في ظل الطلب المتزايد على الرخويات في الأسواق الأوروبية، تتجه شركات التوزيع والتثمين البحري إلى تعزيز خطاب “الاستدامة” باعتباره مدخلاً أساسياً لتسويق المنتجات البحرية ورفع قيمتها التجارية. وفي هذا السياق، تقدم شركة El Rey del Pulpo الإسبانية نموذجاً لافتاً في كيفية توظيف منشأ الأخطبوط المغربي داخل خطابها التسويقي، من خلال ربطه بالصيد التقليدي والمستدام، وتقديمه كمنتوج عالي الجودة مصدره بيئة بحرية “محافظة” على توازنها الطبيعي.
تعتمد الشركة الإسبانية في تسويقها على فكرة مركزية مفادها أن الأخطبوط القادم من السواحل المغربية يتميز بجودة عالية، تعود أساساً إلى خصائص بيئته الطبيعية ونظامه الغذائي القائم على الرخويات والقشريات.
وتُبرز الشركة هذا العامل باعتباره أساس القيمة التجارية للمنتوج، قبل أن تربطه بطريقة الصيد، التي تصفها بأنها “حرفية ومستدامة”، ما يسمح بالحفاظ على جودة الكائن البحري منذ لحظة اصطياده الأولى وحتى وصوله إلى المستهلك النهائي.
وتقدم الشركة تقنيات الصيد تحت مسمى Nasas y trampas، أي الفخاخ أو المصائد، باعتبارها أدوات انتقائية وصديقة للبيئة، تسمح بجذب الأخطبوط دون إتلاف النظام البحري. غير أن هذا المصطلح، عند مقارنته بالممارسة المغربية، يحتاج إلى تدقيق اصطلاحي، إذ إن وسيلة الصيد التقليدي للأخطبوط في المغرب لا تقوم على “الأقفاص” بالمعنى الحرفي، بل على ما يعرف محلياً بـ العبوات أو “الغرّاف”. حيث تُغمر هذه التجهيزات في القاع البحري ضمن سلاسل منظمة، توفر ملاذا طبيعيا للأخطبوط باعتبارها فضاءات للاختباء والتعشيش، قبل أن يتم رفعها لاحقاً من طرف الصيادين بطريقة انتقائية.
هذه التقنية تعتمد على سلوك الأخطبوط نفسه، وليس على اصطياده بالقوة، إذ يدخل إلى العبوات طواعية، ما يجعل عملية الصيد أقرب إلى الاستخراج الانتقائي منها إلى الاصطياد الجماعي.وعند رفع هذه العبوات، يتم فرز المحتوى ميدانياً، حيث يُعاد إطلاق الأحجام الصغيرة أو الإناث غير الصالحة للاستهلاك، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على دورة التجدد البيولوجي للمصيدة.
إلى جانب العبوات، يشير الخطاب الإسباني أيضاً إلى تقنية الصيد بالصنارة والخيط، وهي وسيلة تعتمد على اصطياد الأخطبوط فرداً فرداً في المناطق الصخرية، باستخدام طعوم طبيعية أو صناعية.وتتميز هذه الطريقة بكونها محدودة الأثر على البيئة البحرية، لكنها تبقى جزءاً من منظومة صيد متعددة الوسائل تختلف حسب المناطق والظروف البحرية.
يقارن النص الإسباني بين هذه التقنيات وبين صيد الجر، الذي يُقدَّم في الخطاب التسويقي باعتباره أكثر تأثيراً على القاع البحري بسبب استخدام الشباك القاعية.
غير أن هذا الطرح يظل جزءاً من خطاب ترويجي موجه للمستهلك الأوروبي، يهدف إلى تعزيز صورة “المنتج المستدام”، في حين أن تنظيم المصايد في المغرب يقوم على تعدد أنماط الصيد، من التقليدي إلى الساحلي ثم أعالي البحار، وفق ضوابط قانونية ومخططات تهيئة تراعي التوازن بين الاستغلال والاستدامة.
يكشف هذا النموذج كيف يتحول الصيد التقليدي المغربي، وخاصة نظام العبوات (الغرّاف)، إلى عنصر مركزي في الخطاب التسويقي الأوروبي، حيث يُعاد تقديمه باعتباره رمزاً للاستدامة والجودة.
غير أن هذا التحويل يطرح إشكالاً اقتصادياً أساسياً، فالقيمة المضافة التي يُبنى عليها هذا الخطاب تُستهلك في الخارج، بينما لا تزال آليات تثمينها محلياً في حاجة إلى تطوير، سواء عبر تعزيز العلامات الجغرافية أو تقوية آليات تتبع المنتوج البحري.
وبين الصورة التسويقية والواقع الميداني، يظل الأخطبوط المغربي منتوجاً تتقاطع فيه البيولوجيا بالاقتصاد، والممارسة التقليدية بالخطاب التجاري العالمي، في سوق لم تعد فيه السمكة مجرد مورد، بل قصة تُباع قبل أن تُستهلك.






















































































