مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية، يصبح تقييم حصيلة المنتخبين، وخاصة ممثلي القطاعات المهنية، ضرورة تفرضها قواعد المساءلة أكثر مما تفرضها الحسابات السياسية. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي منتخب لا يقاس فقط بعدد المداخلات أو الانتماء الحزبي، وإنما أيضًا بمدى حضوره في القضايا التي تهم الفئات التي يمثلها، وبقدرته على الترافع عنها داخل المؤسسات وخارجها.
ويكتسي هذا التقييم أهمية خاصة في قطاع الصيد البحري، بالنظر إلى خصوصيته وتعقيد ملفاته وتشابك رهاناته الاقتصادية والاجتماعية. كما أن هذا القطاع ظل، على امتداد سنوات، أحد أكثر القطاعات تنظيمًا، وشكل رافدًا مهمًا للأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي راكم فيه حضورًا مؤسساتيًا ومهنيًا وازنًا.
وانطلاقًا من هذا المنظور، تفرض حصيلة كمال صبري، المستشار البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، نفسها ضمن التجارب التي تستحق القراءة والتقييم. فالرجل لم يلج المؤسسة التشريعية من فراغ، بل راكم قبل ذلك تجربة مهنية امتدت لسنوات، ارتبط خلالها اسمه بمواكبة عدد من أوراش استراتيجية “أليوتيس” والإسهام في تنزيلها ميدانيًا، إلى جانب مساهمته في تدبير ملفات مهنية كبرى عرفها القطاع منذ سنة 2009.
فمن موقعه رئيسًا لغرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية، ورئيسًا للكنفدرالية الوطنية للصيد الساحلي، ورئيسًا لفدرالية مراكب الصيد بالخيط، كان حاضرًا في مختلف مراحل تنزيل الإصلاحات التي شهدها القطاع، سواء تعلق الأمر بتعميم الصناديق البلاستيكية الموحدة، أو إعادة تنظيم أسواق السمك، أو تنزيل نظام الرصد والتتبع عبر الأقمار الصناعية، فضلًا عن مساهمته في تجاوز تعثر مشروع التموين الإضافي للأسماك السطحية بميناء بوجدور، ومواكبة تنظيم عملية التناوب بميناء الداخلة، في ظرفية اتسمت بحساسية مهنية وسياسية كبيرة.
كما ارتبط اسمه، خلال هذه المرحلة، ببناء توافقات مهنية ساهمت في تعزيز الحضور التنظيمي لحزب التجمع الوطني للأحرار داخل قطاع الصيد البحري، حيث لعب دورًا في استقطاب عدد من الفاعلين المهنيين، والمساهمة في تشكيل تحالفات مكنت الحزب من تعزيز حضوره داخل غرف الصيد البحري وجامعتها وعدد من الهيئات المهنية.
غير أن تقييم أي تجربة لا يكتمل بالعودة إلى الماضي فقط، وإنما يقتضي الوقوف عند أداء صاحبها خلال الولاية التشريعية الحالية.
فمنذ انتخابه مستشارًا برلمانيًا ، سجل كمال صبري حضورًا في عدد من الملفات المرتبطة مباشرة بقطاع الصيد البحري، من خلال مداخلاته وأسئلته البرلمانية ومواكبته لعدد من القضايا المهنية، وفي مقدمتها الوضع الاجتماعي لذوي حقوق البحارة المفقودين، والنقل البحري، وإكراهات الصيد التقليدي، وسبل تطوير القطاع وتحسين أوضاع العاملين به.
كما اتسمت مواقفه بقدر من الوضوح في ملفات أثارت، ولا تزال، نقاشًا واسعًا داخل الأوساط المهنية، من بينها تدبير مصيدة التون الأحمر، ومصفوفة الأخطبوط، وإقصاء أسطول الصيد بالخيط من مخطط تهيئة مصيدة الأخطبوط، إضافة إلى ملف الإنقاذ البحري وعائدات “مبادرة الحوت بثمن معقول” التي تقدر بحوالي 15 مليار سنتيم …. وهي ملفات تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية، وتتشابك حولها المصالح، الأمر الذي جعلها مجالًا لاختلافات حادة بين مختلف الفاعلين.
ورغم أن عددًا من هذه القضايا لم يعرف التجاوب الذي كانت تنتظره الهيئات المهنية، فإن ذلك لا ينفي أن الرجل اختار أن يجعل منها موضوعًا للترافع داخل المؤسسة التشريعية و في جميع اللقاءات ذات الشأن بقطاع الصيد البحري ، وهو ما يدخل في صميم الدور الرقابي والتمثيلي المنوط بالبرلماني، حتى وإن ظلت مسؤولية اتخاذ القرار النهائي بيد القطاعات الحكومية المختصة.
وفي المقابل، فإن هذه المواقف نفسها جعلته محل انتقادات من بعض الفاعلين داخل القطاع، بل إن جانبًا من هذا الجدل جاء، بحسب ما يتداوله عدد من المتابعين للشأن المهني، من داخل محيطه الحزبي والمهني، أكثر مما جاء من خارجه. ويبدو أن الاختلاف حول بعض الملفات الاستراتيجية تحول، في أحيان كثيرة، من نقاش حول السياسات العمومية إلى سجال شخصي، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة التنظيمات السياسية والمهنية على استيعاب تعدد الآراء، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات ترتبط بمصالح متشابكة.
وفي سياق تقييم الحصيلة، يصعب إنكار أن كمال صبري ظل من بين أكثر ممثلي قطاع الصيد البحري حضورًا في النقاشات المرتبطة بقضايا المهنة، سواء داخل مجلس المستشارين أو من خلال مواكبته الميدانية لعدد من الملفات. وهذا المعطى لا يمنع من إخضاع تجربته للنقد والتقييم، لكنه في الوقت نفسه يفرض أن يتم ذلك انطلاقًا من حصيلة العمل والمواقف، لا من منطلقات الاصطفاف أو الخلافات الظرفية.
ولعل السؤال الأهم الذي تثيره هذه التجربة يتجاوز شخص كمال صبري في حد ذاته، ليمتد إلى كيفية تدبير الأحزاب لرصيدها البشري داخل القطاعات المهنية. فإذا كان قطاع الصيد البحري قد شكل، لسنوات، أحد أبرز روافد حزب التجمع الوطني للأحرار و الذي يعد بيجديكن و عكاشة أحد أعلامه ، فإن الحفاظ على هذا الرصيد يقتضي تثمين الكفاءات، وإدارة الاختلاف بمنطق الحوار، لا بمنطق الإقصاء.
إن تقييم حصيلة أي منتخب أو اي فاعل في القطاع لا ينبغي أن يتحول إلى مرافعة عنه أو محاكمة له ، وإنما إلى قراءة موضوعية لما قدمه من عمل، وما دافع عنه من قضايا، وما تركه من أثر داخل القطاع الذي يمثله. فذلك وحده هو المعيار الذي يمنح التقييم معناه، ويجعل ذاكرة المؤسسات أقرب إلى الإنصاف منها إلى الانتقائية.
كتبها للمغرب الأزرق الأستاذ حاميد حليم
*المستشار في الاعلام البحري و التواصل.
*عضو المرصد الإعلامي للصيد المستدام و الاقتصاد الأزرق بأفريقيا.





















































































