بقلم الهاشمي الميموني
لم تعد معاناة مهنيي الصيد البحري الساحلي بالموانئ الشمالية للمملكة مرتبطة فقط بتقلبات الطقس أو تراجع المردودية السمكية، بل برز في السنوات الأخيرة تحدٍّ آخر يثقل كاهل أرباب القوارب والربابنة والبحارة، يتمثل في الأضرار المتكررة التي تلحقها أسماك تُعرف محليًا بين المهنيين باسم «النيكرو» (NiGRO) بشباك الصيد الدائرية المخصصة لصيد الأسماك السطحية «البيلاغية».
فخلال عمليات جمع الشباك والمحصول السمكي، تتعرض معدات الصيد للتمزيق والإتلاف، ما يترتب عنه نزيف مالي متواصل بالنسبة للمهنيين، الذين يجدون أنفسهم أمام تكاليف إضافية لإصلاح الشباك أو استبدالها، في وقت تكافح فيه العديد من الوحدات المهنية أصلًا من أجل الحفاظ على توازنها الاقتصادي والاستمرار في ممارسة نشاطها.
وتتخذ هذه الظاهرة طابعًا أكثر حدة بعدد من الموانئ الشمالية، من المضيق واشماعلة إلى الجبهة ورأس الماء، حيث يؤكد مهنيون أن الأضرار لم تعد حالات عرضية، وإنما أصبحت مشكلة متكررة تؤثر بشكل مباشر على مردودية الرحلات البحرية وعلى الدخل اليومي للربابنة والبحارة وأرباب المراكب.
وأمام تصاعد شكاوى المهنيين، جرت، وفق إفادات مهنية، محاولات للبحث عن حلول تقنية تحد من هذه الأضرار، من بينها تغيير نوعية شباك الصيد التقليدية واعتماد شباك أكثر مقاومة، من بينها شباك فرنسية الصنع تُعرف في أوساط المهنيين باسم «شباك الصينية».
وقد شكل اعتماد هذا النوع من الشباك بارقة أمل لدى عدد من المهنيين، الذين كانوا ينتظرون أن تساهم في وضع حد للخسائر التي يتسبب فيها «النيكرو». غير أن التجربة، بحسب شهادات مهنية، لم تحقق النتائج المنتظرة بشكل كامل، إذ ظل هذا النوع من الأسماك قادرًا على إحداث أضرار بالشباك، وإن كانت بدرجة أقل في بعض الحالات.
وبذلك، يرى مهنيون أن المعركة لم تُحسم بعد، وأن الحل التقني المعتمد، رغم مساهمته في الحد من حجم الأضرار، لم يصل إلى مستوى الفعالية التي كانوا يتطلعون إليها.
وفي اتصال هاتفي مع أحد مجهزي مركب للصيد بميناء الجبهة، والربان بالمركب نفسه، السيد ع. البازي، أكد أن معاناة المهنيين مع هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم.
ويقول الربان إن المهنيين «أكثر من عشر سنوات ونحن نعاني الويلات مع هذا الوحش»، مضيفًا أن استمرار الأضرار جعل عددًا من المهنيين يتحملون خسائر متراكمة من أجل الاستمرار في ممارسة مهنتهم.
وبخصوص شباك «الصينية»، أوضح المتحدث أن التجربة ساهمت في تحقيق تخفيف في حجم الأضرار يقدره بحوالي 30 في المائة، لكنه شدد في المقابل على أن هذه النسبة، رغم أهميتها، تبقى غير كافية بالنظر إلى حجم الخسائر وطبيعة الأضرار التي يتسبب فيها «النيكرو».
ويؤكد الربان أن المهنيين كانوا يأملون في أن تكون الشباك الجديدة أكثر فعالية، إلا أن استمرار تمزيقها يؤكد، من وجهة نظره، الحاجة إلى حلول إضافية وأكثر نجاعة.
ولا تتوقف مطالب المهنيين عند الجانب التقني فقط، بل تمتد كذلك إلى ملف التعويض عن الخسائر المادية الناتجة عن إتلاف معدات الصيد.
ويثير مهنيون، خصوصًا بميناء اشماعلة، مسألة عدم استفادتهم من التعويضات عن الأضرار التي يقولون إنهم يتكبدونها بشكل متكرر، معتبرين أن حجم الخسائر يستدعي معالجة عادلة وموحدة تراعي خصوصية مختلف الموانئ المتضررة.
كما يطالب مهنيون بأن تكون المقاربة المعتمدة شاملة لمختلف الموانئ الشمالية، بدل الاقتصار على معالجة الوضع في بعض الموانئ دون أخرى، مؤكدين أن الظاهرة تتجاوز حدود ميناء بعينه وأصبحت ذات تأثير مباشر على قطاع الصيد الساحلي في المنطقة.
وتكشف هذه القضية عن مفارقة صعبة يعيشها مهني الصيد الساحلي: فبينما يبحث عن لقمة عيشه وسط البحر، يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة خسائر إضافية مرتبطة بتلف وسيلة العمل نفسها.
وبالنسبة للمهنيين، فإن استمرار الوضع على حاله يعني استمرار استنزاف مواردهم المالية، خصوصًا أن الشباك تمثل إحدى أهم المعدات الأساسية في هذا النوع من الصيد، وإتلافها لا يعني مجرد خسارة معدات، بل قد يعني تعطيل النشاط وتحمل مصاريف إضافية وإضعاف مردودية الرحلات البحرية.
وأمام استمرار الظاهرة، يرفع مهنيون أصواتهم للمطالبة بفتح نقاش مهني وتقني أوسع، تشارك فيه الوزارة الوصية، وغرفة الصيد البحري المتوسطية بطنجة، والجمعيات المهنية والباحثون والمتخصصون في المجال البحري، بهدف دراسة الظاهرة بشكل علمي وتحديد أفضل الوسائل الممكنة للحد من أضرارها، كما يدعو المهنيون إلى تقييم تجربة شباك «الصينية» بشكل موضوعي، ودراسة أسباب استمرار الأضرار،






















































































