المغرب الأزرق
متابعة
خرق المقتضيات والمساطر من قبل المسؤولين والمواطنين لا ينتهي بسلام في أغلب الأحيان
لن يكون حادث مصرع تاجر سمك من الحسيمة بطريقة مقززة داخل شاحنة لجمع النفايات الأخير في سلسلة الأحداث المأساوية في المغرب التي يكون سببها المركزي التساهل في تطبيق القانون من قبل المسؤولين، أو الخضوع والانصياع لتدابيره وإجراءاته ومساطره من قبل المواطنين.
في كل الحالات التي تطورت إلى ملاسنات بين قوات عمومية ومواطنين أو “ذوي حقوق”، أو انتهت إلى عمليات انتحار وإحراق الأجساد أمام إدارات عمومية، أو قتل متعمد أو غير متعمد في حق رجال سلطة أو محتجين، ثمة دائما أخطاء في تنزيل المقتضيات القانونية روحا ونصا، أو تلاعب متعمد فيها، أو تحايل عليها لخدمة مصالح فئة معينة (مستفيدة)، أو تلبية مصلحة ذاتية (عمولات ورشاو وإتاوات مقابل غض الطرف عن تطبيق القانون).
فبائع السمك كان يمكن أن يبقى على قيد الحياة، لو احترم الجميع القانون من بينهم الضحية نفسه (رحمه الله) الذي قرر في لحظة ضعف وضغط اجتماعي (كما حكى أحد أقاربه في رسالة مطولة) التعامل بالمثل لضمان لقمة عيش له ولأسرته المكونة من عدد من الأفراد، ضمنهم شقيقان حاصلان على إجازتين في الكيمياء والفزياء، يعانيان أزمة نفسية، بسبب البطالة وتبخر أحلامهما في مستقبل مريح.
والتعامل بالمثل يعني مجاراة الآخرين في خرق القانون ودفع الإتاوات و”شراء الطريق” والتدرب على استعمال الأساليب نفسها التي يتقنها أباطرة بيع السمك في الجملة، إن أراد أن يضمن مكانا بينهم حاول مرة ومرتين وثلاث.نجح في الأولى وفشل في الثانية، وقدم حياته قربانا للثالثة، اعتقادا منه أن هذا الأسلوب يمكن أن يكون سبيل نجاحه في كل المرات.
بدأ زوال الجمعة 30 أكتوبر الماضي (يوم الحادث) بجملة من الأخطاء والخرق السافر لقوانين ومساطر وإجراءات معروفة وانتهى قبيل منتصف الليل بكارثة طحن مأساوية، كادت أن تشعل المغرب برمته وتحوله إلى ساحة اضطراب عظمى، لولا الألطاف الإلهية وحكمة وتعقل عدد من منسقي الوقفات والمسيرات الاحتجاجية.
الخطأ الأول يتعلق بتهريب أسماك من ميناء الحسيمة ممنوع اصطيادها في هذه الفترة من السنة (بين فاتح أكتوبر و30 نونبر) بمجموع مصايد البحر الأبيض المتوسط، وفقا لمعاهدات دولية وقع عليها المغرب.
منذ البداية كان الشاب محسن فكري، تاجر الأسماك بالجملة، يعلم أنه اشترى كمية أسماك من نوع “أبو سيف” يمنع اصطيادها في هذه الفترة، ونجح في إخراجها من الميناء، ما يضع جميع مسؤولي هذا المرفق والقطاعات الإدارية المتدخلة فيه تحت طائلة المساءلة من قبل الجهات المختصة، لمعرفة الشخص، أو الأشخاص الذين دخلوا البحر في هذه الفترة واصطادوا كميات من هذا النوع، وقاموا ببيعها داخل منطقة “رسمية”.
الخطأ الثاني، هروب سائق السيارة المحملة بالأسماك المهربة من نقطة للتفتيش يقف فيها ضباط أمن موكول لهم (إضافة إلى مسؤولين وأعوان آخرين) عمليات المراقبة والتفتيش وتحرير المخالفات، حسب المادة 31 من الظهير رقم 1.73.255 (23 نونبر 1973) المتعلق بتنظيم الصيد البحري.
الخطأ الثالث، إيعاز التاجر إلى عدد من زملائه للتوجه إلى مقر الدائرة الأمنية من أجل الاحتجاج، دون اتخاذ أي إجراءات احترازية في حقهم، باعتبارهم ينظمون حركة احتجاجية دون ترخيص مسبق، أو إشعار للسلطات المعنية.
رجال الأمن، المتوفرون على الصفة الضبطية، تساهلوا في الاحتكام إلى القانون، فارتكبوا بدورهم عددا من الأخطاء في مسطرة مراقبة محجوز والتخلص منه، وأهم خطأ عدم وضع صاحب البضاعة تحت تدابير التوقيف المؤقت إلى حين انتهاء المسطرة، وصدور أوامر جديدة من النيابة العامة.
إن التهديد بالانتحار الذي عبر عنه تاجر السمك لأكثر من مناسبة كان ينبغي التعامل معه بجدية أكبر على الأقل من باب حمايته من نفسه.





















































































