كتبها للمغرب الأزرق
محمد وعلي
بجنوح ناقلة النفط “سيلفر” بالبوابة البحرية لميناء طانطان، طفا إلى السطح خطاب جديد-قديم يحمل جهات معينة مسؤولية ما يقع بالميناء و استغلت مجموعة من المنتخبين حاجة وسائل الإعلام إلى التوضيحات ، سيما مع الرفض الممنهج لمدير وكالة الوكالة الوطنية بالموانئ السيد بنعلي للإدلاء بأي تصريح للصحافة، محملين المسؤولية الكاملة لهذا الأخير و الجهة التي يمثلها.
إن الغوص في مشكل ترسب الرمال عند المدخل البحري يتطلب استقراء ذوي الخبرة ممن عايشوا المشكل منذ بداية الأشغال بالميناء مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، مرورا بأشغال الشطر الثاني أواسط الثمانينات و نهاية بالشطر الثالث مع نهاية القرن ، و لقد سبق لعبد ربه أن أثار القضية سنة 1998 على صفحات بيان اليوم في مجموعة من التقارير و الريبورتاجات المطولة و سنحاول استعادة بعض المعطيات لنجعل المتتبعين في صورة ما وقع آنذاك.
تم الشروع في تشييد ميناء طانطان بعدما قام مكتب الدراسات الفرنسي “سوكريا”صاحب الباع الطويل في المجال المينائي بدراسة امتدت لسنوات و كان الهدف منها هو تحديد الموقع الأمثل للمنشأة البحرية و الوجهة التي ستتخذها البوابة البحرية . هذه الدراسة التي اقترحت عدة مواقع و أتى قرار الجهة المعنية أنذاك وهي مديرية الموانئ و الملك العمومي البحري التابعة لوزارة الأشغال العمومية (التجهيز و النقل و اللوجستيك حاليا) هو أن يتم تشييد الميناء في موقعه الحالي مع أخد الكلفة المالية بعين الاعتبار و بالرجوع للدراسة نجد بأنها تحذر من ترسب الرمال عند الحواجز البحرية التي سيتم إنشاؤها ، هذه الرمال مصدرها مجموعة من الأنهار التي تصب في المحيط انطلاقا من أغادير و إلى مصب وادي درعة و التي تصب حمولتها من التساقطات بما فيها من أوحال و رمال و غيرها وبما أن الرمال لا تتحلل في الماء فإن التيارات تجرها نحو الجنوب و تترسب كلما وجدت حاجزا لتكون في غالب الأحيان شطئانا رملية .
مع بداية العمل بالميناء بعد الزيارة الملكية لإقليم طانطان سنة 1985 ، تبين للجميع بأن مشكل الرمال مشكل حقيقي ، الأمر الذي استلزم صفقة ثانية همت الزيادة في العمق بالحوض البحري تجنبا لجنوح البواخر و السفن التي كانت تستعمل الميناء ، إلا أن الصفقة لم تف بالمطلوب ، مما استلزم دراسة قامت بها “سوكريا ” مرة أخرى، وكان من نتائجها إضافة حاجز بحري بطول 750 مترا و إزالة الصخور من أمام البوابة البحرية لتجد الرمال مكانا لها لمدة قد تصل إلى عشرين سنة قبل جرفها و بيعها إن اقتضى الحال .
و بناء على الدراسة ، دبرت الدولة الأموال الضرورية عن طريق قرض من الصندوق العربي للتنمية بقيمة ماءتا مليون درهما ، وتم الإعلان عن الصفقة التي شاركت فيها إلى جانب إحدى المقاولات المغربية شركات أجنبية ذات خبرة بالموانئ و كانت المفاجأة هي فوز الشركة المغربية بالصفقة بعد عرض ب198.200.000 درهما و هو رقم لا يبتعد كثيرا عن الرقم السري الذي افترضته مديرية الموانئ و الملك العمومي البحري و الذي حسب علمنا ، لم يكن يعرفه إلا الوزير و إثنين من الأطر السامية بالوزارة.، بينما فاقت العروض الأخرى كلها ضعف هذا الرقم.
و ابتدأت الأشغال بشكل عادي في الحاجز البحري سنة 1998 إلى أن تم إنجاز ما يناهز سبعمائة متر من الحاجز ، لتبدأ المشاكل مع الوصول إلى عمق استحال معه التقدم وسط البحر لأن الأمواج كانت تحطم ليلا ما يتم تشييده بالنهار ، إضافة إلى هذا تبين بأن عملية إزالة الصخور تستلزم معدات يتم استئجارها من الخارج ، يكلف نقلها لوحده الملايير إضافة إلى عمليات الحفر و استعمال المتفجرات مما سيكلف الشركة المغربية مرة و نصف مبلغ الصفقة في عملية إزالة الصخور لوحدها و هذا ما يهدد الشركة بالإفلاس و المشروع بالتوقف ، كما بين هذا المشكل بأن المقاولات الأجنبية كانت حساباتها دقيقة و أن تطابق أرقام المقاولة المغربية و أرقام صاحب المشروع تثير الكثير من الشكوك حول إمكانية تسربها من الوزارة إلى المقاولة ، و بصيغة أخرى فإنه من الممكن أن تكون الشركة قد حصلت على الأرقام السرية عوض إجراء دراسة ستكلفها كثيرا.
الشركة وقعت في ورطة و الدولة معها و لم يكن من الممكن ترك المقاولة المغربية و شأنها تواجه المجهول ، سيما و أنها الوحيدة في بلادنا التي تقوم بتشييد الموانئ، و تمت دراسة مستعجلة من طرف أحد مكاتب الدراسات المقرب من الدولة و التي أسفرت دراسته على أمور تعاكس ما خرجت به دراسة “سوكريا” مفادها أن أشغال إزالة الصخور غير ضرورية و أن الحاجز البحري يجب أن يتوقف عند 700 مترا(؟).
هذا الأمر نزل بردا و سلاما على المقاولة المنفذة للمشروع التي أوقفت الحاجز عند 700 مترا و حولت الباقية إلى الجهة الجنوبية حيث شيدت حاجزا أمام بوابة الميناء بطول خمسين مترا و بدون دراسة و لإسكات بعض الأصوات قامت بترميم بعض مرافق الميناء ، كما عبدت شارعي الشباب و ابن خلدون بمدينة طانطان و عبدت طرقا بمدن أخرى بالجهة و كفى المؤمنين شر القتال.
بينما الأشغال جارية آنذاك كتبنا مقالا مطولا حول الموضوع بعنوان” ميناء طانطان: هل ذهبت كل الإستثمارات سدى؟” أشرنا فيه إلى أن الأشغال الجارية لن تضع حدا لمشكل الترمل بل إن الحاجز الذي تمت إضافته سيحد من حركية الرمال التي ستتجمع بالمدخل و سيتكون ما يشبه شاطئا رمليا بين الحاجز و الحاجز القديم الذي تشكل الجانب الجنوبي من للبوابة ، و هذا ما تحقق حاليا بالفعل.
آنذاك و في أواسط سنة 1998 ، التقط رئيس إحدى الفرق البرلمانية بمجلس النواب و هو السيد المسعودي العياشي النائب عن إقليم تاونات و المنتمي لفريق التجديد و التقدم المقال و وجه سؤالا في الموضوع إلى وزير التجهيز في حكومة التناوب الأولى و كان جواب الوزير هو أن الصفقة التي كلفت عشرين مليارا ستجنب وزارته من أعمال الجرف لمدة عشرين سنة و التي كانت تكلف حسب الوزير آنذاك ثمانية ملايين درهما.
إذن ، فبناء على هاته المعطيات فإن قطاعا حكوميا هو الذي يتحمل مسؤولية ترسب الرمال ببوابة ميناء طانطان و أن الوكالة لما تسلمت أمور الملك العمومي البحري و أصبحت تتحمل عبء الجرف و مشاكل البوابة وجدت المشكل قائما و أن من يشحذون سكاكينهم لتصفية مشاكلهم مع المدير الحالي للوكالة بطانطان من منتخبين و ذوي مصالح بالميناء يستغلون ما وقع لناقلة النفط . كما أن المشكل يتجاوز مدير وكالة أو وكالة بأكملها ليصبح مسؤولية جميع المتدخلين و أنه على المنتخبين بالبرلمان و الجماعات و غرفة الصيد البحري أن يحملوا ملف الميناء للدفاع عنه مركزيا ، سيما و أن المجلس الإقتصادي و الاجتماعي و البيئي قد نص في مشروع النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية على ضرورة إصلاح الميناء.




















































































