لايمكن فصل قرار الحكومة الإسرائلية بإقرارها الصريح بمغربية الصحراء بعد ثلاث سنوات من اتفاقية استئناف العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، عن السياق الذي تعرفه العلاقات المغربية مع الاتحاد الأوربي فيما يخص اتفاقية التجارة و بروتوكول الصيد البحري، حيث سنقف قليلا عند موعد افتتاح مفرخة الصدفيات بطنجة مع موعد إعلان الجانب الاسرائيلي اعترافه بمغربية الصحراء، كرسالة واضحة الى من يهمه الامر.
فرغم التخلف عن الموعد بثلاث سنوات عن قرار ترامب ، فإن المؤشرات الصامتة و رغم الضجيج الإعلامي المصاحب و المشكك ، كانت توحي بتطور جد إيجابي ، خصوصا بعد الخطاب الملكي الذي جعل من قضية الصحراء المغربية بوابة وحيدة لأي علاقات ثنائية مع المغرب.
و يبدو جليا كذلك أن التوجه نحو أفريقيا هو القرار الاستراتيجي الحكيم الذي اتخذه جلالة الملك لإعادة ترتيب العلاقات و تموقع المغرب كمحور و كفاعل و كشريك استراتيجي للقوى الدولية و على راسها كالولايات المتحدة الأمريكية و روسيا و الصين، وهي الأقطاب التي تدور في فلكها كيانات تابعة، كالاتحاد الأوربي و إسرائيل دول الشرق الأوسط و بعض الدول الإفريقية “الإنمع”.
عودة الى علاقة المغرب و إسرائيل فلا يمكن غض الطرف و لا تجاهل العمق التاريخي و الثقافي الاجتماعي بين مكوني البلدين، قبل الحديث عن العلاقات الديبلوماسية و ما يستتبعها من مصالح معلنة و أخرى تبقى في إطار التعاون الدولي في الأمن و غيره من المجالات الحيوية، حيث سيكون الاعتراف الإسرائيلي بمغربية الصحراء هو قرار دولة ، يعكس الإرادة الشعبية لليهود المغاربة كأكبر مكون ديموغرافي و قوة سياسية بإسرائيل،و ينسجم مع المناخ الدولي العام و التغيرات الجيو استراتيجية التي يعرفها العالم في أفق 2030.
و بالتالي فإن ما أثير و يثار من مخاوف أو تثبيط او تبخيس للموضوع منذ التوقيع على اتفاقية التعاون بين الدولتين ، هو من باب عرقلة تقدم المغرب في تحلله من علاقاته مع الاتحاد الأوربي بالدرجة الأولى لا غير ، و خشية الجهات التي تصنع الخوف و تبثه لدى الرأي العام المغربي باسم القومية ثارة و باسم الدين(الوجدان/العاطفة) ، على ضياع مصالحها و مكتسباتها و منها اتفاقية التجارة و الصيد.
كما أن الخلط بين القضية الفلسطينية و تحوير استئناف العلاقات على أنها تطبيع أو تسويقه على أنه تخوين ، يبقى من باب التشويش، و هو رهان خاسر وورقة تلعب بها بعض الجهات التي تعيش خارج المنطق و التاريخ ، فحتى الحكومة الفلسطينة المغلوبة على أمرها لم تعترف بمغربية الصحراء ، بل كانت مساندا لجبهة البوليساريو منذ تأسيسها تحت رعاية الجزائر، و هو موقف سياسي لا يعكس الموقف الشعبي الفلسطيني، و نتفهمه جيدا لما فيه من حرج للقيادات الفلسطينية و تغليبها لمصالحها المادية على الحقائق التاريخية و على مصالح المغرب و شعبه ، و هي مسألة لا تنتقص من دور المغرب في رعاية مصالح المقدسيين او تقديم الدعم للشعب الفلسطيني، و لن نكون فلسطينيين أكثر من الشعب الفلسطيني نفسه.
إن ما كان يخشاه الاتحاد الاوربي الذي جعل من المغرب سلة غذائية من المنتجات الفلاحية و السمكية ، هو ما وصل إليه ، بسبب ربما غبائه لاعتماده على نفس النهج في معاملاته مع المغرب التي تقوم ليس على التوازن و التكافؤ و الشراكة المتقدمة ، بل على الابتزاز.
و هذا الخوف و التوجس سنجد تفسيره في خشية الاتحاد الاوربي من فرط السيطرة على باقي القارة الافريقية، و بالتالي تغيير شامل في المعادلات الجيواستراتيجية، التي تبقى جميعها لفائدة المغرب.
و قد سبق القول في مقال سباق أن المغرب طور من أداءه و طور آلياته الديبلوماسية استنادا الى رصيده التاريخي العميق ، ففي جميع الأحول يبقى النظام المغربي اقدم بكثير من الاتحاد الأوربي كتجربة آيلة للانهيار بعد نصف قرن فقط.
و في علاقته المتقدمة مع اسرائيل حثما ستغير المعادلات في مجال التغذية و الزراعة و حتى في الصيد البحري ، خصوصا منه تربية الأحياء البحرية و هو رهان يخوضه المغرب متعثر منذ عشر سنوات ، كما أن من بين الاستثمارات الواعدة التي يضع عليها الجانب الإسرائيلي عينه بالمغرب هي استزراع الطحالب الخضراء و تثمينها كبدائل لسد الفجوة الغذائية العالمية ، وإضافة الى توسيع الصناعات السمكية، هذا فضلا عن باقي القطاعات الحيوية كالفلاحة و الصحة و الصناعة و التكنولوجيا و السياحة ….
أما بخصوص الاتحاد الأوربي فمع اعتراف دولة اسرائيل بسيادة المغرب على صحراءه الغربية، فلا يمكن الا القول أن “مول المليح باع و راح”، و اي مفاوضات بخصوص مستقبل اتفاقية الصيد لا يمكنها أن تقوم الا على قواعد جديدة، و يبقى على قطاع الصيد البحري بكل مكوناته إدارة و مهنيين ، التحلي بالجرأة لمواكبة مواكبة هذه المتغيرات كقوة اقتراحية لإتخاذ القرارات المناسبة في التوقيت المناسب.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل.






















































































