في مقاله المنشور بموقع Maghreb Intelligence تحت عنوان «Sebta, ou le paradoxe marocain»، يفتح الكاتب والفاعل الاقتصادي في قطاع الصيد البحري والصناعات السمكية محمد زبدي نافذة مختلفة على واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في المشهد المغربي الراهن: استمرار تطلع جزء من الشباب إلى الرحيل، في وقت راكم فيه المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات تنموية ومادية عميقة غيّرت وجه البلاد ومظاهر الحياة فيها.
ولا يتوقف زبدي عند الصورة النمطية لسبتة باعتبارها عنواناً للهجرة أو أزمة حدود بين فضاءين، وإنما يحولها إلى سؤال عن الإنسان المغربي نفسه: ماذا يعني أن يعيش شاب في بلد تغيرت بنيته التحتية والاقتصادية بهذا الحجم، وأن يرى أمامه طرقاً سيارة وموانئ وقطارات ومناطق صناعية وجامعات ومشاريع كبرى، ثم يظل يشعر، مع ذلك، بأن مستقبله قد يكون في مكان آخر؟
يبدأ الكاتب من صورة تختزل مفارقة كاملة: شباب مغاربة ينظرون إلى بضعة كيلومترات من التراب كما لو أنها بوابة إلى عالم مختلف. غير أن ما يبحثون عنه، في قراءة زبدي، ليس أوروبا وحدها، وإنما الإمكانية ـ possibilité ؛ إمكانية أن يبدأ الإنسان من موقع متواضع ثم يتقدم، أن يحصل على فرصة، أن يجد عملاً، أن يطور نفسه، وأن يشعر بأن المستقبل ليس مغلقاً أمامه. ومن هنا تتحول سبتة من قضية جغرافية وحدودية إلى رمز لأزمة الأفق.
ولا ينطلق زبدي من إنكار المنجز المغربي، بل على العكس. فهو يستحضر ما راكمه المغرب خلال العقود الأخيرة من طرق سيارة وموانئ وقطارات فائقة السرعة ومناطق صناعية وجامعات ومشاريع طاقية كبرى، إلى جانب انتقال الاقتصاد إلى مجالات صناعية وتصديرية جديدة، واستقطاب الاستثمارات الدولية، وتعزيز الحضور الاقتصادي للمملكة على المستوى الإفريقي. وخلال جيل واحد، استطاع المغرب أن يبني بنية تحتية كان من الصعب تصورها قبل ثلاثة عقود.
غير أن المفارقة تبدأ هنا بالضبط : فالنجاح التنموي لا يلغي الأسئلة الجديدة، وإنما ينتجها . فكلما تطور البلد، ارتفعت معه تطلعات مواطنيه، وخصوصاً الأجيال الصاعدة. وهكذا ينتقل السؤال من : ماذا بنى المغرب؟ الى: ما هي انتظارات الشباب من هذا المغرب؟
وتزداد المسألة تعقيداً مع الثورة الرقمية التي غيرت منظور الشاب لنفسه وللعالم من حوله، حيث يتسع افق المقارنة خارج المحيط الاجتماعي للاسرة و الحي و المدينة الى عوالم خارج الحدود بفضل الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي ، التي تنقل بصورة شبه لحظية، أنماطاً أخرى للحياة والعمل والاستهلاك والنجاح. وهكذا تصبح التطلعات معولمة قبل أن تصبح الفرص والمداخيل معولمة.
ومن هنا يتجاوز زبدي التفسير التقليدي للإحباط المتولد من الفقر، إلى اعتباره أيضاً نتاجاً للمسافة بين ما يراه الإنسان ممكناً وما يعتقد أنه في متناوله فعلاً. وهذه المسافة قد تكون أكثر إيلاماً من الحرمان المادي وحده، لأنها تضع الإنسان أمام عالم واسع من الإمكانات، بينما تجعله يشعر أن نصيبه منها محدود أو مؤجل أو بعيد.
وفي هذه النقطة يصل المقال إلى أحد أعمق مفاهيمه”المصعد الاجتماعي”. فالمجتمعات تستطيع أن تتحمل قدراً من التفاوت الاقتصادي والاجتماعي إذا ظل الاعتقاد قائماً بأن الإنسان يستطيع تغيير موقعه من خلال التعليم والعمل والكفاءة والاجتهاد. لكن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما يترسخ الاعتقاد بأن مكان الولادة والعائلة والظروف الأولى هي التي تحدد المصير النهائي. وهنا يصبح الخطر الحقيقي، كما يقول الكاتب، ليس أن يبدأ الشاب من الصفر، وإنما أن يفقد الإيمان بأنه يستطيع الصعود.
ولهذا فإن القضية تصبح متعلقة بإعادة بناء الإعتقاد والثقة بالحراك الاجتماعي، أن يعتقد الإنسان بأن الجهد يمكن أن يؤدي إلى نتيجة، وأن التعليم يمكن أن يفتح باباً، وأن الوظيفة الأولى يمكن أن تكون بداية لمسار، وأن الخطأ أو الفشل لا يعنيان نهاية الطريق.
وينتقل المقال بعد ذلك إلى شريحة أخرى من المشكلة، هي تآكل المؤسسات الوسيطة. فقد كانت الأسرة المغربية تؤدي تاريخياً دوراً مركزياً في حماية الفرد وتأطيره ومساعدته على الانتقال إلى الحياة العملية، بل كانت في بعض الحالات جزءاً من شبكة الحصول على أول فرصة للعمل. لكن التمدن وتغير أنماط الحياة وتصاعد الفردانية أدت إلى تغير هذه الوظائف.
والمشكلة، في نظر الكاتب، ليست في تغير الأسرة في حد ذاته، وإنما في أن المؤسسات الأخرى لم تتمكن دائماً من ملء الفراغ. فالمدرسة تقدم المعرفة والشهادة، لكنها لا تنجح دائماً في خلق شغف التعلم. والمقاولة توفر العمل، لكنها ليست دائماً فضاءً كافياً للتكوين والإبداع. أما الجمعيات والنوادي الرياضية ودور الشباب والمؤسسات الثقافية، فلا تتوفر في كل المجالات على الحضور والكثافة المطلوبين. وهكذا تظهر مساحة فارغة بين الأسرة والدولة، يمكن أن تتسع فيها العزلة والانقطاع والشعور بأن النجاح يوجد في مكان آخر. ومن هنا يصل محمد زبدي إلى أطروحته المركزية: بعد البنى التحتية الاقتصادية، يجب على المغرب الآن بناء ما يمكن تسميته بالبنى التحتية للثقة. فالمغرب بنى الموانئ والطرقات والسدود والمناطقة الصناعية و اللجيستية ، لكنه يحتاج كذلك إلى بناء البيئة الاجتماعية التي تجعل الإنسان قادراً على الاستفادة من هذه المنجزات. وبنية الثقة هنا تعني، في تصور الكاتب، مدرسة جيدة، وفضاءً رياضياً، ونشاطاً ثقافياً، وتوجيهاً، وتكويناً مهنياً، ومقاولة تمنح الفرصة الأولى، ومؤسسة ترافق الإنسان عندما يتعثر. إنها، في جوهرها، أنسنة للتنمية ، حتى لا تبقى آثارها محصورة في العمران والإسمنت.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز رؤية محمد زبدي للمدرسة وظيفتها التعليمية التقليدية، لتستعيد دوراً أساسياً في تصحيح تفاوتات البداية. فالطفل لا يولد في الظروف نفسها، ولذلك يفترض أن تكون المدرسة إحدى أهم الآليات التي تمنحه فرصة حقيقية لتجاوز ظروفه الأولى. وهنا تتحول إلى فضاء لتعلم العمل واتخاذ القرار والتعاون والتواصل والإبداع وريادة الأعمال، وليس فقط إلى مؤسسة للحصول على الشهادات، دون أن يعني ذلك إلغاء المعرفة الأكاديمية، وإنما ربطها بالحياة.
أما المقاولة، فيراها الكاتب شريكاً في صناعة رأس المال البشري. وهنا يطرح زبدي المفارقة الكبرى التي يعيشها الشباب حديثو التخرج: الشباب لا يتم توظيفهم لأنهم لا يمتلكون الخبرة، وبالمقابل لا يستطيعون اكتساب الخبرة لأن أحداً لا يريد توظيفهم.
ومن ثم يصبح التكوين والتكوين المستمر والتكوين التطبيقي والحوافز على التشغيل أدوات للدينامية الاجتماعية، وليس مجرد سياسات اقتصادية. فالوظيفة الأولى قد تكون بداية الاستقلال المادي، وبناء شبكة العلاقات، واكتساب الخبرة، وتعزيز الثقة بالقدرة على التقدم.
ولا يضع المقال الدولة والمجتمع وحدهما أمام المسؤولية. ففي القسم المتعلق بالعقد الاجتماعي، يذهب الكاتب إلى أن العلاقة مع الشباب يجب أن تكون متبادلة. فإذا كان المجتمع مطالباً بتوفير الحقوق والفرص، فإن الشباب مطالبون بدورهم بالالتزام والمشاركة وخدمة الصالح العام. ومن هنا يطرح الكاتب فكرة الخدمة المدنية الوطنية، عسكرية كانت أم مدنية، باعتبارها موضوعاً يستحق النقاش الجاد، مستحضراً مجالات مثل البيئة، والمساعدة الاجتماعية، وصيانة التراث، ومحو الأمية، والتحول الرقمي. فالعمل الجماعي يمكن أن يجمع شباباً من أوساط اجتماعية وجغرافية مختلفة، ويمنحهم في الوقت نفسه خبرات عملية وإحساساً بالانتماء إلى جماعة وطنية واحدة.
وتبلغ المقالة ذروتها في التمييز بين الرحيل والهروب. فالكاتب لا يرى أن نجاح المغرب يعني بالضرورة أن يتوقف أبناؤه عن السفر او الرحيل و الهجرة . ففي مجتمع منفتح وحيوي، يظل التنقل مصدراً للخبرة والتبادل الثقافي والاقتصادي، وفرصة لاكتشاف العالم واكتشاف الذات. غير أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الرحيل شرطاً مسبقاً للنجاح . وهنا يكمن الفرق بين شخص يسافر لأنه يريد اكتشاف العالم وبناء تجربة جديدة، وشاب يشعر بأنه لا يستطيع تحقيق ذاته إلا إذا غادر وطنه. فالهدف ليس منع الرحيل، وإنما جعل الرحيل اختياراً لا هروباً، وجعل العودة أيضاً احتمالاً مرغوباً.
وفي النهاية يعيد زبدي سبتة إلى مكانها الرمزي. فالقضية لا تحل عند الحدود وحدها، لأنها تبدأ من الأحياء والمدارس والمقاولات والملاعب والفضاءات الثقافية، ومن كل مكان يسأل فيه شاب نفسه: هل يمكنني أن أبني مستقبلي هنا؟
وهذا ما يجعل سبتة في المقال أشبه بمؤشر على شيء يحدث بعيداً عن الحدود. فالحدود قد تمنع الحركة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع القناعة بالبقاء. والخطاب قد يحاول إقناع الشباب، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الثقة. أما الأفق، فهو الذي يمكن أن يجعل الإنسان يرى في وطنه مشروعاً للمستقبل.
وقيمة مقال محمد زبدي أنه لا يضع التنمية المادية والتنمية الإنسانية في مواجهة بعضهما البعض، بل يرى أن النجاح التنموي نفسه يفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة: من بناء البنى التحتية التي تغير وجه البلاد، إلى بناء البيئة الاجتماعية التي تجعل هذا التغيير محسوساً في حياة الإنسان. ومن هنا يمكن اختزال أطروحة المقال في مسار واحد: من بناء الحجر إلى بناء الإنسان، ومن بناء الإنسان إلى بناء الأفق. فالمغرب لا يحتاج فقط إلى بنية تحتية تنقل البضائع والأشخاص، وإنما إلى بنية اجتماعية تنقل الإنسان من الهشاشة إلى الاستقلال، ومن الانتظار إلى الفعل، ومن الإحباط إلى إمكانية الصعود.
ولهذا تبدو الخاتمة التي يقترحها زبدي أكثر من مجرد جملة بلاغية : “لا نحتفظ بجيل على المدى الطويل لا بحدود ولا بخطاب. بل نحتفظ به عبر أفق.” حيث تتحول سبتة الى دعوة لإعادة تعريف معنى التنمية نفسها. فالتنمية التي لا تنتج أملاً فردياً تظل ناقصة، أما التنمية التي تجعل الإنسان يرى مستقبله ممكناً في وطنه، فتكون قد انتقلت من بناء الأشياء إلى بناء المستقبل. لقد كان بناء الحجر ضرورة، أما بناء الأفق فهو ما يمنح لكل ذلك الحجر معنى في حياة الإنسان.
كتبها للمغرب الأزرق الاستاذ حاميد حليم
∗مستشار في الاعلام البحري و التواصل






















































































