بالأمس(الجمعة 17 يناير2020) احتضن معهد التكنولوجيا للصيد البحري بالعيون ندوة حول “أخلاقيات السلامة البحرية”، حضرها مسؤولون و ثلة من الخبراء و المهنيين و الطلبة و المتدربين، و ربما في قراءة للعنوان بغض النظر عما جاء في مداخلات المؤطرين التي تبقى من باب اجترار ما تلقاه رجال البحر في خمسة ايام، او ما يتجاوز وعيهم و فهمهم، فان اختيار “الأخلاقيات” يخاطب العقل و القلب و الضمير المهني للمسؤولين على السلامة البحرية، بالالتزام في حماية الأرواح و الممتلكات و وضع تشريعات واضحة تكون بمثابة الرادع و الكابح للهدر الذي يعرفه قطاع الصيد البحري في الأرواح و الممتلكات و الذي يكلف الاقتصاد و المجتمع على حد سواء خسائر جد كبيرة.
يبقى من المواضيع الأكثر أهمية في دول العالم الا بالمغرب هو السلامة البحرية، حيث توجهت الدولة من خلال استراتيجية اليوتيس إلى الاستثمار في حماية الثروة السمكية ضمانا لاستدامة المحزون و معه أنشطة الصيد ، و أسست لمنظومة متكاملة من الأليات بين ما هو تشريعي و تنفيذي و علمي ابرزها ما جاء في اطار محاربة الصيد الغير القانوني و حماية الثروة السمكية شرعت وزارة الصيد البحري قانون مكافحة الصيد الغير القانوني العشوائي و الغير المصرح به، و أطرته بعقوبات زجرية تصل الى مئات الملايين، يتحملها الربان باعتباره المسؤول عن الصيد و الملاحة في المناطق المحددة من طرف الإدارة الوصية.
و مع اتضاح الرؤية لذا المستثمرين و ضمان حماية قانونية للاستثمارات و لحماية الثروة السمكية التي تأت بفضل استراتيجية اليوتيس، بعد الفوضى و العشوائية التي طبعت تاريخ ما قبل استراتيجية اليوتيس، أصبح قطاع الصيد البحري عامل جذب للاستثمارات وازاه ارتفاع في الطلب على الشغل ، واكبته الوزارة المعنية بتسهيل الولوج عبر مسالك متنوعة بين التكوين بالتدرج و التمرس لفائدة البحارة تؤهلهم لمهام القيادة الى مستويات متقدمة من التعليم العالي تنتج أطرا علمية و أكاديمية.
و بين ارتفاع الطلب على ولوج الاستثمارات في قطاع الصيد البحري و ارتفاع الطلب على الشغل، الذي يقترن بظاهرة الهدر في مناصب الشغل و العزوف عن الإبحار بسبب ظروف الشغل و طبيعة القطاع المتسم بعدم الاستقرار، ظهرت حالة من التدخل القيسري لسد ثغرة اليد العاملة بتوفير تكوينات على “السريع ” تعتمد على تلقين رجال البحر الافتراضيين مبادئ السلامة ، و بالأحرى “كيف تنجو من الغرق في خمسة أيام” و باقية تأتي بالتمرس ، بعد هذه الفترة يتلقى المتدرب وثيقة تسهل له ولوج العمل على متن مركب أو سفينة ك”بحار” برقم تسجيل وطني، و بعد أشهر من العمل سيسهل نظام التكوين البحري لهذا البحار الحصول على “رخصة القيادة”، “كربان”، هذا اذا كان هذا البحار قد سلك المسلك الطبيعي و القانوني للحصول على الرخص، علما أن كثيرين قد تحصّلوا على الرخص من مافيا المتاجرة بالشواهد، و منهم من يشغل حاليا مهام بحار، و أخرون يقودون مراكب الصيد، و كثيرون غرقوا أو تسببوا في غرق المراكب و أطقمهما.
الحالة هذه و نحن في بداية العقد الثالث من الألفية الثالثة، لا نزال نرى و نشهد على ابتلاع البحر للأرواح و الممتلكات بفعل لا مسؤولية الجميع، و عدم الحسم في التدخل الزجري لوقف النزيف.
في دورة سابقة لغرفة الصيد البحري المتوسطية أشار يوسف بنجلون إلى ضرورة إخراج نص قانوني يحمّل ربان الصيد المسؤولية مدنية او عمومية في حوادث البحر، على غرار مدونة السير التي تحمل المسؤولية الى سائق العربة.
بعد حوالي السنة ارتفعت بشكل مهول أرقام الحوادث التي أتت على مراكب الصيد الساحلي في سابقة لم يشهدها قطاع الصيد البحري و لا الملاحة التجارية في زمن الجهل و الأمية و قبل استراتيجية اليوتيس. و بالرجوع إلى التحقيقات و إن حدد التقرير أسباب الحادث فإننا لم نشهد على إحالة الملف على القضاء لتحديد المسؤوليات و متابعة المتسبب قضائيا إما الربان الذي لم يتخذ أسباب السلامة ، أو الشركة التي قامت بالصيانة أو الإدارة التي رخصت تقنيا بالإبحار…الخ ، بل توجه عناية الجميع إلى انتظار ما سيحصل عليه المجهز من تعويض من شركة التأمين أو تلقي المساعدة من طرف الأصدقاء ،فيما تتقاسم أسر الموتى و المفقودين أو حتى المعطوبين تعويضات من هنا و هناك لا تغطي حتى شهرا واحدا من المصاريف اليومية.
في المغرب و ربما لا يوجد مثله في بلدان كثرة من العالم ، يوجد بكل ميناء صيد جمعية للإنقاذ، يتم تمويلها من اقتطاعات أسطول الصيد البحري النشط بذات الميناء، و تصل مداخيله إلى الملايير، و حتى لا نتهم بالمبالغة، نحيلكم على ميناء العيون حيث تكدس جمعية الإنقاذ مئات الملايين توزع بين إصلاح و صيانة خافرة الإنقاذ و تجهيزها و تموينها و بين تعويضات طاقمهم، و أطراف أخرى بغير حق .
رغم الملايين المكدسة في هذه العلب لم نسمع أن جمعية البحث و انقاد الأرواح البشرية و التي غالبا ما يرأسها مندوب الصيد البحري أن قامت بحملة تحسيسية لفائدة البحارة و الربابنة الذين يقتطع جزء من حصتهم لفائدة الجمعية، أو نظمت هذه الأخيرة دورة تدريبية أو يوما دراسيا في موضوع السلامة البحرية، فيما اذا قمنا بتحقيق في المصاريف سنجدها توجه إلى غير وجهتها.
و بالعودة الى موضوع الندوة حول “أخلاقيات السلامة البحرية”، فان على الفاعلين الذي يأتلفون في جمعيات الانقاذ البحري أن يتحملوا قسطا من المسؤولية في اعمال صلاحياتهم و القيام بالواجب بالوقاية قبل التدخل للانقاذ او البحث عن المفقودين او تمويل المآثم،و ذلك عبر وضع برامج مخططات في السلامة البحرية كالتحسيس و التدريب و تحيين المعارف و مواكبة التكنولوجيا…الخ، كما يدعو هذا العنوان الجهات الوصية على القطاع الى تحمل مسؤولياتها في اخراج قوانين و تشريعات تجرم تعريض الارواح البشرية للخطر و تعاقب على تكبيد المجهزين الخسائر،و الدفع في اتجاه تبني ثقافة الوقاية و الحماية كمبدء اساسي للابحار قبل حماية الثروة السمكية.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الاعلام البحري و التواصل.





















































































