المياه الأمريكية). وإلى الأخطار الصناعية، تتعاظم الأخطار المناخية على وقع الاحتباس الحراري وزيادة نسبة الحمض في المياه. وهذه العوامل وثيقة الصلة بعدد من الحوادث البارزة من تقلص التنوع البيولوجي إلى ذواء الشعاب المرجانية وتبددها.
وخطر التلوث البيئي لا يستخف به. ففي عرض مياه هاواي، ظهرت قارة سادسة مؤتلفة من النفايات والبلاستيك تعرف بـ «باسيفيك غاربج باتش» (نفايات المحيط الهادئ).
ويتفاقم الخطر الأمني في البحار، وهو بلغ اليوم ذروتـــه منذ الحرب العالمية الثانية نتيجة القرصنة والإجرام: ففي 2014، شنت هجمات على 5200 بحار و500 منهم احتُجزوا رهائن في جنوب آسيا وفـــي خليج غينيا. ويتنامى الخطر الاستراتيجي مع إقــــدام دول على إلحاق البحار بها لمصادرة ثرواتها وتأمين ممرات تموينها والسيطرة على جوارها. فعلى سبيل المثل، ثمة دول كثيرة تطالب بالسيادة علـــى البــــحر المتجمـــد الشــــمالي، وغيرها يتنافس علـــى نشر الأساطـــيل الحربية في أعالي البحار في آسيـــا. وينتخب الإرهاب الحيز المائي مسرحاً له. فالبحار هي حيز اقتصادي واستراتيجي متنازع، شأن الحيز السيبرنيطيقي. لذا، تتصدر البحار استراتيجية الصين، القوة النامية والبارزة. ففي كتابها الأبيض (الموازنة الاستراتيجية العسكرية) الصادر في أيار (مايو) 2015، تتصدر الأولويات السيطرة على بحر الصين والممر المفضي إلى الهادئ وحماية المصالح الصينية في أعالي البحار من طاقة ومواد أولية وحماية الطرق البحرية. وعليه، تزود الصين قواتها البحرية بإمكانات هائلة. ويتوجه اقتراح بكين مشروع «طريق الحرير» البحرية الجديد إلى دول آسيان، ويرمي إلى التربع محل الحلف العابر الأطلسي الذي تروج له الولايات المتحدة، وتقويض نفوذ الهند. والمنطقة الحرة في شنغهاي هي محراب عملية تدويل اليوان (الارتقاء به إلى مصاف عملة تداول عالمية) ومنصتها البارزة. وحملت طموحات بكين البحرية – والعلامة الأبرز عليها إنشاء جزر صناعية في الأشهر الأخيرة تمتد على مسافة 800 هكتار – اليابان على التزام سياسة احتواء الصين وفيتنام والفيليبين وماليزيا في كتابها الدفاعي الأبيض الصادر في 21 تموز. ومر الزمن على مبادئ حرية الملاحة في أعالي المياه – وهي 64 في المئة من مساحة المحيطات – وفي المياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخاصة. وكانت هذه المبادئ أُقرت في 1982 في اتفاق مونيتغو باي. وأفلت هذه المبادئ على وقع انتشار العنف في البحار وارتفاع معدلات التلوث وطموحات الدول.
لذا، تبرز الحاجة إلى تشريع البحار أمام البشرية كلها. فهي مختبر طور جديد من حوكمة العولمة. وتبرز الحاجة إلى التفاوض في الأمم المتحدة على سبل حماية المحيطات وتأكيد الطابع الدولي للبحر المتجمد الشمالي والقطب الجنوبي، وبسط الأمن في أعالي البحار وحمايتها بواسطة نظام مراقبة دولية، وتوسيع رقعة المحميات المائية التي تقتصر مساحتها على 1 في المئة من المحيطات، ومنع إلقاء الملوثات والنفايات البلاستيك والكيماوية في المياه، وضبط الصيد والترويج لمزارع سمك تسمح بتكاثرها وتراعي في الصيد معايير بيئية والحفاظ على التنوع البيولوجي، ودعم ابتكارات استثمار الموارد البيئية على أحسن وجه. ولا يسع أي إقليم النأي بنفسه عن العالم في زمن العولمة. ولا تكتب الحياة لأرض تدير الظهر لبحارها.























































































