يشهد قطاع الصيد البحري المغربي اليوم واحدة من أكثر مراحله تعقيداً منذ عقود. فالتحديات لم تعد تقتصر على تدبير المصايد أو تنظيم مواسم الصيد، بل امتدت إلى تراجع بعض المخزونات السمكية المهمة ، وتأثيرات التغيرات المناخية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وعزوف اليد العاملة، وتنامي الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على المجتمعات الساحلية، في وقت أصبح فيه الأمن الغذائي والسيادة البحرية من القضايا الاستراتيجية للدولة.
في خضم هذه التحولات، يبرز سؤال يستحق أن يُطرح بكل مسؤولية: هل كان انخراط جزء واسع من الفاعلين المهنيين داخل المظلة السياسية نفسها خياراً موفقاً، أم أن التجربة كشفت حدودها عندما بدأت الأزمات تتراكم؟
ليس الهدف من هذا السؤال استهداف حزب بعينه، وإنما تقييم تجربة سياسية ومؤسساتية عاشها القطاع خلال السنوات الأخيرة. فالتجارب العمومية، مهما كانت، لا تكتمل إلا بتقييم نتائجها واستخلاص الدروس منها.
فقطاع الصيد البحري، عرف لعقود، نوعاً من التوازن بين الإدارة، والغرف المهنية، والهيئات المهنية، والنقابات، ومختلف المرجعيات السياسية. وكان هذا التنوع، رغم ما كان يرافقه أحياناً من اختلافات، يوفر قدراً من التوازن في موازين القوة، ويحافظ على استقلالية القرار المهني، ويمنح المهنيين أكثر من قناة للترافع والدفاع عن مصالحهم.
أما عندما تركزت أغلب مواقع التأثير والتمثيلية داخل اللون السياسي نفسه، فقد تغيرت طبيعة العلاقة بين المهني وصانع القرار. فقد بدا للبعض أن القرب من الحزب الذي يدبر القطاع سيفتح الباب أمام معالجة أسرع للمشكلات المهنية، لكن التجربة أظهرت أن هذا التقارب قد يحمل، في المقابل، كلفة مؤسساتية تتمثل في تراجع قدرة المهنيين على ممارسة الضغط المستقل أو مساءلة الجهة التي تتخذ القرار عندما يكون أغلب الفاعلين جزءاً من المنظومة السياسية نفسها.
وتبرز خطورة هذا الوضع عندما يمتد تأثيره إلى القرارات التقنية التي يفترض أن تبنى أساساً على المعطيات العلمية وحماية استدامة الموارد البحرية. ففي عدد من المحطات، أثيرت داخل الأوساط المهنية نقاشات بشأن ضغوط مورست للدفع نحو فتح أو تمديد مواسم صيد بدوافع مرتبطة بتموين الأسواق أو اعتبارات ظرفية، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى استقلالية القرار التقني عن الاعتبارات السياسية والاقتصادية. وإذا كانت مثل هذه القرارات تحتاج دائماً إلى تقييم علمي ومؤسساتي، فإن مجرد بروز هذا النقاش يكشف أهمية تحصين القرار التقني من أي تأثيرات خارجية.
كما خلفت بعض القرارات المتعلقة بتدبير المصايد في الأقاليم الجنوبية نقاشاً واسعاً بين المهنيين حول العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين مختلف الأساطيل والفئات المهنية. وقد اعتبر عدد من الفاعلين أن بعض التدابير أثرت بصورة أكبر على فئات بعينها، وهو ما عزز الإحساس بوجود اختلالات في توزيع الأعباء والمنافع داخل القطاع، وأعاد إلى الواجهة الحاجة إلى مزيد من الشفافية في صناعة القرار.
والواقع أن الأزمة التي يعيشها القطاع اليوم لا ترتبط فقط بالجانب البيولوجي أو الاقتصادي، بل ترتبط أيضاً بضعف الفضاءات المستقلة القادرة على إنتاج البدائل ومساءلة السياسات العمومية. فعندما تتركز أغلب مراكز القرار والتمثيل داخل الإطار السياسي نفسه، تتراجع المنافسة بين الأفكار والبرامج، لتحل محلها، في بعض الأحيان، تنافسات داخلية على النفوذ والمواقع، وهو ما يستهلك طاقات المؤسسات ويصرف الاهتمام عن الملفات الحقيقية التي تنتظر المعالجة.
ولعل ما يثير الانتباه أن الملفات الكبرى التي كانت تشكل أولويات المهنيين، من قبيل تكلفة المحروقات، وتحسين شروط الحماية الاجتماعية، وتأهيل الرأسمال البشري، والتكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز تنافسية المقاولات، لم تحقق التقدم الذي كان ينتظره كثير من المهنيين، رغم التقارب السياسي غير المسبوق بين عدد من مكونات القطاع والجهة الحكومية المشرفة عليه. وقد ولد ذلك حالة من الإحباط لدى فئات واسعة كانت تعول على هذا التقارب لتحقيق مكاسب مهنية ملموسة.
كما أن طبيعة مجتمعات الصيد البحري، بما تعرفه من هشاشة اقتصادية واجتماعية، تجعلها أكثر عرضة لتأثير الاصطفافات السياسية. فعندما تتداخل مواقع الإدارة، والتمثيلية المهنية، والفاعلين الاقتصاديين، داخل الإطار السياسي نفسه، تصبح آليات المساءلة أضعف، ويصعب الفصل بين الدفاع عن المصلحة العامة والدفاع عن الاعتبارات الحزبية أو الفئوية.
إن المشكلة ليست في انتماء المهنيين إلى الأحزاب السياسية، فذلك حق يكفله الدستور، بل في أن يتحول قطاع استراتيجي بكامله إلى مجال يهيمن عليه لون سياسي واحد، بما يضعف التعددية، ويقلص الرقابة المتبادلة، ويحد من استقلالية المؤسسات المهنية في الدفاع عن مصالح منتسبيها.
لقد أثبتت التجارب، في المغرب وفي غيره، أن القطاعات الاستراتيجية تكون أكثر قدرة على الصمود عندما تحتفظ مؤسساتها المهنية باستقلاليتها، وتبقى على مسافة واحدة من مختلف الفاعلين السياسيين، بحيث يكون ولاؤها الأول للمصلحة العامة وللمهنيين، لا للتوازنات الحزبية.
إن قطاع الصيد البحري اليوم بحاجة إلى استعادة هذا التوازن. فهو يحتاج إلى فضاءات مهنية مستقلة، وحوار مؤسساتي تعددي، وقرار تقني يستند إلى العلم، لا إلى الاصطفاف السياسي. فالرهان الحقيقي ليس في أي حزب يقود القطاع، بل في بناء منظومة حكامة تجعل الثروة البحرية فوق الحسابات الانتخابية، وتحفظ للمهنيين استقلالية صوتهم، وللوطن أمنه الغذائي وسيادته على موارده البحرية.
كتبها للمغرب الأزرق الاستاذ حاميد حليم
∗المستشار في الاعلام البحري و التواصل.
∗عضو المرصد الاعلامي للصيد المستدم بافريقيا OMPDA





















































































