ونحن على مشارف انتخابات غرف الصيد البحري، يتجدد النقاش حول مستقبل التنظيم المهني للقطاع، في سياق أوسع يتسم بإعادة النظر في العلاقة بين المركز والجهات، وتنامي الحاجة إلى تطوير آليات اتخاذ القرار داخل القطاعات الاقتصادية ذات الامتداد الترابي المباشر.
غير أن الإشكال اليوم لم يعد مرتبطاً بالبنية المؤسساتية فقط، بل بطبيعة القرار العمومي داخل قطاع الصيد البحري، ومدى قدرته على استيعاب التباينات الجهوية العميقة التي تميز السواحل المغربية.
فعدد من القرارات التنظيمية، مثل توقيف نشاط الصيد أو تحديد فترات الراحة البيولوجية، تُتخذ مركزياً وبصيغة موحدة، رغم اختلاف الواقع الاقتصادي والاجتماعي والبحري بين جهة وأخرى. ورغم أن هذا التوحيد يجد مبرراته في منطق تدبير الثروة السمكية على المستوى الوطني، إلا أنه يُنتج آثاراً غير متكافئة، تتحملها بعض الجهات أكثر من غيرها، بحسب اختلاف الأساطيل والبنيات الإنتاجية ومستوى الارتباط الاقتصادي بالنشاط البحري.
هنا يتجلى ما يمكن وصفه بـ”الاختلال الصامت” في تدبير القطاع، حيث تتحول بعض الاقتصادات الجهوية إلى متلقٍ لقرارات تُصاغ بمنطق وطني عام، دون إدماج كافٍ للفوارق الميدانية أو الخصوصيات المحلية لكل مجال بحري. وهو ما يطرح سؤال مدى ملاءمة القرار العمومي مع مبدأ الإنصاف المجالي ومع متطلبات الحكامة الترابية الحديثة.
ومن الناحية المعيارية، يفترض أن تستند القرارات التنظيمية في قطاع الصيد البحري إلى تقييم متكامل ومترابط للأثر البيئي والاقتصادي والاجتماعي، بما يضمن التوازن بين استدامة الثروة السمكية من جهة، واستقرار النسيج السوسيو اقتصادي المحلي من جهة أخرى. غير أن الواقع العملي يُظهر أن بعض التدابير، خصوصاً تلك المتعلقة بتمديد الراحة البيولوجية أو توقيف الصيد، تُبرر باعتبارات بيئية مشروعة على المستوى الوطني، لكنها لا تُدمج دائماً بشكل كافٍ في تقدير آثارها الجهوية المباشرة، سواء على الصيادين أو على سلاسل الإنتاج المرتبطة بالدائرة البحرية المعنية.
وبذلك، قد تُحدث هذه القرارات آثاراً غير متوازنة بين الجهات، حيث تتحمل بعض المناطق الساحلية الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، في حين تستفيد أخرى بشكل غير مباشر من إعادة توزيع المجهود الاستغلالي، دون أن تكون في نفس مستوى التأثر أو التحمل.
وهنا يبرز جوهر الإشكال، ليس في مشروعية الأهداف، بل في مدى شمولية القرار في احتساب أبعاده المختلفة، وقدرته على تحقيق توازن فعلي بين البعد البيئي والبعد الاقتصادي والاجتماعي الترابي، في إطار رؤية مندمجة للسياسة العمومية في مجال الصيد البحري. ويظل هذا المسار ناقصاً في غياب تمثيلية جهوية فاعلة إلى جانب المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، وغرف الصيد البحري ومؤسساتها التمثيلية، فضلاً عن الجماعات الترابية والسلطات المحلية باعتبارها الأقرب إلى الفاعلين والساكنة.
إن إحداث غرف صيد بحري جهوية من شأنه إرساء مقاربة مختلفة في تدبير القرار، تقوم على المعطيات الفعلية لحالة المخزون داخل كل دائرة بحرية جهوية، مع مراعاة خصوصيات كل أسطول من حيث حجمه وقدرته الاستيعابية وطبيعة نشاطه. كما سيساهم هذا الإطار في ترشيد تدبير المصايد وتعزيز الحكامة، عبر إشراك مؤسسات جهوية تمثل الفاعلين المحليين، بما يحد من منطق القرار الأحادي، ويقلص من تأثير الاعتبارات الخارجية غير المرتبطة مباشرة بالواقع الترابي، ويعزز في المقابل التوازن بين الاستدامة البيولوجية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن استمرار هذا الوضع يعمق نوعاً من الارتهان الاقتصادي غير المباشر، حيث تتأثر بعض الجهات بقرارات وطنية لا تعكس بالضرورة أولوياتها أو توازناتها الداخلية. ويتعلق الأمر هنا بإشكال في تمثيل الصوت الجهوي داخل مسار صناعة القرار، أكثر مما هو مجرد إشكال تقني في التدبير.
وفي غياب غرف صيد بحري جهوية قوية وذات تمثيلية حقيقية، يظل النقاش حول السياسات القطاعية محصوراً في المستوى المركزي، دون آلية كافية لإدماج الرؤية الجهوية في مرحلة بلورة القرار، وليس فقط عند تنفيذه، وهو ما يحد من قدرة الفاعلين المحليين على التأثير المبكر في القرارات التي تمس الاستثمار والتشغيل والاستقرار الاجتماعي.
في المقابل، فإن إحداث غرف صيد جهوية سيشكل مدخلاً أساسياً لإعادة التوازن بين وحدة القرار الوطني وضرورة تكييفه مع الواقع الجهوي. فكل جهة ساحلية تمتلك منظومة اقتصادية بحرية خاصة بها، من أسطول وموانئ وصناعات سمكية واستثمارات ومناطق صيد، ما يجعل من الطبيعي أن يكون لها صوت مؤسساتي قادر على نقل هذا الواقع والمساهمة في صياغة القرار المرتبط به.
كما سيساهم ذلك في تطوير آليات الوساطة المؤسساتية، بما يسمح بالانتقال من منطق القرار الموحد إلى منطق القرار المتكيف جهوياً، في إطار أكثر توازناً وواقعية.
إن النقاش الحقيقي اليوم لم يعد حول مبدأ الجهوية في حد ذاته، بل حول مدى قدرة المؤسسات الوسيطة على تفعيل هذا المبدأ داخل القطاعات الاقتصادية الحيوية. ومن هنا، فإن إصلاح منظومة غرف الصيد البحري يفرض نفسه كضرورة لإعادة الاعتبار للبعد الترابي في صناعة القرار، وضمان عدالة أكبر في توزيع أثره بين مختلف الجهات الساحلية.
وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات المقبلة لغرف الصيد البحري فرصة لإعادة فتح هذا النقاش من زاوية إصلاحية شاملة، تبدأ بتحيين النظام الأساسي للغرف، وتمر عبر توسيع صلاحياتها، وصولاً إلى إعادة النظر في التقسيم الحالي للدوائر البحرية وربطها بالجهات بدل التقطيع المعتمد حالياً، بما يعيد الاعتبار للدور التمثيلي الحقيقي لهذه المؤسسات، بدل اختزالها في أدوار شكلية تُضفي مشروعية مؤسساتية على قرارات مركزية لا تعكس دائماً خصوصيات الواقع الميداني.
كتبها للمغرب الأزرق الأستاذ حاميد حليم
*المستشار في الإعلام البحري و التواصل.
*عضو المرصد الإعلامي للصيد المستدام و الاقتصاد الأزرق بأفريقيا.






















































































