زيد حميد
الكوفة /العراق
بين أزقة الكوفة المتعبة من جور السنين تنبثق الارادة المحطمة لآفات المرض والفقر وكثرة العيال ومائة عام من ارتياد الشواطئ والزوارق والأسماك أمست عصارتها بين الخيوط والمغزل وعث الفقر ورغم الشدائد والصعاب أبى الحاج أبو صالح ألا ان يركب سفينة التحدي والاباء ولم يثن العمى ارادته ومواهبه وتمسكه في تحصيل لقمة العيش الحلال من دون اراقة ماء الوجه وذل السؤال، أجابنا بصوته المتهدج عن وابل من الأسئلة رشقناها في أذنه ضعيفة السمع: عمري مائة عام وأعمل في هذه الصنعة منذ عهد عبد السلام عارف وحتى الآن وعلمت أولادي وزوجتي ليساعدوني في بعض مراحل العمل، كنت في بادئ الأمر صيادا حينما كانت عيناي تبصران طريق الحياة وبعدما أصيبتا بالعمى لم أتنازل للفقر والحاجة وقمت بعمل الشباك حيث يقوم أولادي بتهيئة الخيوط الخاصة بالشباك من الأسواق المحلية ولدي عدة العمل التي بها أحوك الشبكة وأحيطها بالقطع المعدنية التي تثقلها وتكون على شكل كيس عند سحبه من الماء له القابلية على الفرش والانتشار فتعلق الأسماك به ولاتتمكن من الافلات وبطبيعة الحال ان هذه الشباك تختلف من حيث فتحاتها وأبعادها من الطول والعرض بحسب النهر او الشاطئ الذي تصطاد فيه الأسماك ويضيف أكمل شبكة واحدة كل يوم وأجني منها ربحا قدره ألفان او ثلاثة آلاف دينار فبالكاد أقتات منها وعائلتي التي تجرعت المرارات في ظل قسوة الحياة وشظف العيش وتراني منكبا على هذه الشباك أولا لأصارع الموت والأمراض مثل (العمى والقالون) ولأستأنس بوقتي وأعالج وحدتي وأوفر ما أستطيع توفيره لعيالي خصوصا وان الأولاد لا ينفكون جاهدين في تحصيل المعيشة عن طريق الأعمال الحرة في السوق.
وتحدث أبو صالح عن مرض ضعف البصر الذي ورثه عن أبيه وانتقل الى أولاده وقال بأنه مرض وراثي حيث يبدأ في مرحلة الصبا والشباب ليتحول مع أواخر الثلاثينات وبداية الأربعينات الى العمى كما حصل معي وابني الأكبر أيضا وها هو يمد أذرعه الخبيثة لينال من ابني الآخر الذي ضعف بصره جدا وهو متشبث بالنظر وأنا قلق عليه كونه لا يجيد سوى حرفة صناعة الشباك التي أخذت بالانقراض لأسباب عديدة الكل يعرفها.
هل من مغيث
وقد حدثنا ابنه الأصغر علي البالغ من العمر (36) سنة عن نفسه قائلا: أنا أساعد والدي في عمله حيث انني أقوم بتهيئة الخيوط ومستلزمات العمل بعد ان عملت في السوق بمعية والدتي بالأعمال الحرة ولكن لم نتوفق بها أبدا وبقينا نحاول من دون جدوى وتراني الآن بهذه الحال وقد ازداد نظري سوءا رغم العمليات والمراجعات كم أتمنى السفر الى ايران او الهند للعلاج قبل ان ينطفئ نورهما ولكن للأسف ليس في اليد حيلة فالمشكلة تكمن في الجانب المادي اذ لا يوجد تعيين خصوصا وحالي هذه ولم أحصل على أية نتيجة من الأعمال الحرة وأخاف كثيرا من كابوس العمى الذي بات محيقا بنا من دون رحمة ولا شفقة والشكوى لغير الله مذلة ولكن ما العمل يا ترى؟! وأنا من خلالكم أناشد المسؤولين في الحكومة وكل الخيرين بالنظر الى حالنا.
أما ولده الأكبر (الأعمى) صالح مهدي من مواليد 1966 فقال: العمى لدينا وراثي والوالد كان مذ أبصرت عيناي الحياة يعمل في صناعة الشباك وكنت حينها أعمل صيادا ولم أكن في يوم من الأيام لأختار هذه المهنة التي توارثناها أبا عن جد، حيث كانت هي الرائجة حينها وبحكم جغرافية المنطقة. وأضاف أنا حاليا لدي محل صغير لبيع المواد الغذائية هو جزء من داري حيث اشتري حاجياته بالقرضة الحسنة او كما يقولون (عالتصريف) وأبيع لأبناء المحلة… صالح ووالده الآن يعيلان العائلتين وبالكاد يسدان جزءا من احتياجاتهما.
مسيرة حافلة بالصبر والثبات
ولنا وقفة صغيرة استوعبنا من خلالها مسيرة الصبر والجهاد اللذين ابدتهما زوجته الحاجة أم صالح والتي أضعفها الفقر والسنوات العجاف من العمل في السوق بالأعمال الحرة مع ولدها علي والتي لم يجنيا منها سوى التعب وزيادة البؤس الأمر الذي اضطرها إلى ان تبقى في البيت لتعين زوجها (الأعمى) في نسج الحياة رغم تكالب الأمراض والشيخوخة على جسدها المنهك من جور السنين. أصوات الشكوى كانت متداخلة لأنهم من شدة ضنك حالهم يتكلمون بصورة جماعية طالبين الغوث وتقديم المعونة الممكنة والنظر بعين الرحمة وأصوات الأطفال الصغار تحيط بهم كأنهم هم أَيضا يطلبون منا المساعدة.
استغاثة بالضمائر الحية
قبل ان نغادر هذه العائلة المجاهدة استوقفنا حفيد الرجل الأعمى أحمد صالح مطرقا برأسه حياءً وهو شاب من مواليد 1982 وقال لنا بالحرف الواحد: أرجوكم ان توصلوا حالنا المزري الى كل الشرفاء في هذه البلاد الطيبة عسى ان يمدوا لنا يد المعونة وان يجدوا الحل لانقاذ عائلة على مشارف الانهيار بعد ان ضاقت ذرعا بالفقر والحرمان…
الا انها ما زالت على قيد الرجاء تتشبث ببريق أمل للعبور الى ضفة النجاة والخير.





















































































