في الوقت الذي يواصل فيه المغرب تعزيز منظومته الرقابية لحماية الثروة السمكية ومكافحة الصيد غير القانوني، يبرز إلى الواجهة نقاش مهني وقانوني متزايد حول شروط تنزيل نظام المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية (VMS) على أسطول الصيد التقليدي الذي يمثل الشريحة الأوسع اجتماعياً داخل المنظومة البحرية الوطنية. و التي يصل تعدادها الى ما يقارب 17الف وحدة.
ولا يجادل أحد اليوم في أهمية هذا الورش الاستراتيجي بعد نجاح تجربته على سفن الصيد باعالي البحار و مراكب الصيد الساحلي . و ارتقاءه الى معيار من المعايير الدولية الحديثة في تدبير المصايد البحرية، لما يوفره من إمكانيات لمراقبة أنشطة الصيد، وحماية الموارد البحرية، وتتبع تحركات السفن في حالات الطوارئ، والمساهمة في مكافحة الصيد غير القانوني والهجرة غير النظامية، فضلاً عن ضمان احترام فترات الراحة البيولوجية والمناطق البحرية المحمية.
غير أن النقاش الذي يطرحه مهنيو الصيد التقليدي لا يتعلق بمبدأ المراقبة في حد ذاته ، بل بطريقة تنزيل المنظومة الزجرية المرتبطة بها. فبينما تبدو القواعد القانونية موحدة على الورق، يكشف الواقع الاقتصادي عن تفاوت كبير بين مختلف مكونات الأسطول الوطني، وهو تفاوت يفرض التساؤل حول مدى احترام مبدأ العدالة والتناسب في تحديد العقوبات.
ويعتبر السيد مولاي الحسن الطالبي، أحد أبرز الفاعلين المهنيين في قطاع الصيد التقليدي، أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في جهاز المراقبة ذاته، وإنما في مساواة القانون بين وحدات صيد تختلف جذرياً من حيث حجم الاستثمار والقدرة المالية وطبيعة النشاط. فالقارب التقليدي الذي لا تتجاوز قيمته في كثير من الحالات بضعة آلاف (خمسة الآف) من الدراهم، يجد نفسه خاضعاً لنفس المنظومة الزجرية التي تطبق على سفن ووحدات صيد صناعية تصل قيمتها الاستثمارية إلى ملايين الدراهم.
وهنا تبرز مفارقة قانونية واقتصادية يصعب تجاهلها. فالغرامة التي قد تمثل مجرد تكلفة تشغيلية محدودة بالنسبة لسفينة كبيرة، قد تتحول بالنسبة لقارب تقليدي إلى عقوبة تهدد استمراريته وتعرض صاحبه لخسارة وسيلة عيشه الوحيدة. وفي مثل هذه الحالات، تفقد العقوبة وظيفتها الأصلية كوسيلة للتقويم والردع، لتتحول إلى عبء اجتماعي واقتصادي قد تكون آثاره أكبر من المخالفة نفسها.
وتزداد حساسية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالأعطاب التقنية أو الانقطاعات غير المقصودة في عمل أجهزة التتبع. فالقوارب التقليدية تشتغل في ظروف تختلف عن تلك المتوفرة للأساطيل الكبرى من حيث الإمكانيات التقنية وسرعة الصيانة والدعم اللوجستي. لذلك يرى عدد من المهنيين أن التعامل مع جميع حالات الانقطاع أو الخلل بمنطق واحد قد يؤدي إلى الخلط بين المخالفة العمدية وبين الأعطاب التقنية الخارجة عن إرادة البحار أو مالك القارب.
وفي العمق، يطرح هذا الملف سؤالاً جوهرياً حول مفهوم العدالة التنظيمية داخل قطاع الصيد البحري. فالمساواة القانونية لا تعني دائماً تحقيق العدالة. إذ إن التعامل مع أوضاع مختلفة بالوسائل نفسها قد يفضي أحياناً إلى نتائج غير عادلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاعات تعرف تفاوتاً كبيراً في الإمكانيات والاستثمارات والقدرة على تحمل المخاطر المالية.
ومن هذا المنطلق، يدعو عدد من الفاعلين المهنيين إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة وتدرجاً في العقوبات، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة كل نشاط وحجم الاستثمار والقدرة الاقتصادية للوحدة البحرية المعنية. كما يقترحون التمييز بين المخالفات المتعمدة الرامية إلى التحايل على القانون وبين الأخطاء التقنية أو الإدارية التي يمكن معالجتها من خلال الإنذار أو برامج المواكبة والتأطير.
ويؤكد مولاي الحسن الطالبي أن قطاع الصيد التقليدي المصنف في منظمة التغذية و الزراعة صيدا انتقائيا و صديق للبيئة، كان دائماً في طليعة المدافعين عن استدامة الموارد البحرية، باعتبار أن رزق الآلاف من الأسر الساحلية مرتبط مباشرة بصحة المخزون السمكي واستمرارية المصايد. مشيرا تحذيره لا يمثل دعوة الى إعفاء هذه الفئة من المراقبة أو من احترام القانون، بل في ضمان تنزيل عادل ومتوازن للمنظومة القانونية، بما يحقق أهداف المراقبة والحفاظ على الثروة السمكية دون الإضرار بالفئات الأكثر هشاشة داخل القطاع.
هذا، ويشكل انتقاد السيد مولاي الحسن الطالبي لما اعتبره افتقاد مشروع القانون لبعض مقومات الموضوعية والواقعية، مناسبة لإعادة فتح نقاش أوسع حول عدد من النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لقطاع الصيد البحري، والتي باتت في حاجة إلى مراجعة وتحيين يواكبان التحولات السوسيو-اقتصادية والبيئية التي يشهدها القطاع.
فالكثير من المقتضيات القانونية والتنظيمية وضعت في سياقات مختلفة عن تلك التي يعيشها القطاع اليوم، قبل أن تفرض التغيرات المناخية، وتقلبات المصايد، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع جاذبية بعض المهن البحرية، معطيات جديدة تستدعي إعادة النظر في عدد من الآليات التدبيرية والزجرية. ذلك أن بعض القوانين والقرارات، وإن كانت تستهدف تنظيم النشاط وحماية الموارد البحرية، قد تتحول في بعض الحالات إلى أعباء إدارية أو اختلالات قانونية غير مقصودة عندما لا تواكب تطور الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمهنيين.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في سن مزيد من القوانين أو تشديد المراقبة، بل في بناء منظومة قانونية مرنة وعادلة وقادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة البيئية وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي وحماية النسيج الاجتماعي المرتبط بالبحر.حيث يبقى نجاح ورش تعميم أجهزة المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية مقرونا ليس فقط بعدد الوحدات المجهزة أو حجم المخالفات المسجلة، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة والرقابة من جهة، وضمان العدالة الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى. فالقوانين الناجحة ليست فقط تلك التي تفرض الانضباط، بل تلك التي تراعي الفوارق الواقعية بين الفاعلين وتكسب ثقتهم وانخراطهم في تحقيق الأهداف المشتركة.
وفي زمن أصبح فيه الاقتصاد الأزرق أحد الرهانات الاستراتيجية للمغرب، فإن حماية البحر تظل هدفاً مشروعاً وضرورياً، لكن حماية الإنسان الذي يعيش من البحر تظل هي الأخرى جزءاً لا يتجزأ من معادلة الاستدامة. فالتنمية البحرية لا يمكن أن تقوم على الرقابة وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى العدالة والإنصاف والشعور المشترك بالمسؤولية بين الإدارة والمهنيين من أجل بناء قطاع أكثر توازناً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.






















































































