كتبها للمغرب الأزرق سيدي ابراهيم فعرس
تميزت انتخابات 25 نونبر 2011 و ما ترتب عنها من نتائج باحتلال حزب العدالة و التنمية المرتبة الأولى ب مليون و 82 ألف صوت حارزة بذلك رئاسة الحكومة رغم التكتل القبلي من طرف مجموعة متكونة من احزاب ليبرالية وبعض احزاب اليسار وحزب إسلامي “حزب الأصالة و المعاصرة، حزب الأحرار، حزب الحركة الشعبية، حزب الإتحاد الدستوري، حزب النهضة و الفضيلة، حزب جبهة القوى الديمقراطية، الحزب الاشتراكي و حزب اليسار الأخضر”، هذا التحالف الذي طرح عدة تساؤلات حول هذه الخلطة مابين اليمين و اليسار والمحافظين في ظرفية تميزت بتوهج الإحتجاجات عبر حركة 20 فبراير الشبابية و ما رافقها من إصلاحات خاصة على مستوى إخراج دستور 1 يوليوز 2011.
إن هذا التحالف الذي بني في جوهره على مشروع ضمان استقرار البلاد و على رافعة التنمية من اجل مواجهات احتجاجات الشارع الذي طالب بشكل قوي بالعدالة الاجتماعية، كمدخل اساسي لأي اصلاح لم يكتب له النجاح، بل كان قنطرة مسهلة عبور حزب العدالة و التنمية الى تسيير الشأن العام و تسهيل مأمورية تحالفه كذلك مع حزب تقدمي و احزاب يمينية،فحسب تصريحات مكونات الحكومة فهو مبني على برامج و ليس على ايديولوجيات، مما يطرح سؤال، هل مازلنا محتاجون اليوم إلى ايديولوجيات من اجل تكوين حكومة تدبر الشأن العام؟
بدأت الخريطة السياسية اليوم تفرز بشكل جلي أن هناك حزبين يتسارعان من اجل الفوز بتدبير الحكومة المقبلة، هناك ” حزب العدالة و التنمية”،و هناك ”حزب الأصالة و المعاصرة ” ، ينضاف اليهما كل من حزب” التقدم و الاشتراكية” و ”حزب الاستقلال ”، كذلك ”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ”باعتباره من مكونات الكتلة، كما أن هناك” حزب الأحرار” و يمكن ان ينضاف لهما كل من ”حزب الحركة الشعبية” و” الاتحاد الدستوري” و ربما احزاب اخرى صغيرة يمكن لها ان تِؤتت المشهد الحكومي المقبل.
هذا الصراع نحو الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد في انتخابات 7 اكتوبر2016 ، بدأت تظهر ملامحه من خلال مجموعة من المحطات و آخرها محطة تمرير قانون التقاعدة الذي وضح بالملموس نزوح حزب الاستقلال إلى ضفة حزب العدالة و التنمية على اثر غياب و امتناع اعضائه عن التصويت.
لا ننسى أن حقيقة الأمر الذي يرجى من أي حكومة هو العمل على تحسين الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية للمواطنات و المواطنين، و خلق فرص الشغل ومحاربة الفساد و تحقيق الإمن و العدالة الاجتماعية فهل يا ترى حققت حكومة بنكيران هذا المبتغى؟
إن المؤشرات الموضوعية و التحليل العقلاني لعمل حكومة بن كيران ينحو نحو الاستقرار على مستوى النمو، و تراجع على مستوى القدرة الشرائية للمواطنين التي تقاس به مجموعة من القرارات التي أقدمت عليها حكومة بنكيران من المقايسة إلى صندوق المقاصة إلى الهجوم على الموظفين عبر إعادة الانتشار و التشغيل بالعقدة و رفع سن التقاعد الذي مس عدة شرائح اجتماعية وو …
ربما قد تعتبر حكومة بنكيران انها حافظت على التوازنات الماكرو اقتصادية، باعتمادها على تجميد الأجور و التقليص من الكتلة الأجرية و رفع الدعم على مجموعة من المواد و التجائها الى تقنين ذلك عبر قوانين و مراسيم تشريعية.
كما يمكن القول بأن حكومة بنكيران قد ساهمت بشكل او بآخر في استقرار البلاد رغم بعض الهزات الإجتماعية و الإحتجاجات ، فحكومة بنكيران نجحت في ترويض الاحتجاجات عبر منطق عدم الاكتراث بالاحتجاجات و عدم اعطائها الهالة التي تستحقها وتنميطها و جعلها احتجاجات عادية تعبر عن التفاعل الديمقراطي داخل المجتمع ، مما يطرح إشكالية ”مدى حتمية فشل حكومة العدالة والتنمية بالفوز في الإنتخابات التشريعية بولاية ثانية بين مربع التشكيك و مربع التأكيد” حتى لا يقال أن حكومة العدالة والتنمية حكومة فاشلة “قضاءا وقدرا” :
لا شك أن الفشل جاء نتيجة تراكمات عدة حكومات وصولا إلى الفشل في بناء المؤسسات بصورة ناجحة. إضافة إلى عدة مؤشرات رئيسية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وكذلك كفالة الحرية للمواطنين، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة حكم القانون، ومظالم المجموعات، والتنمية غير المتوازنة بالإضافة إلى التطبيق الكامل للدساتير.
لكن سنكتفي في هدا المقال بالإجابة عن الإشكالية الرئيسية و دحض أو تأكيد فرضيتي ”فشل” أو ”فوز” حزب العدالة والتنمية و ذلك من خلال تبيان بعض نقاط الضعف و نقاط القوة على المثال وليس على سبيل الحصر.
الجزء الأول: حزب الأصالة و المعاصرة و حزب العدالة و التنمية نقاط الضعف و نقاط القوة
أولا: نقاط القوة في حزب الأصالة و المعاصرة
- الموقع الجيوسياسي للحزب نضرا للأحداث السياسية المتسارعة التي تحيط بالمملكة والتي جعلت من حزب الأصالة و المعاصرة صوتا يميل للاعتدال والوسطية.
- عدم تقلد حزب الأصالة و المعاصرة لأي منصب حكومي و خصوصا رئاسة الحكومة كباقي الأحزاب ما يجعله الحزب الوحيد الدي لم يعطي وعودا خلف بها
- ترأس الأمانة العامة للحزب من قبل الأمين العام السيد إلياس العماري، المشهود له بالحنكة السياسية وحسن التدبير لمختلف الملفات
- الحكمة في اختيار مكتب تنفيذي يزخر بأطر و كفاءات عليا
- الاهتمام بالمجتمع المدني، حيث حظي المجتمع المدني مؤخرا من طرف الحزب باهتمام غير مسبوق، وقد تناوله الحزب في خطاباته وتوجيهاته و الانفتاح على مجتمع مدني متنوع ، ذات اهتمامات مختلفة مثل جمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة .
- التحالف مع درع نقابي نضيف، قوي و مستقل له قدرة على التواصل والوصول إلى مختلف الفئات الاجتماعية وفي أماكن مختلفة.
- الانفتاح السياسي والاقتصادي على العالم وانخراط الحزب في المعاهدات والاتفاقيات الاقتصادية والسياسية.
- الإقبال على عنصر الشباب ما يعطي الحزب حيوية وقوة تساعد على خلق الأفكار والمبادرات الجديدة.
- التشكيلة الجديدة لمرشحي الحزب وتوظيف مقاربة النوع من خلال تمثيل النساء وجعلها كمصدر إثراء وإغناء المسيرة الإنتخابية.
- العمل على توفير فرص تشغيل جيدة و عقد شراكات مع عدة مؤسسات دولية.
- إحداث جناح إعلامي متطور و قوي.
- ثانيا: نقاط الضعف في حزب العدالة و التنمية:
عكس نقاط القوة السالفة الذكر لحزب الأصالة و المعاصرة هي بمثابة نقاط ضعف حزب العدالة و التنمية ينضاف إليها ما يلي:
- غياب التنسيق والتشبيك والتحالفات مع مؤسسات المجتمع المدني، ما يضعف قدرته على التأثير على أغلب الفئات الشعبية وكسب التأييد.
- ضعف تطبيق مبادئ الحكم الرشيد في إدارة وتدبير مختلف الملفات وخاصة المتعلقة بالعدالة الإجتماعية مما خلق نظرة سلبية من أغلب فئات المجتمع اتجاه هدا الحزب والحكومة الحالية.
- ضعف القواعد الشعبية التي يعول عليها الحزب، حيث أن هناك غياباً لدور الهيئات العامة في المجتمع المدني .
- سن عدة تشريعات وقوانين تمس الحقوق المكتسبة للموظفين و المهنيين وكدا تلك الناظمة للشغل وكذا عمل المجتمع المدني والحد من حرية حركته.
- تذبذب العلاقة مع الدولة بين الإيجابية والسلبية مما يساهم في ضعف الحزب وعدم قدرته على الحركة.
- ضعف تمثيل النساء في قيادات الحزب ، و في اللوائح الإنتخابية.
- الأوضاع السياسية و الإجتماعية المحيطة غير المستقرة التي خلفها الحزب في ولايته الحكومية.
الجزء الثاني : علاقة ”حزب العدالة و التنمية” و”حزب الأصالة و المعاصرة” ، صراع أم شراكة ؟
إن الأصل في العلاقة بين هذين الحزبين أن تكون هناك علاقة تكاملية وتشاركية واعتمادا متبادلا، وليست علاقة خصومة أو تناقض أو اقصاء. فالأحزاب السياسية تعتبر أحد أهم مؤشرات الدولة الحديثة ودليل على حيوية الدولة وقوتها، فالعلاقة بينها هي علاقة تلازم وتكامل، فالأحزاب هي نتاج الدولة ومعبرا عنها بكل تجلياتها، ويعتمد عليها في القيام بوظائفه الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وتأتي قوتها من قوة الدولة، وهي وليد لها، فلا يوجد هناك تعارض بينها وبين الدولة، إذ لا يمكن قيام دولة قوية في ظل أحزاب والعكس نفسه بل هما مكونان متكاملان.
إلا أن العلاقة بين ”حزب العدالة و التنمية” و”حزب الأصالة و المعاصرة” مرت بتقلبات عديدة تراوحت بين التقارب الحذر والمواجهة والتنافس، وفي مراحل عديدة ساد منطق الهيمنة والإقصاء لا الحوار والمشاركة. لذلك فإن التحدي الأهم الذي يعيق وجود علاقة إيجابية وتشاركية بينهما هي الثقافة السياسية السائدة والسلوكية الممارسة التي تحكم نظرة حزب العدالة و التنمية اتجاه حزب الأصالة و المعاصرة.
إن الاعتراف بفشل خطط وسياسات حزب العدالة و التنمية خلال ولايته الحكومية، ساهم في تحول نظرة الدولة و أغلب مكونات المجتمع المغربي وأصبحت تنظر إلى حزب الأصالة و المعاصرة هو ” الحزب البديل”، وأخذت تتعامل معه على هذا الأساس، إلا أن السلوك العملي واليومي لحكومة بن كيران يميل إلى توخي الحذر مع حزب الأصالة و المعاصرة باعتباره الحزب الخصم
عكس ذلك نجد انفتاح حزب الأصالة و المعاصرة السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي وانخراطه في التنشئة السياسية لمختلف شرائح المجتمع بشكل متسارع و ذلك انطلاقا من شعار الكفاح من أجل العدالة الإجتماعية و التوزيع العادل للثروات، بات يفرض على حزب العدالة و التنمية ضرورة إعادة صياغة علاقته مع الحزب الخصم ومراجعة وتحديث طرق الإشتغال التي تنظم عمله وتؤطر نشاطاته المختلفة بهدف تمكينه للقيام بدوره في عملية تدبير الشأن العام إلى جانب حزب الأغلبية للحكومة المقبلة ”حزب الأصالة و المعاصرة ”،في حال حصل ”حزب العدالة و التنمية” على بعض المقاعد في الحكومة المقبلة
إن وجود علاقة تشاركية بين ”حزب العدالة و التنمية” و ”حزب الأصالة و المعاصرة” ضرورة تمليها عمليات الترابط الواقعي بفعل الجغرافيا والسياسة إذ يعمل كلاهما في نطاقا جغرافيا واحدة واعتبارات سياسية تجعل من كلاهما يسعى إلى تحقيق مجتمع أفضل وهو مجتمع العدالة والمساواة وسيادة القانون ، كما أن كل المؤشرات السالفة الذكر و مؤشرات أخرى يعلمها الجميع تفرض على ”حزب العدالة و التنمية” أن يعي بأن هناك عدة روابط بينه وبين ”حزب الأصالة و المعاصرة” لا غنى له عنها بسبب ما يربطهما من جسور ومصالح و أهداف تشكل قواسم مشتركة تدفع كلاهما إلى علاقة الحوار والمشاركة بدلا من علاقة الصراع والتنافر.
إن مصلحة الشعب المغربي هي أن يختار في هذه المرحلة بكل موضوعية ”حزب الأصالة والمعاصرة”، الذي تؤكد كل المؤشرات أنه ”حزب المرحلة”، كما أن الحاجة باتت ماسة لإعادة الثقة في الأحزاب السياسية و الدولة في طريق واحد لتأسيس علاقة أكثر تشاركية وتكاملية خاصة بعد الكوارث الاجتماعية و الاقتصادية التي خلفتها الحكومات السابقة و خاصة الحكومة الحالية ، والتي لا محالة إن لم يتم تدارك الأمر ستؤدي إلى كارثة سياسية تفاديا لأي خريف عربي.
سيدي ابراهيم فعرس
عضو المكتب التنفيذي للمنظمة الديمقراطية للشغل
الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للصيد البحري و الملاحة التجارية
رئيس المرصد الوطني للصحة والبيئة و السلامة البحرية





















































































