في خطوة تعكس التحول المتسارع في مقاربة المغرب لأزمة الإجهاد المائي، يتجه المجمع الشريف للفوسفاط إلى تعزيز حضوره في مجال تحلية مياه البحر من خلال إحداث شركتين تابعتين مخصصتين لأنشطة تحلية المياه ونقلها، بما يرفع من مستوى تنظيم وتدبير منظومة مائية باتت تشكل أحد الرهانات الاستراتيجية للمملكة.
ويأتي هذا التوجه بموجب المرسوم رقم 2.26.547 الصادر في 23 يوليوز 2026، والذي يأذن لشركة OCP Green Water، التابعة للمجمع الشريف للفوسفاط، بإحداث شركتين تابعتين تتوليان تدبير أنشطة مرتبطة بتحلية مياه البحر ونقلها، في إطار إعادة هيكلة الأصول والأنشطة المرتبطة بهذا القطاع.
وتنص الهندسة الجديدة على إحداث شركة مخصصة للمنطقة الوسطى، التي تشمل آسفي وبنجرير واليوسفية ومراكش، وأخرى للمنطقة الشمالية، تمتد أنشطتها من الجرف الأصفر والجديدة إلى الدار البيضاء وخريبكة.
410 ملايين متر مكعب سنوياً
وتكشف المعطيات المرتبطة بالمشروع عن حجم طموح كبير، إذ تستهدف منشآت التحلية المرتبطة بالمنطقة الوسطى قدرة إنتاجية تصل إلى 195 مليون متر مكعب سنوياً، مقابل 215 مليون متر مكعب سنوياً للمنطقة الشمالية، بما مجموعه 410 ملايين متر مكعب سنوياً.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد توسع في الطاقة الإنتاجية للمياه المحلاة، بل تكشف عن تحول تدريجي في موقع الماء داخل النموذج الصناعي والاستثماري للمجمع الشريف للفوسفاط، الذي بات يتعامل مع الموارد المائية باعتبارها عنصراً أساسياً لاستمرارية النشاط الصناعي واستدامته.
وتندرج العملية، وفق المعطيات الواردة في الوثيقة الرسمية، ضمن استراتيجية تهدف إلى تأمين حاجيات المجمع من المياه الصناعية عبر موارد مائية مستحدثة، مع توسيع نطاق الاستفادة من منشآت تحلية مياه البحر لتشمل، إلى جانب الاستخدامات الصناعية، مياه الشرب ومياه الري.
من تأمين الحاجيات الصناعية إلى خدمة منظومة مائية أوسع
ويكتسب المشروع أهمية إضافية من كونه لا يحصر التحلية في تلبية حاجيات القطاع الصناعي، بل يربطها بمنظومة أوسع من الاستخدامات، في سياق وطني تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية التقليدية.
فالمغرب يواجه خلال السنوات الأخيرة تحديات متزايدة بفعل توالي فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية، وهو ما دفع الدولة إلى تسريع الاستثمار في مصادر غير تقليدية للمياه، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة المجمع الشريف للفوسفاط جزءاً من تحول أعمق، تنتقل فيه التحلية من كونها حلاً تقنياً لتوفير المياه إلى رافعة استراتيجية للأمن والسيادة المائية، قادرة على دعم النشاط الصناعي والمساهمة في توفير المياه لفائدة قطاعات ومجالات أخرى.
إعادة تنظيم الأصول وفتح الباب أمام الشراكات
ولا تقتصر أهمية إحداث الشركتين على الجانب التشغيلي، إذ تشير المعطيات الرسمية إلى أن إعادة تنظيم الأصول والأنشطة المرتبطة بالتحلية والنقل تستهدف أيضاً تحسين الحكامة والشفافية المالية، إلى جانب تطوير آليات للتمويل المهيكل وتهيئة الظروف أمام إقامة شراكات مع فاعلين عموميين ومستثمرين خواص.
وتعكس هذه المقاربة رغبة في الانتقال من نموذج يعتمد على إنجاز مشاريع منفردة إلى بناء منظومة مؤسساتية متخصصة يمكنها استقطاب التمويل والخبرات والشراكات، بما يواكب ضخامة الاستثمارات المطلوبة في قطاع تحلية مياه البحر.
كما أن فصل أنشطة التحلية والنقل ضمن كيانات متخصصة قد يسمح، على المدى المتوسط، بإضفاء مزيد من الوضوح على الأصول والاستثمارات والتدفقات المالية المرتبطة بالمياه، فضلاً عن تحسين القدرة على تطوير نماذج اقتصادية وتمويلية ملائمة لهذا النوع من البنيات التحتية.
مسار بدأ داخل المجمع ويتجه نحو مرحلة التنفيذ
ويأتي المرسوم الحكومي بعد مسار مؤسساتي سبق صدوره، إذ وافق مجلس إدارة المجمع الشريف للفوسفاط على إنجاز العملية في مارس 2025، قبل أن يصادق عليها مجلس إدارة OCP Green Water في فبراير 2026.
وبصدور المرسوم الجديد، تدخل العملية مرحلة جديدة على مستوى الهيكلة القانونية والتنظيمية، بما يمهد لإحداث الشركتين وفق الإطار الذي حدده النص التنظيمي.
وقد حُددت مدة الإذن في سنة واحدة ابتداءً من تاريخ نشر المرسوم بالجريدة الرسمية، وهو ما يضع الفاعلين المعنيين أمام مرحلة تتطلب ترجمة الإطار القانوني الجديد إلى ترتيبات عملية ومالية وتشغيلية.
الماء كجزء من استدامة الصناعة
وتتجاوز دلالة المشروع، في نهاية المطاف، حدود إحداث شركتين جديدتين. فاختيار الاستثمار بقوة في التحلية يعكس إدراكاً متزايداً بأن مستقبل عدد من الأنشطة الصناعية في المغرب أصبح مرتبطاً بمدى القدرة على تأمين موارد مائية مستقرة ومستدامة.
كما أن الجمع بين البنية التحتية للتحلية والطاقة المتجددة وآليات التمويل والشراكات يفتح الباب أمام نموذج أكثر استدامة لإنتاج المياه ونقلها وتوزيعها، خصوصاً في ظل الحاجة إلى الحد من كلفة الطاقة والانبعاثات المرتبطة بعمليات التحلية.
وبقدرة مستهدفة تبلغ 410 ملايين متر مكعب سنوياً في المنطقتين الوسطى والشمالية، يبرز رهان OCP Green Water باعتباره أحد المشاريع التي يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين الصناعة والماء في المغرب، عبر الانتقال من منطق تدبير الندرة إلى بناء قدرات جديدة لإنتاج المورد المائي.
وهكذا، فإن إحداث الشركتين لا يبدو مجرد عملية لإعادة ترتيب الأصول، وإنما يمثل حلقة ضمن توجه استراتيجي أوسع، يجعل من الاستثمار في الماء ركيزة لاستدامة النشاط الصناعي، وأداة لدعم الأمن المائي، ومكوناً من مكونات السيادة الاقتصادية والمائية للمملكة.






















































































