تتجه أنظار الفاعلين في قطاع الصيد البحري نحو مدينة فيلامورا البرتغالية، التي ستحتضن خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 23 نونبر 2026 أشغال الدورة الاستثنائية الخامسة والعشرين للجنة الدولية للحفاظ على التونة في المحيط الأطلسي «ICCAT»، في محطة يُرتقب أن تحدد ملامح المرحلة المقبلة لتدبير مصايد التونيات المدارية، وسط رهانات متزايدة تتعلق باستدامة المخزونات، وضبط حصص الصيد، وتعزيز فعالية التدابير الرامية إلى حماية الموارد البحرية.
وتكتسي هذه الدورة أهمية خاصة في ظل التحديات العلمية والتقنية التي كشفت عنها التقييمات الأخيرة للمخزونات، وما أفرزته من تساؤلات بشأن مدى دقة النماذج المعتمدة في إعداد سيناريوهات التدبير، وقدرتها على توفير معطيات موثوقة تساعد على اتخاذ قرارات متوازنة بين المحافظة على الثروة السمكية وضمان استمرارية استغلالها الاقتصادي.
وتأتي هذه المحطة امتداداً للنقاشات التي شهدتها العاصمة الإسبانية مدريد خلال شتنبر الماضي، في إطار اجتماع اللجنة الدائمة للبحث والإحصائيات «SCRS»، حيث برزت صعوبات في اختبار إجراءات التدبير متعددة المخزونات الخاصة بالتونيات المدارية، بعدما أظهرت النماذج المعتمدة نتائج وسلوكيات غير متوقعة.
وأمام هذه الإشكالات، أوصى الفريق العلمي المختص بإعادة تكييف النماذج التشغيلية بالاستناد إلى تقييم مخزون التونة الجاحظة لسنة 2025، بدلاً من تقييم سنة 2021، وهو توجه يستدعي تحيين الفرضيات البيولوجية والإسقاطات المعتمدة، بما يعزز موثوقية النتائج التي ستُبنى عليها القرارات المستقبلية.
كما يطرح هذا المسار ضرورة مراجعة الجدول الزمني للتقييم متعدد المخزونات، مع مراعاة الوقت الإضافي الذي تتطلبه العملية وانعكاساتها التقنية والمالية، في ظل الحاجة إلى تحقيق الانسجام بين متطلبات البحث العلمي والإكراهات المرتبطة بتدبير المصايد.
التونة صفراء الزعانف.. ضغط المصيد يثير المخاوف
وفي موازاة ذلك، تبرز التونة صفراء الزعانف باعتبارها أحد أبرز الملفات التي تتطلب قرارات دقيقة، بعدما أظهرت المعطيات العلمية تجاوز المصيد الفعلي للمستويات المحددة. فقد بلغ متوسط المصيد الأخير نحو 141 ألف طن، مقابل حصة إجمالية محددة في 110 آلاف طن، وهو فارق يعيد إلى الواجهة إشكالية احترام حدود الاستغلال ومدى انعكاس الضغوط المتزايدة على مستقبل المخزون.
وتشير إسقاطات تقييم سنة 2024 إلى أن اعتماد حصة سنوية في حدود 125 ألف طن يرتبط باحتمال يبلغ 55 في المائة للحفاظ على المخزون ضمن المنطقة الخضراء لمؤشر «كوبي» بحلول سنة 2034، مقابل احتمال يناهز 50 في المائة عند حصة تبلغ 129 ألف طن.
غير أن هذه الأرقام تظل تقديرات أولية لم تخضع، وفق المعطيات الواردة في النقاش العلمي، للمراجعة أو المصادقة الرسمية من طرف اللجنة العلمية، وهو ما يفرض التعامل معها باعتبارها سيناريوهات محتملة، لا توصيات نهائية بشأن حصص الصيد المستقبلية.
حماية الأسماك اليافعة واختبار فعالية تدابير التدبير
ومن بين الملفات المنتظر أن تحظى باهتمام المشاركين، المقترحات الرامية إلى الحد من صيد الأسماك اليافعة، إذ طُلب من اللجنة العلمية تقييم انعكاسات خفض صيد صغار التونة صفراء الزعانف بنسب تتراوح بين 5 و20 في المائة على المردودية القصوى المستدامة.
وتنبع أهمية هذا النقاش من ارتباطه المباشر بقدرة المخزونات على التجدد، إذ إن حماية الأسماك الصغيرة ومنحها فرصة أكبر للنمو والتكاثر قد تسهم في دعم الإنتاجية البيولوجية للمصايد على المدى الطويل، شريطة أن تستند التدابير المعتمدة إلى تقييم علمي دقيق لمختلف السيناريوهات المحتملة.
كما يُرتقب أن يتواصل النقاش بشأن فترات إغلاق أجهزة تجميع الأسماك «FADs»، في ضوء التساؤلات المطروحة حول مدى فعاليتها في ضبط مستويات المصيد وتحسين انتقائية عمليات الصيد.
وتشير المعطيات العلمية إلى صعوبة تحديد الأثر المنفرد لهذه التدابير بمعزل عن باقي العوامل المؤثرة في المصايد، فيما قد تؤدي التغيرات المسجلة في أحجام الأسماك المصطادة إلى انعكاسات مباشرة على توقعات إنتاجية المخزونات، الأمر الذي يجعل تقييم فعالية هذه الإجراءات خطوة أساسية قبل اعتماد أي تعديلات جديدة.
توحيد بيانات أساطيل الصيد لتعزيز الرقابة العلمية
ولا تقتصر التحديات المطروحة على الجوانب البيولوجية وحدها، بل تمتد إلى جودة البيانات وآليات الإبلاغ عن قدرات أساطيل الصيد، بعدما كشفت المناقشات عن تفاوتات في إعداد المعطيات بين الوفود المشاركة.
وفي هذا الإطار، يبرز توحيد معايير الإبلاغ وتطوير تقديرات معدلات الصيد باعتبارهما مدخلين أساسيين لتحسين جودة المعلومات المتاحة، وتعزيز دقة التقييمات العلمية، وتوفير قاعدة أكثر موثوقية لاتخاذ قرارات التدبير ومراقبة مدى الالتزام بالتدابير المعتمدة.
فيلامورا.. اختبار جديد لمستقبل تدبير التونيات المدارية
وتشكل الدورة الاستثنائية الخامسة والعشرون للجنة الدولية للحفاظ على التونة في المحيط الأطلسي محطة مفصلية لاختبار قدرة الهيئة الدولية على تحويل نتائج البحث العلمي إلى قرارات عملية قابلة للتنفيذ، في ظل تزايد الضغوط على المصايد والحاجة إلى تطوير آليات تدبير أكثر مرونة وفعالية.
وبين مراجعة النماذج العلمية، وضبط حصص الصيد، وحماية الأسماك اليافعة، وتقييم فترات إغلاق أجهزة تجميع الأسماك، وتوحيد معايير الإبلاغ، ستظل المعضلة الأساسية مرتبطة بكيفية تحقيق التوازن بين المحافظة على المخزونات البحرية وضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
فاستدامة مصايد التونيات المدارية لا تتوقف عند مستوى القرارات التي ستُعتمد في فيلامورا، بل ترتبط أيضاً بمدى استنادها إلى معطيات علمية محينة، وبقدرة الدول والأساطيل المعنية على احترامها وتطبيقها بفعالية، بما يضمن حماية الثروة السمكية وصون مصالح الأجيال المقبلة.
























































































