استأنف المغرب نشاط صيد الأخطبوط الصيفي لموسم 2026 وسط تباين في المؤشرات وتفاؤل حذر، بالتزامن مع قرار موريتانيا تمديد فترة الراحة البيولوجية إلى غاية منتصف الشهر الجاري، في مشهد يعكس اختلاف المقاربات المعتمدة لتدبير واحدة من أهم المصايد الاستراتيجية بشرق المحيط الأطلسي.
ومع مطلع شهر يوليو 2026، أعطت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري الانطلاقة الرسمية للموسم الصيفي لصيد الأخطبوط على امتداد السواحل الوطنية، تنفيذاً لقرار لجنة تتبع مصايد الأخطبوط، وذلك بعد أشهر من الراحة البيولوجية والحملات العلمية التي واكبت تطور المخزون.
ويأتي افتتاح الموسم في ظل رهانات متشابكة تجمع بين المحافظة على الثروة السمكية، وضمان استقرار مداخيل آلاف البحارة، والحفاظ على الموقع الريادي للمغرب في سوق الأخطبوط العالمي، وسط مطالب مهنية متجددة بمراجعة مصفوفة مخطط تهيئة مصيدة الأخطبوط، المعتمد منذ سنة 2004، بما يواكب التحولات البيولوجية والاقتصادية التي شهدها القطاع خلال العقدين الأخيرين.
وتكشف المؤشرات الأولية لانطلاق الموسم عن صورة مزدوجة؛ فمن جهة تؤكد البيانات العلمية الرسمية تحسناً واضحاً في وضعية المخزون، خاصة بالأقاليم الجنوبية، ومن جهة أخرى تبرز المعطيات الميدانية استمرار تفاوت ملحوظ بين مختلف الدوائر البحرية، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة النقاش حول العدالة المجالية في استغلال الموارد البحرية وتوزيع فرص الاستفادة منها.
واستند قرار استئناف نشاط الصيد إلى نتائج الحملات العلمية التي أنجزها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، والتي أظهرت تحسناً ملحوظاً في حالة المصيدة، خاصة بالمنطقة الجنوبية الواقعة جنوب سيدي الغازي. وتشير هذه المعطيات إلى ارتفاع الكتلة الحية للأخطبوط بنسبة تقارب 13 في المائة مقارنة بالموسم السابق، مع تسجيل نمو واضح في أعداد صغار الأخطبوط التي بلغت أحجاماً تجارية مناسبة، وهو ما اعتبر مؤشراً إيجابياً على نجاح تدابير الراحة البيولوجية وإجراءات المحافظة على المخزون.
وبناءً على هذه النتائج، حددت السلطات المختصة الحجم الإجمالي المسموح بصيده (TAC) في 10,494 طناً، موزعة على مختلف أصناف الأساطيل البحرية، وذلك خلال موسم يمتد إلى 76 يوماً، في إطار سياسة تقوم على الاستغلال الرشيد للثروة السمكية مع الحفاظ على قدرتها على التجدد.
وعلى المستوى الميداني، عرفت بعض موانئ ونقط التفريغ الجنوبية بداية وُصفت بالمشجعة، سواء من حيث الكميات أو الأسعار، حيث تراوحت أسعار الأحجام المتوسطة بين 65 و70 درهماً للكيلوغرام، فيما تجاوز سعر الأحجام الكبيرة جداً (GG) سقف 115 درهماً للكيلوغرام، وهو ما يعكس استمرار الطلب القوي على الأخطبوط المغربي داخل الأسواق الوطنية والدولية.
ويعزز هذا الأداء الأولي التفاؤل بإمكانية تحقيق موسم جيد، خاصة إذا استمرت المؤشرات البيولوجية في منحاها الإيجابي خلال الأسابيع المقبلة.غير أن هذه الصورة الإيجابية لم تشمل جميع السواحل المغربية، إذ عبر مهنيون في عدد من المناطق الشمالية والوسطى، وخاصة ضمن الدائرة البحرية للجبهة، عن استيائهم من ضعف المفرغات خلال الأيام الأولى للموسم، ووصفت الحصيلة بأنها من بين الأضعف منذ سنوات. كما عجت منصات التواصل الاجتماعي بشهادات البحارة الذين اعتبروا أن مؤشرات التعافي لم تصل بعد إلى جميع المصايد، وهو ما يؤكد أن استعادة المخزون لا تتم بالوتيرة نفسها على امتداد الساحل الوطني، وأن الفوارق البيئية والضغوط المحلية لا تزال تؤثر في مردودية عدد من المناطق. وهو ما أعاد إلى الواجهة مطالب مهنية بمراجعة بعض مخططات التهيئة بما يراعي الخصوصيات البيولوجية لكل منطقة، عوض اعتماد مقاربة موحدة لجميع المصايد.
وعلى المستوى الإقليمي، يشكل شرق المحيط الأطلسي أحد أهم الأحواض العالمية لإنتاج الأخطبوط، حيث تحتل كل من المغرب وموريتانيا وإسبانيا موقعاً محورياً داخل هذه المنظومة البحرية والاقتصادية، غير أن لكل دولة فلسفتها الخاصة في تدبير المصيدة.
ففي الوقت الذي افتتح فيه المغرب موسمه رسمياً في فاتح يوليو 2026، اختارت موريتانيا تأجيل افتتاح الموسم إلى منتصف الشهر، بعد قرار سيادي يقضي بتمديد فترة الراحة البيولوجية استجابة لتوصيات المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد، الذي رصد استمرار هيمنة الأحجام الصغيرة داخل المصيدة، معتبراً أن أي استغلال مبكر قد يضر بالتجدد البيولوجي ويؤثر سلباً في القيمة التجارية للمنتوج.
أما إسبانيا، وخاصة في مناطقها الأطلسية مثل غاليسيا، فتواصل اعتماد نظام الحصص الصارم المعمول به داخل الاتحاد الأوروبي، في إطار سياسة دقيقة لمراقبة المخزون وضبط مجهود الصيد.
ورغم اشتراك هذه البلدان في استغلال الحوض البحري نفسه تقريباً، فإن التحديات التي تواجهها تختلف من دولة إلى أخرى. ففي المغرب ينصب النقاش أساساً حول التفاوت بين المناطق البحرية ومطالب الصيد التقليدي بإعادة تقييم مخططات التهيئة، بينما يتركز الجدل في موريتانيا حول آثار تمديد الراحة البيولوجية على مداخيل البحارة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل. أما في إسبانيا، فتتمثل أبرز الإشكالات في ارتفاع كلفة الإنتاج المحلي والمنافسة القوية التي يفرضها الأخطبوط القادم من شمال إفريقيا، وخاصة المغربي والموريتاني.
وعلى مستوى السوق الدولية، يواصل المغرب تعزيز مكانته باعتباره أحد أبرز مصدري الأخطبوط في العالم، مستفيداً من السمعة التجارية التي يحظى بها المنتوج المغربي، وخاصة أخطبوط الداخلة، الذي يحظى بطلب مرتفع داخل الأسواق اليابانية والأوروبية بفضل جودته العالية ومعايير تثمينه.
في المقابل، تعتمد موريتانيا على أسطول وطني مدعوم بشراكات أجنبية، وتستهدف بدورها الأسواق الآسيوية والأوروبية، بينما تظل إسبانيا، رغم امتلاكها أسطولاً بحرياً مهماً، مستورداً رئيسياً للأخطبوط لتلبية الطلب الداخلي المرتفع.
وفي جزر الكناري، يأخذ موسم صيد الأخطبوط بعداً مختلفاً بسبب خصوصية الأرخبيل واعتماده شبه الكامل على الصيد التقليدي بواسطة القوارب الصغيرة والأقفاص التقليدية، وهو ما يجعل أي تراجع في الموارد البحرية ينعكس مباشرة على دخل البحارة. ومع انتهاء فترة الراحة البيولوجية بنهاية يونيو، استؤنف الصيد رسمياً في فاتح يوليو، غير أن المهنيين دخلوا الموسم وسط تخوفات مرتبطة بتراجع المفرغات المحلية خلال السنوات الأخيرة، وعدم كفاية فترة التوقف البيولوجي لضمان تجدد كامل للمخزون.
ومن أبرز المستجدات التنظيمية التي تشهدها الجزر هذا الموسم تشديد الرقابة على الصيد الترفيهي من خلال اعتماد تطبيق رقمي إلزامي لتسجيل المصطادات، في خطوة تستهدف الحد من الضغط الذي يمارسه الهواة على هذا المورد البحري وضمان حماية حصة الصيادين المهنيين.
وفي المقابل، اختارت موريتانيا إدارة الموسم بمنطق مختلف يقوم على التأجيل الاستراتيجي. فقد أعلنت وزارة الصيد والاقتصاد البحري تمديد فترة الراحة البيولوجية إلى غاية 15 يوليو، مع اعتماد فتح تدريجي يمنح الأولوية لقوارب الصيد التقليدي، تليها سفن الصيد الساحلي، ثم أساطيل الصيد الصناعي.
ويستند هذا القرار إلى تقارير علمية أعدها المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد، والتي أكدت استمرار انتشار الأحجام الصغيرة داخل المصيدة، معتبرة أن منحها فترة إضافية للنمو سيرفع من القيمة التجارية للمنتوج ويحسن عائدات التصدير. فيما أعرب المهنيون عن قلقهم من تداعيات التأجيل على أوضاعهم الاجتماعية، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الوقود، وتشديد السلطات شروط الترخيص والمراقبة البحرية لمواجهة الصيد غير القانوني.
وفي ظل هذا التباين، أثار اختلاف موعد انطلاق الموسم بين المغرب وموريتانيا نقاشاً واسعاً في الأوساط المهنية، حيث اعتبر البعض أن المغرب اختار المجازفة، بينما فضلت موريتانيا نهج الحذر. غير أن القراءة العلمية للملف تكشف أن الأمر لا يتعلق بالمغامرة بقدر ما يعكس اختلافاً في الخصائص البيولوجية لكل مصيدة.
فالمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري أكد، بعد حملات تقييم ميدانية، أن المخزون الجنوبي عرف تحسناً بنسبة 13 في المائة، وأن نسبة مهمة من صغار الأخطبوط بلغت الحجم التجاري المناسب، ما جعل فتح الموسم قراراً مؤسساً على معطيات علمية دقيقة. وعلى الجانب الموريتاني، رصد المعهد المختص استمرار هيمنة الأحجام الصغيرة داخل المياه الموريتانية، الأمر الذي جعل تمديد الإغلاق خياراً ضرورياً لتفادي استنزاف المورد وضمان إنتاج أحجام أكبر ذات قيمة تسويقية أعلى.
وفي المقابل، لم يختر المغرب فتح الموسم دون قيود، بل اعتمد مقاربة تقوم على ضبط الاستغلال من خلال نظام حصص صارم. فالحجم الإجمالي المسموح بصيده، والمحدد في 10,494 طناً، يعكس توجهاً واضحاً نحو تقليص الضغط على المصيدة مع الإبقاء على النشاط الاقتصادي، بما يحقق التوازن بين الاستدامة البيئية واستمرارية دخل المهنيين. وبذلك، راهن المغرب على التحكم في كميات الصيد، بينما فضلت موريتانيا التحكم في توقيت الانطلاق.
وإلى جانب الاعتبارات العلمية، يبرز البعد الاجتماعي باعتباره أحد المحددات الأساسية لقرارات تدبير القطاع. فأي تأجيل إضافي للموسم بالمغرب كان سيؤثر مباشرة على آلاف البحارة وأسرهم، خاصة داخل قرى الصيد بالأقاليم الجنوبية، حيث يشكل موسم الأخطبوط المصدر الرئيسي للدخل. أما في موريتانيا، فرغم إدراك السلطات للانعكاسات الاقتصادية للتأجيل، فإنها فضلت إعطاء الأولوية لجودة المنتوج وحماية المخزون، بما يضمن لاحقاً مردودية أكبر للصادرات.
وتكشف معطيات موسم صيد الأخطبوط لصيف 2026 أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير هذه المصيدة الاستراتيجية، مستنداً إلى مؤشرات علمية إيجابية تعكس نجاح تدابير الراحة البيولوجية، التي أسهمت في رفع الكتلة الحية للأخطبوط بنسبة 13 في المائة بالمنطقة الجنوبية.
وفي المقابل، تؤكد التجربة الموريتانية أن حماية المخزون قد تقتضي أحياناً تأجيل الاستغلال من أجل تحسين جودة المنتوج، بينما تواصل إسبانيا الاعتماد على منظومة حصص صارمة للحفاظ على استدامة مواردها البحرية.
وبين هذه المقاربات الثلاث، يظل التحدي الأكبر أمام المغرب متمثلاً في تقليص الفوارق بين مختلف المصايد الوطنية، وتطوير مخططات التهيئة بما يستجيب للخصوصيات البيئية والاقتصادية لكل منطقة، وتحقيق توازن حقيقي بين الاستدامة البيئية والعدالة المجالية والمردودية الاقتصادية، بما يضمن استمرار ريادة المملكة داخل سوق الأخطبوط العالمي، ويحافظ في الوقت نفسه على مصدر رزق آلاف البحارة الذين يشكل هذا المورد البحري عماد نشاطهم الاقتصادي.






















































































